-
- أمّا الشعوب المُبعَدة عن المساهمة السياسية والتي يُفرَض عليها المسؤولون فرضاً، سواء بانقلابات عسكرية أو عبر حسم صراعات عنيفة داخلية أو من خلال تدخل خارجي مباشر… إلخ، تُعامِل هؤلاء المسؤولين غير المُختارين على أنهم بشر مُلهَمون واستثنائيون. هكذا تبرز المفارقة: كلما نقصت مساهمة المحكومين في اختيار المسؤول، كلما علا تصنيفه في وعيهم، وزادت هالة الإعجاب حوله. وكأنما في الخلفية الذهنية للشعوب المحكومة بأنظمة تسلطية معظمَ تاريخها، تَشكَّلَ اعتقادٌ متوارث يقول إن اجتماع الظروف التي انتهت بوصول المسؤول إلى منصبه، كيفما كان هذا الوصول، هو انعكاسٌ لإرادة إلهية خفية تحقق ذاتها بشتى الصور، الأمر الذي لا يتطلب فقط القبول بالواصل الجديد بل وتمجيده بوصفه ثمرة لهذه الإرادة العليا. نعتقد أن لهذه المفارقة بُعداً نفسياً يُضيء على أسباب عدم تطورِ واقعنا السياسي، والتكرارِ اللانهائي لحلقة التخلّف والاستبداد السياسي في بلداننا.
تمجيد السلطة آليةٌ نفسية للتهرُّب من الواجب
من الممكن تناول ظاهرة خضوع شعوبنا الدائم لمسؤولين لا يد لها في اختيارهم ولا سبيل سلمياً أمامها لإبعادهم عن مناصبهم، على أنها انعكاسٌ للخوف وتحاشٍ للأذى أو طمعٌ في مكاسب، ولكن الأمر في حقيقته ليس نفاقاً للحاكم بل نفاقٌ للنفس بالأحرى، ذلك لأن التسليم «الغيبي» باستثنائية الحاكم وبأن إرادة أعلى من إرادة الشعب أوصلته إلى منصبه، التسليم الذي له حضور مُدرَك أو غير مُدرَك في الذهنية العامة، والذي يتجلى بتمجيد المسؤول واستصغار النفس أمامه، والقناعة بأن السلطة شأنٌ عالٍ يفوق طاقة العامة؛ نقول إن هذا التسليم ليس إلا غطاء تبريرياً لحقيقة قائمة ولكن غير مُعترَف بها، وهي نزوع المحكومين الدائم إلى القعود والكسل والقبول بعجزهم عن متابعة مصالحهم وشؤونهم الواقعية، ما يدفعهم إلى إيكال أمرهم للسلطة، وانتظار الخير منها بالمقابل. «إن الشعب هو الذي يرضى ببؤسه، لا بل يسعى وراءه … إن الشعب هو الذي يسترقُّ نفسه بنفسه، وهو الذي يذبح نفسه بيده … حتى ليبدو أن حب الحرية نفسه لم يعد طبيعياً»، على ما يستنتجُ الكاتبُ والقاضي الفرنسي إيتيان دو لا بويسي من القرن السادس عشر. 1 هكذا فإن تمجيد السلطة لا يُفسِّرُه كاملاً الخوفُ من السلطة، فالكسل والتهرُّبُ من واجب أن يتولى الناس أمرهم، له دور عميق في ذلك. ولا شك أن الخوف والكسل يغذي أحدهما الآخر.
يوجد لدى شعوبنا كسلٌ سياسيٌ عام ومزمن، تراكمَ في وعي العامة والخاصة على مدى قرون من الاستبداد، حتى غابت، بصورة شبه تامة، القناعة التي تؤكد على أهمية حضور المحكومين في المجال العام، وعلى أهمية تَدخُّلهم الدائم لفرض الشفافية على السلطات، والوقوف المواظب في وجه السلطة لحماية مصالحهم وتحسين نوعية حياتهم. وبغياب هذه الفكرة غابت العناصر الضرورية التي تتكامل معها وتجعلها مؤثرة في إدارة البلاد، مثل الصحافة الحرة والقضاء المستقل ومختلف أشكال التعبير والاحتجاج وإيصال الصوت والموقف. مثل هذه الفاعلية الشعبية المُثابِرة غير مُتأصِّلة في تقاليدنا العامة، ومردُّ ذلك هو طبيعة العلاقة المُكرَّسة بين السلطة والمحكومين، ذلك أن السلطة عندنا، عبر العصور، تفرضُ نفسها على الناس بالقوة، وهو ما أنتج لدى الناس غياب الثقة بقدرتهم على التحكم بحياتهم السياسية، الأمر الذي أنتج بدوره ميلاً عاماً «لعبادة» السلطة بوصفها نوعاً من القضاء والقدر. وهكذا فإن العادة عندنا أن يردَّ الناس على اعتباطية السلطة، وتجبُّرها، إعجاباً وخضوعاً وصبراً ورجاءً يائساً برحمة السلطة وعطاياها، حتى بات ذلك كأنه طبيعة لدى شعوبنا. 2
من الطبيعي أن يميل الكسل بصاحبه إلى إيكال أمره للغير، وهذا يقتضي بطبيعة الحال نوعين متلازمين من التسليم: أولاً، أن يُسلّم المرء بضعفه عن إدراك مصالحه ومتابعتها وخدمتها؛ وثانياً، أن يُسلّم بقدرات «استثنائية» لدى الغير (السلطة) تجعله مُستحِقاً للإعجاب وجديراً بالاتكال عليه وصالحاً لتولي الحُكْم بما يتضمنه من «تَحكُّم» بالمحكومين (من اللافت التقاربُ في اللغة العربية بين مفردات الحُكْم والتحكُّم والحكومة… إلخ، من جهة، ومفردة الحكمة، من جهة أخرى. فهل ينبع التقارب من كون الحكمة أساسية للحُكْم، أم العكس، أي من اعتبار ما يبدر عن الحُكْم والحاكمين إنما ينطوي دائماً على حكمة ما، حتى لو لم يُدركها المحكومون وحتى لو كانت على حساب مصالحهم وحياتهم).
تمجيدُ السلطة في حقيقته تعبيرٌ عن هزيمة المحكومين وشعورهم بالضعف أمامها، ما يقودهم إلى الخضوع لها، وتغليف هذا الضعف بتعظيم مكانة السلطة وقوتها. إنه وجه آخر لتقزيم الذات من جانب المحكومين، أمام سلطة يأخذهم التصور الموهوم إلى أنها بمثابة قضاء وقدر لا يُرَد. السلطة التي لا يد لك في اختيارها وتشعر أنك لا تملك ما يمكنك التأثير فيها، تتحول في الذهن مع الزمن إلى ما يُشبه قوة غامضة عصيّة على الفهم، يحسنُ التقرُّب منها وتفادي شرورها. هذه الآلية النفسية مضطردة وعريقة، إلى حدٍّ يُغري بالقول إن تمجيد السلطة تعبيرٌ ليس فقط عن ضعف المحكومين بل وعن رغبتهم في ذلك.
كما قلنا، ينطوي تمجيد السلطة على تبرير غير مُعلَن، وربما غير مُدرَك، للكسل والانكفاء العام عن تحدي السلطات وعن الحضور الشعبي الدائم والمنظم في المجال العام. الرسالة الذاتية تقول: صحيحٌ أننا لم نختر السلطة، هذا أمر لا ننكره، ولكن هذا ليس عيباً يجب إصلاحه، فالسلطة التي لم نَخترها، تتجاوز في جودتها أي سلطة نختارها، إنها من الجودة بمكان يجعلنا نقبل بها ونوكلها أمورنا برضا ودون قلق. ليس الكسل والتقصير والخوف هو ما يُقعِدنا عن المطالبة والعمل من أجل لعب دور باختيار السلطة، أو عن مطالبة السلطة بحقوق أو إصلاحات وما إلى ذلك، بل إدراكنا أن لا حاجة إلى مثل هذه المطالبة وهذه المواجهة، فالمستوى العالي للسلطة وقُدرتها على تحقيق مصالح «الأمة» على أحسن وجه، هو ما يجعلنا نَمحضُها الثقة ونتفاءل بها، حتى لو ظهر أن في خياراتها السياسية والأمنية والاقتصادية والإدارية … إلخ، ما يُعارض مصالحنا، وحتى لو بدرت من بعض فروعها أخطاء وتجاوزات هنا وهناك، يبقى ثمة حكمة في سياساتها، وإن لم ندركها، وتبقى ثقتنا أن كل شرّ يصدر عنها إنما هو ناجم عن صعوبات وضغوط سيتم تجاوزها وعلينا أن نصبر لها.
على هذا فإن السلطة في الوعي العام في مجتمعاتنا ليست شأناً دنيوياً تماماً، إنها تحمل في الذهن ظلاً «ميتافيزيقياً» فوق بشري تُعزِّزه السلطة نفسها من خلال ممارسات تسلطية وعنيفة، فيها نقصُ اعتبارٍ كبير للمحكومين واستهانةٌ بهم، وهو ما يُعزِّز شُعورَهم بالصغر أمامها، ويكرّس علاقة التسلط والخضوع، فيكون موقف «المواطن» من السلطة إيمانياً، إما الولاء أو العداء، وينطوي هذا وذاك على تهميش العقل. يشبه هذا علاقة الإنسان مع الدين، إما الإيمان أو الكفر، والإيمان يعني القبول بكلية الدين المُحدَّد، وإلا فإن الخانة الوحيدة خارج القبول الكلي هي الكفر. هذه الثنائية القطعية (ولاء/عداء) لا تقبل التطوير، يمكن للفرد أن يتمرد على دينه مثلاً فيختار الانتقال إلى دين آخر ويكتشف أنه يعيش في الدين الجديد الثنائية نفسها بين الكفر والإيمان، لأن المشكلة لا تكمن في هذا الدين أو ذاك، إنها تكمن في الدين الذي يضع الفرد في هذه الثنائية. كذلك يمكن للشعب في بلداننا أن يتمرد على السلطة، بعد خنوع طويل لها، ويمكن أن ينجح في تغيير السلطة، ليكتشف أنه لم يتحرر مع ذلك، والسبب هو أن التمرد يتوجه ضد سلطة مُجسَّدة ولا يستهدف نمط علاقة الشعب بالسلطة، والحالُ إن المشكلة ليست في سلطة مُجسَّدة بل في نمط العلاقة القائمة بين السلطة ومحكوميها. والغالب أن المتمردين لا يمتلكون تصوراً نقدياً لهذه العلاقة، أي إنهم لا يدركون وجود نمط آخر للعلاقة بين السلطة والشعب، ذلك أن موقع السلطة في الوعي العام يبقى هو نفسه، وهكذا حتى لو أفلح الشعب في إسقاط سلطة، فإنه سوف يعيش مجدداً مع السلطة الجديدة وفق العلاقة السابقة نفسها التي ربطته مع السلطة القديمة، تماماً كما يعيش الفرد الذي يتمرد على دين ويتحول إلى آخر، ثم يعيش العلاقة «الدينية» نفسها مع الدين الجديد.المصدر النفسي لعبارة «الرئيس جيد ولكن الفساد في الحاشية»
قد يصل سوء السلطة إلى حدٍّ يصعبُ إغماض العين عنه، ويصعب إدراجه في «حكمةٍ» ما لا يدركها العامة. هنا قد يُصاب المحكومون بالإحباط، ويصل تواطؤهم مع ذاتهم إلى طريق مسدود يفرض المواجهة مع السلطة. في مثل هذه الحال يُدافِعُ الكسلُ العام عن نفسه بالعبارة الشهيرة «السوء في الحاشية وليس في الرئيس»، أي إن مصدر السوء هو محيط السلطة وليس مركزها، وما يعني ذلك من تمنية للنفس وفتح باب للأمل بأن المركز النقي سوف يُعالج فسادَ المحيط. وعلى اعتبار أن المركز هو الأقوى فإن نجاحه ضد المحيط مؤكد ولكنه قد يستغرق وقتاً، ولذلك ما علينا سوى الانتظار والصبر. المصدر النفسي لهذه العبارة هو الخوف من فقدان الثقة بالسلطة، لأن ذلك يرتب على العامة الأعباء الضخمة والمخاطر الكثيرة الناجمة عن مواجهة السلطات.
للمسؤول الأول في الدولة (رئيس أو ملك أو أمير…) مكانةٌ استثنائية في الوعي العام في بلداننا. المسؤول الأول عندنا لا يصل بطريقة شرعية إلى الحكم، ولا يَسمَحُ بتوفر طريقة شرعية لخروجه من الحكم. وصوله إلى الحكم يُشكِّل بداية التاريخ الذي يُصبِح بعد ذلك لا نهاية له (لا حاكم من بعدي). إنه مؤبد مهما كان شكل النظام السياسي، حتى لو كان جمهورياً يقدم مسرحية انتخابات رئاسية دورية. يمكن للمسؤول الأول أن يتخطى أي عائق قانوني أو دستوري في سبيل أن يتابع أبديته، التي ينقذها التوريث حين يخونها الموت. اعتاد الناس في بلداننا على هذا، واستقرَّ في وعيهم أن أمر المسؤول الأول في الدولة مستقلٌّ عن إرادتهم، ويحسن بهم ليس فقط قبوله، بل وتمجيده والتغني به.
فقط في بلداننا تتردد هذه القناعة الطفولية الشهيرة التي تنزع المسؤولية عن المسؤول الأول. وهي، في العمق، تَحايُلٌ على النفس بغاية الهروب من واجب مواجهة السلطات. يتخذ تَصوُّرُ المحكومين عن الرئيس طابعاً دينياً، فالمسؤول الأول ذو السلطة العليا لا يمكن أن يكون مسؤولاً عن شرور السلطة، بل هو الأمل في التغلُّب على هذه الشرور بالأحرى، إنه مصدر الخير الذي يأتي من السلطة والذي تستوعبه اللغة على أنه عطايا وكرم «رئاسي». على هذا فإن الأمل لا ينقطع بسلطة يكون رأسها ومركز الثقل فيها صالحاً أبدياً.
في قرارةِ نفس المحكومين في بلداننا يكون الحاكم بمثابة إله دنيوي لا حدود لقدرته ولا ينقطع الأمل بخيره، نشكره على عطاياه، ونصبر على ما يُصيبنا من بلاوى في ظله، لأنه في النهاية لا يُضمِر لنا سوى الخير ولأنه عالمٌ بنا وبأحوالنا. وهذا ينسف المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه نضال المحكومين ضد السلطة من أجل توسيع مشاركتهم السياسية وتحسين حياتهم. فنرى أن سعي المحكومين لتحسينِ الحال في بلداننا، ورفعِ الحيف، يتخذ شكل الاستعطاف أو الشكوى، أكثر مما يتخذ شكل احتجاج ومطالبة بحقوق، لأن هذا الشكل الأخير يتطلب ما نفتقده في وعينا العام، أقصد نظرة أكثرُ «دنيوية» إلى الحاكم تسمح بأن يُبنى عليها وعيٌ حقوقي، وشعور بالندية تجاه السلطة.
العُمقُ النفسي لعلاقة المحكومين مع الحاكم في مجتمعاتنا هو غياب مبدأ الحق لصالح مبدأ الرحمة التي مَصدرُها الحاكم، وهكذا إذا توصَّلَ المحكومون في لحظة معينة إلى قناعة بأن الحاكم شرير، فسوف ينهار كامل التصور «السياسي» الذي اعتادوا عليه وارتاحوا له وبنوا عليه كسلهم واتكاليتهم وأمانهم النفسي العام. في مثل هذه الحال التي يمكن أن تحدث كل حين طويل من الزمن، يتحول موقع الحاكم في النفس، ويصبح الحاكم هو التجسيد المباشر للشر الكامل وللخيانة التامة، وندخل في الثورة التي تكون، والحال كذلك، على شكل غضب واسع واضطراب اجتماعي مفاجئ يفتقد للتصورات النقدية والرؤية، ويقتصر هدفه على الخلاص من الحاكم المُحدَّد الذي تَكشَّفَ أنه «سيئ»، سعياً وراء حاكم جديد يملأ مركز السلطة بالصلاح ويستعيد الناسُ معه اطمئنانهم واتكاليتهم.
اللافت أن انفتاح العالم بفضل وسائل التواصل والإنترنت وانتشار الفضائيات، واطّلاع الجمهور في بلداننا على أشكال حكم فيها معايير مستقرة للحكم وفيها احترامٌ لحقوق الناس وكرامتهم، ساهمَ في التحفيز على الثورة، ولكنه لم يُساهِم في تغيير ما استقر في الوعي الشعبي العام من قناعات «فوق دنيوية» عن السلطة السياسية.السلطة العارية ومرآة هزيمة المحكومين
تناول عبد الرحمن الكواكبي ظاهرة شائعة في زمن الاستبداد سماها «التمجُّدَ»، وعرّفها بلغته الأدبية بأنها «أن ينال المرء جذوة نار من جهنم كبرياء المستبد ليحرق بها شرف المساواة في الإنسانية… وبعبارة أوضح وأخصر هو أن يصير الإنسان مستبداً صغيراً في كنف المستبد الأعظم… وهكذا يكون المتمجدون أعداء للعدل وأنصاراً للجور، لا دين ولا وجدان ولا شرف ولا رحمة». 3 من يسميهم الكواكبي «المتمجدون» هم أنفسهم من درجنا على تسميتهم الشبّيحة، لأن جوهر التشبيح هو «حرق شرف المساواة» بين الناس استناداً إلى سلطة «المُستبِدِّ الأعظم».
التشبيح هو روح السلطة ونُزوعها العميق للتحرر من القيود ومن «الرسمية». التشبيح هو استقواء بالسلطة العامة يُمارسه أفراد (شبّيحة) لخدمة مصالح خاصة، فيتجاوزون القوانين ويأكلون حقوق الآخرين ويتعدون على الأملاك العامة…. إلخ. هكذا نكون أمام سلطة عامة تستخدمها وتُسخِّرها مصالحُ خاصة. ليس للشبيحة عادةً موقع رسمي في السلطة ولكنهم مسنودون من السلطة عبر علاقات شخصية ومصالح متبادلة. من الطبيعي والحال كذلك أن يتحول الشبيحة إلى أشد المدافعين عن السلطة حين تتهدَّدُها حركة احتجاج واسعة، وقد شهدنا في سوريا بعد 2011 كيف تحولت وظيفة الشبيحة من الاعتداء على الحقوق العامة والخاصة لتحقيق مكاسب خاصة، إلى الاعتداء المباشر على المتظاهرين لحماية السلطة الأم. هكذا تظهر الصلة المباشرة بين التشبيح والسلطة، ويظهر أن من يمارسُ التشبيحَ في الحقيقة هي السلطة العامة نفسها مُجسَّدة في أشخاص غير رسميين تَظهَرُ السلطة من خلالهم عارية من أي ثوب عام، ولذلك تظهر أكثر عنفاً ووقاحة. تكون هذه الاستطالات غير الرسمية للسلطة أكثر قوةً من الممثلين الرسميين للسلطة، ذلك لأن هؤلاء الأخيرين يُشكلون جزءاً من الوظيفة العامة للسلطة، وفي السلطات غير المقيدة يكون الجانب العمومي ضعيفاً ومدحوراً.
الشرط الأهم لبروز ظاهرة التشبيح هو هزيمة المحكومين النفسية وتسليمهم بالعجز أمام سلطة تحتقرهم ولا تعبأ بهم، واثقةً من سيطرتها عليهم، وتستجرُّ منهم الخنوع عبر المزيد من التسلط والاستصغار. رعبُ المحكومين مُقزِّمي الذات وفاقدي الثقة بالنفس، هو ما يُحرِّضُ بروز استطالات وأشباح للسلطة المهيوبة تُعزِّزُ رعب المحكومين وهزيمتهم. لذلك يمكن القول إن وجود التشبيح هو الدليل الأكيد على الطبيعة الفاسدة للعلاقة بين سلطة مُستفشِرة ومجتمع مهزوم.
في أبسط انكسار يفرضه شبيح على مواطن، (لا نقصد بكلمة ‘مواطن’ المعنى السياسي الحقوقي، فهذا المعنى في بلداننا ليس سوى حبر على ورق، بل نقصد أحد السكان أو أحد أبناء البلد) ينعكس جوهر علاقة السلطة بالمحكومين، وتظهر طبيعة هذه العلاقة في مرآة أكثر صفاء من مرآة المؤسسات الرسمية التي تُقيِّدُها رسميتها عن التمادي في احتقار القانون والمواطن، كما يفعل الشبّيح. في كل مواجهة تحدث بين الشبّيح والمواطن، فإن هذا الأخير سوف يستعرض في لحظة واحدة ما يمكن أن يجري له فيما لو وقف عند حقه ودافع عن نفسه، ففي هذه اللحظة تتعرى السلطة «الرسمية»، ويكتشف المواطن خسارته الأكيدة لأنه ليس في مواجهة شخص بل في مواجهة السلطة كاملة. هكذا ينكسر الناس أمام الشبّيحة، وهذا امتدادٌ ملموسٌ وصريحٌ لانكسارهم المعنوي والنفسي أمام السلطة.
يعرف من مرَّ عبر تجربة الاعتقال السياسي المرعبة في هذه البلدان، كيف يعمل مطبخ السلطة الحقيقي في أقبية المخابرات، هنا أيضاً يكون الضباط والعناصر متحرِّرين من أيِّ «رسمية»، ويُمكن للضحية أن ترى هنا وجه السلطة الحقيقي، حيث القيمة الأولى والوحيدة هي السلطة النَّهِمة لإخضاع الجميع أو سحقهم. من هذه الزاوية، يمكن القول إن التشبيح هو نقلُ هذه العدوانية الفجّة التي تُمارَس في الأقبية وبعيداً عن العيون، إلى الشارع وأمام الناس. إنه الصورة الحقيقية للسلطة غير المُقيَّدة التي تهزم شعبها وترعبه، أو يمكن القول، إذا استعرنا مفاهيم تحليل النفس الفرويدي، إن التشبيح يمثل الهو (Id) الخاص بالسلطة، المتحرّر من الأنا العليا (Superego)، التي يُمثِّلها، حسب هذا التشبيه، القانون والأخلاق العامة والرأي العام، ولذلك يحوزُ التشبيح على قوة تفوق قوة المؤسسات الرسمية التي تُمثّل وفق هذا التشبيه الأنا (Ego) الخاص بالسلطة.
لا ينكسر المواطن ويتراجع أمام الشبّيح إلا لأنه يدرك أن السلطة المنفلتة تتجسَّدُ فيه، فلا قانون ولا قضاء ولا حماية مدنية ولا أخلاق عامة أو خاصة سوف تنصر المواطن. يكفي، لكي تنشأ علاقة التشبيح وتنجح في ظلِّ نظام تسلطيٍّ، أن يتوهم المواطن وجود صلة للشبيح بالسلطة. هذا ما يفتح الباب لبروز ظاهرة التشبيح الموازي، أي قيام أفراد يُوهِمونَ الناس بأنهم على علاقة بالسلطة، باستغلال صورة السلطة في الوعي العام كي يمارسوا التشبيح.
من زاوية المحكومين، ينطبق على ظاهرة التشبيح المثل الشعبي الذي يقول «من يخاف من الوحش، يلاقيه»، أو المثل الإنكليزي الذي يقول «أنت تجذب إليك ما تخاف منه» (what you fear, you attract). الخوف من مواجهة السلطة وتعظيمها بدلاً من ذلك، يجعل السلطة مصدراً أكبر للخوف. أي إن سعي المحكومين في بلداننا إلى تجنب شرور السلطة بالانكفاء والانسحاب أمامها والتملُّق لها، يجعل السلطة أكثر سوءاً، ويجعل المحكومين أكثر عُرضة لشرورها وانتهاكاتها، وفي المحصلة «إن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف»، كما يقول عبد الرحمن الكواكبي، 4 ويدفعون ثمن سكوتهم وتراجعهم أكثر مما كانوا سيدفعون في حال اختاروا الوقوف في وجه السلطات وتقييدها.ثورات «إسقاط النظام» وتمجيد السلطة
من ضمن ما هو شائع لتسمية الثورات نَسبُها إلى الغاية التي تقصدها، مثل الكلام عن «ثورة اشتراكية» أو «ثورة ديمقراطية» أو «ثورة تحرر وطني» لبناء دولة وطنية. ثورات الربيع العربي تميّزت بشعار «الشعب يريد إسقاط النظام». هناك من اعتبرَ أن الشق الأول من هذا الشعار يُشكِّل السمة البارزة، ولا سيما بعد غياب «الشعب» طويلاً عن ساحة الفعل السياسي في هذه البلدان. 5 طبيعيٌ أن كل الانتفاضات الشعبية والثورات هي تعبيرٌ عن إرادة الشعب، ولكن أبرز ما يُميِّز ثورات الربيع العربي هو أن شعارها الجامع كان «إسقاط النظام»، وأنها اكتفت به دون تحديد شكل النظام الذي تبتغيه بعد إسقاط النظام، وهو ما يُسوِّغ تسميتها «ثورات إسقاط النظام». الواقع أنه لم يكن لدى النخب في هذه المجتمعات تصورات مُشترَكة لما ينبغي أن يكون عليه المستقبل السياسي ما بعد «النظام»، فلا هدف محدد ولا مشروع سياسي لشكل المستقبل المأمول. المحرك الأساسي لهذه الثورات هو رغبة الخلاص من سيادة التسلُّطية السياسية وما يَنتُجُ عنها من شرور على كل مستوى. 6 والمفارقة أن القوى التي برزت وتبلورت في سياق الصراع ضد الأنظمة القائمة، كانت قوى إسلامية تسلُّطية في تكوينها التنظيمي والفكري.
بقي التفكير السياسي النقدي الهادفُ إلى تقييد السلطات، وتغيير نمط العلاقة معها من خلال بناء دولة مواطنة ومؤسسات تحمي القانون، هامشياً في هذه الثورات، وطغى عليه تفكير هوياتي لا يركز على بنية الاستبداد وعلاقاته الداخلية. وبالتوازي احتلَّ مركزَ الثقل السياسي فيها قوى إسلامية تسلُّطية في مبدئها.
لم يسيطر في ثورات «إسقاط النظام» العربية تَصوُّر متطور لنظام سياسي جديد، أو فكرة محددة تُشكِّل أساساً لبناء سياسي يتحرر فيه المجتمع من قيود النظام السياسي السابق. رفضُ الحاضرِ المزري كان مُحرِّكَ الثورات، أكثر من جاذبية الوصول إلى شكل حكم محدد أكثر تطوراً تَوصَّلَ إليه الفكر وحاز جاذبية بين الجمهور. ولذلك لم يكن لهذه الثورات تحديد واضح أكثر من أنها تريد «إسقاط النظام»، المهمة التي صارت، بفعل صعوبتها القريبة من المستحيل، هدفاً بذاتها مستقلاً عمّا بعدها. في غضون الثورة في سوريا، كثيراً ما تقبَّلَ أصحاب الفكر العلماني الديمقراطي سيطرة إسلاميين غير ديمقراطيين على الضفة المواجهة للنظام، بالقول: لنتخلص من نظام الأسد ثم بعد ذلك تنفتح مختلف الإمكانات التي يغلقها استمراره. في هذا نوع من تقسيم الثورة، تُوكَلُ للقوى الإسلامية مهمة إسقاط النظام بوصفها القوى الأقدر أو حتى الوحيدة القادرة على ذلك، ثم تبدأ بعد ذلك القوى الديمقراطية بالعمل على تجاوز الحدود «الإسلامية» للثورة.
ليس تأسيسُ علاقات تفاعلية بين الحاكم والمحكومين، تجعل للأخيرين وزناً في تقرير شؤون حياتهم على نحو ثابت، هو ما حرَّكَ الثورات العربية. لذلك كانت هذه الثورات فقيرة سياسياً، رغم التضحيات الهائلة. لم يتحطم مبدأ تمجيد السلطات، بل لعله تأكَّدَ أكثر. تُختَصر ثورة «إسقاط النظام» في أنها انتقال نفسي تام من تمجيد الحكم إلى لَعنه، انتقالٌ من القبول الكلي إلى الرفض الكلي، وهو ما يؤسّس لقبول كلي تالٍ للسلطة الجديدة ولتمجيدها.
لم تكن ثورات الربيع العربي تتويجاً لتطور فكري أصيل في العالم العربي عبَّرَ عن نفسه سياسياً في رفض الأنظمة القائمة لصالح أنظمة أكثر تطوراً، بل كانت تعبيراً، بالأحرى، عن أزمة عامة مستعصية تعيشها المجتمعات العربية، تُعبِّرُ عن نفسها في الضعف الاقتصادي وفي أشكال الحكم السائدة وفي العجز عن تجاوز هذا الواقع. الحال الذي انتهت إليه البلدان العربية التي شهدت ثورات «إسقاط النظام» يُشير إلى أن رغبة الشعوب العربية بالتحرر من واقعها المزري ما تزال تفتقر إلى المستندات الكافية للتحقق، الأمرُ الذي يقود هذه البلدان إلى مزيد من التعثر.خاتمة
الواقع النفسي الذي يُولِّده حُكْمُ الاستبداد المزمن لدى عموم المحكومين، يقوم على استيعابِ السلطة بوصفها قوة «فوق دنيوية»، واستيعابِ المسؤول الأول فيها على أنه مركزٌ صالح في محيط فاسد. ويتشكل هذا الواقع النفسي بفعل ما يزرعه الاستبداد في النفوس من خوف، وما يُراكِمه فيها من قُعود وكسل عن التفكير الحر في الشأن العام.
الخطوة الضرورية لتجاوز هذا الواقع النفسي المعطِّل هي إنزال السلطة في الوعي العام إلى دنيوية الواقع، ولا يكون ذلك عبر «إسقاطها» بل عبر إلحاق الهزائم بها في الواقع، كي تظهر الحقيقة الغائبة عن الوعي العام، وهي أن السلطة لا تمتلك قوة ذاتية، وأن قوتها تأتي أصلاً من الناس الذين تتسلّطُ عليهم.
أمّا كيف يتم إلحاق الهزائم بالسلطة، فهذا يكون من خلال إجبارها على التراجُع أمام النضالات المباشرة ضد ما يُقيّدُ أو يضرُّ بحياة المحكومين على كل مستوى، من غلاء الأسعار، إلى سوء الإدارة وتفشي المحسوبيات والتمييز، إلى تجاوزات رجال السلطة غير الرسميين (التشبيح) أو الرسميين … إلخ. في هذا السياق يخلق المحكومون ندية دنيوية مع السلطات، فتنزلُ السلطة في الوعي العام من عليائها، وفي هذا السياق يتحسَّسُ المحكومون قدرتهم على فهم مصالحهم المباشرة وكيفية خدمتها والدفاع عنها. هذا هو السبيل إلى تقييد السلطات. على ذلك، يبدو لنا أن إجبار السلطة على التراجع وإلحاق الهزائم «الجزئية» بها، له تأثير كبير في تطوير الواقع السياسي، يتجاوز في أهميته «إسقاط النظام»، ذلك لأن النظام الجديد سوف يُبنى على الأرضية النفسية العامة المستقرة ذاتها التي بُنيت عليها الأنظمة السابقة.
------------
الجمهورية نت
1. إيتيان دو لا بويسي، «العبودية المختارة»، دار الساقي، ترجمة صالح
الأشمر، الطبعة الأولى 2016. وإن كان يغلب على الكتاب الابتعاد عن تعقيد آليات السلطة وعلاقاتها بالمحكومين.-
- 2. أرجعَ أرسطو الاستبداد في الشرق إلى «طبيعة العبيد» لدى الشعوب الآسيوية، فهي تتحمل حكم الطغاة دون تذمر، وكذلك اعتبر مونتسكيو أن الاستبداد نظام طبيعي في الشرق، واعتبر هيغل أن سبب الطغيان في الشرق هو انعدام «الوعي الذاتي»، فالشرقيون ليسوا أحراراً لأنهم لم يتوصلوا إلى معرفة أن الإنسان حر، وهو ما يدل على «مبلغ ضآلة الاحترام الذي يكنونه لأنفسهم كأفراد وكبشر». (الطاغية، دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي)، إمام عبد الفتاح إمام، الناشر مؤسسة هنداوي، طبعة 2025. ص299.3. عبد الرحمن الكواكبي، «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، دار النفائس، الطبعة الثالثة 2006. ص76-77.4. المرجع السابق، ص685. على سبيل المثال، أعطى جلبير أشقر كتابه الأول عن ثورات الربيع العربي التي يجملها بتسمية «الانتفاضة العربية»، الصادر عام 2013، عنوان «الشعب يريد».6. هناك من نسب موجة الثورات العربية إلى «الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي» بحسب صامويل هنتنغتون، ورأى أنها تتعارض مع فكرة «الاستثناء العربي» أي عدم انخراط العرب في التحولات الديمقراطية، ولاسيما أن هنتغتون كان قد خمّنَ أن التحول الديمقراطي قد يشمل الشرق الأوسط في تسعينيات القرن الماضي. راجع جلبير أشقر، «انتكاسة الانتفاضة العربية»، دار الساقي، طبعة أولى، 2016. ص13-16.
-
-
|
عيون المقالات
|
أصول نفسية للاستبداد في تمجيد السلطة وما بعد «إسقاط النظام»
|
|
|
|
||


الصفحات
سياسة








