.
لكن قاعدة أخرى تفتح بابا مغايرا للتفكير: “السكوت في معرض الحاجة بيان” كما يقول الفقهاء. ذلك أن الصمت حين يقع في مقام ينتظر فيه الكلام لا يبقى بالضرورة مجرد غياب للصوت، وإنما قد يكتسب قيمة دلالية وبلاغية تجعله موضوعا للتحليل.
في التواصل السياسي لا تتواصل الدول بالبيانات والتصريحات وحدها، ولا يعني غياب التصريح بالضرورة غياب الموقف أو الفعل، لأن الصمت من امتناع عن الكلام قد يتحول إلى واقعة تواصلية دالة، خصوصا حين ترتفع الحاجة إلى التفسير ويصبح البيان منتظرا من المؤسسة الرسمية.
وكلما ازدادت الحاجة إلى الكلام، ازدادت قابلية الصمت والذي يتحول بدوره إلى موضوع للتأويل.
غير أن تحليل الصمت يقتضي احترازا منهجيا أساسيا، إذ إننا لسنا بصدد البحث عما “قالته” الدولة بصمتها، لأن لا ينسب لساكت قول، وإنما نحاول تحليل ما أنتجه هذا الصمت من آثار ودلالات وهوامش سياسية واستراتيجية، وهنا يبدو الفرق جوهريا: الأول ينسب إلى الدولة قصدا لم تعلن عنه، أما الثاني فيدرس الصمت باعتباره واقعة تواصلية قائمة بذاتها.
لذلك لا يصبح السؤال فقط: لماذا لم تتكلم الدولة؟ بل السؤال هو: ماذا يفعل الصمت حين يصبح الكلام منتظرا؟ ومتى يتحول الامتناع عن البيان من غياب للخطاب إلى بلاغة سياسية لإنتاج المعنى ومن ثمة تدبير القوة؟
الصمت بوصفه خطابا: من بلاغة الغياب إلى سلطة إنتاج المعنى
يقتضي التحليل بداية التمييز بين صمت الحكومة وغياب الدولة، فقد تقلل الدولة من حضورها الخطابي، بينما تظل حاضرة بالفعل المؤسساتي والأمني والإداري والدبلوماسي، وهذا التمييز يبقى أساسيا، لأن التواصل السياسي لا يقتصر على ما يقال، وإنما يشمل الأفعال والإشارات والتوقيت واختيار ما يقال وما يترك دون قول. ومن ثمة يمكن للدولة أن تكون قليلة الكلام وكثيفة الفعل، كما يمكن لفاعل سياسي أن يكون كثير التصريحات محدود التأثير، جعجعة بدون طحين كما يقال.
وتسمح هذه الفرضية بقراءة الموقف المغربي من مستويين متداخلين: مستوى تواصلي يبحث في كيفية إنتاج الصمت للمعنى، ومستوى استراتيجي يتساءل عن علاقته بالمصلحة والقوة وهامش المناورة.
يقدم الباحث في اللغة والتواصل جاورسكي Adam Jaworski مدخلا مهما لفهم الصمت خارج الثنائية التقليدية التي تجعل الكلام حضورا والصمت غيابا. فالصمت في هذا المنظور ليس فراغا خارج العملية التواصلية، وإنما يمكن أن يصبح جزءا منها، وتتحدد دلالته بحسب السياق والعلاقة بين أطراف التواصل وانتظارات المتلقي.
ومن هنا، لا تكمن أهمية الصمت الرسمي المغربي فقط في غياب بيان، وإنما في وقوع هذا الغياب في سياق ارتفع فيه الطلب على الكلام. فكلما كان الجواب منتظرا، ازدادت القيمة الدلالية لعدم الجواب.
ويتيح بول غرايس Paul Grice، من خلال التداولية ومبدأ التعاون والاستلزام الحواري، تعميق المسألة. فالمتلقي لا يكتفي بالمعنى المباشر، بل يستنتج معاني أخرى انطلاقا من السياق والتوقعات. ولذلك لا يؤدي غياب الجواب المتوقع إلى توقف إنتاج المعنى، بل قد يؤدي إلى تضاعفه.
هكذا يولد الصمت أسئلة متعددة: هل يتعلق الأمر بعدم الرغبة في تضخيم الحدث؟ هل الهدف تجنب نقله من المجال الاجتماعي والأمني إلى المجال السياسي والدبلوماسي؟ هل للأمر صلة بحساسية سبتة في العلاقات المغربية الإسبانية؟ أم أن عدم الكلام مرتبط بالحاجة إلى استكمال المعطيات؟
لا يمكن الجزم بأي من هذه الاحتمالات.
وهنا ينبغي التمييز بين قصد الصمت ووظيفة الصمت. فإثبات القصد يحتاج إلى معطيات مستقلة، بينما يمكن تحليل الوظائف والآثار التي يحدثها الصمت في المجال العام.
ويمنحنا أوزفالد ديكرو Oswald Ducrot مدخلا إضافيا من خلال اشتغاله على المقول والمضمر والمسكوت عنه. فالخطاب لا يتشكل مما يقال صراحة فقط، وإنما أيضا مما يترك ليستنتجه المتلقي. ومن هذه الزاوية، أدى غياب رواية رسمية متكاملة، من حيث النتيجة التواصلية على الأقل، إلى عدم تثبيت تسمية واحدة لما وقع.
هل ما حدث “هجرة غير نظامية”؟ أم “أزمة اجتماعية”؟ أم “واقعة حدودية”؟ أم “انفلات أمني”؟ أم واقعة ينبغي إدراجها ضمن السياق السياسي والسيادي المرتبط بسبتة؟
ليست هذه التسميات مترادفة أو محايدة. فتسمية الحدث “أزمة هجرة” تجعل سياسات الهجرة والحدود في صلب النقاش، بينما تستدعي “الأزمة الاجتماعية” البطالة والهشاشة وانسداد آفاق الشباب. أما وصفه بـ”الانفلات الأمني” فينقل النقاش إلى مراقبة الحدود وحفظ النظام، في حين أن إدراجه في السياق السيادي لسبتة يفتح مباشرة ملف العلاقات المغربية الإسبانية.
وهنا تتقاطع أفكار ديكرو مع نظرية التأطير Framing فالفاعل السياسي حين يتحدث لا يقدم معلومات عن الواقع فقط، بل يقترح إطارا لفهمه. ومن يمتلك سلطة تسمية الحدث يمتلك جزءا من سلطة تحديد معناه.
وبالتالي، فإن عدم إنتاج تأطير رسمي شامل يترك المجال مفتوحا أمام التنافس على تعريف الواقع: المعارضة تنتج قراءتها، والفاعلون الحقوقيون تأطيرهم، والصحافة سردياتها، بينما تنتج منصات التواصل تأويلات قد تتداخل فيها المعلومة بالشائعة.
سلطة البلاغة وبلاغة السلطة: حين تتكلم الدولة بالفعل
إذا كان الصمت ينتج المعنى، فإن الدولة لا تتواصل فقط بما تقوله أو تمتنع عن قوله، بل كذلك بما تفعله. وهنا يمكن الفصل بين الحضور الخطابي والحضور المؤسساتي.
إن غياب رواية حكومية تفصيلية لا يعني غياب أجهزة الدولة أو توقف آليات التدبير والتنسيق. ومن هنا يمكن تلخيص المفارقة بالقول: الدولة تتكلم بالفعل وتصمت بالقول، وهذه هي “بلاغة الفعل الصامت”: البيان يكشف ما تريد المؤسسة قوله، بينما تكشف الممارسة عما تستطيع القيام به.
وتزداد المسألة تعقيدا في حالة سبتة لأن الدولة لا تتوجه إلى مستمع واحد، وإنما إلى جمهور متعدد Auditoire multiple: المواطن المغربي، والرأي العام الوطني، والحكومة الإسبانية، والرأي العام الإسباني، والاتحاد الأوروبي، والإعلام الدولي، فضلا عن المعارضة والفاعلين الحقوقيين في البلدين.
لذلك قد تحقق عبارة معينة مردودية تواصلية في الداخل، لكنها تنتج تكلفة دبلوماسية في الخارج، والعكس صحيح. وتزداد حساسية اللغة لأن الكلمات المستعملة في موضوع سبتة لا تنفصل عن التاريخ والسيادة والعلاقات المغربية الإسبانية.
وهنا تتجلى سلطة البلاغة وبلاغة السلطة في التزام “فضيلة” الصمت. فكلما اتسعت مساحة الصمت الرسمي، اتسعت مساحة التأويل غير الرسمي، وتكاثرت القراءات المتنافسة. لكن هذا التعدد لا ينتقص بالضرورة من قدرة الدولة، فقد يمنحها هامشا أكبر لتدبير الأزمة عند نقطة التقاطع بين إكراهات الداخل وحسابات الخارج.
فكل تأويل غير رسمي، مهما كان مصدره ومأتاه، يظل محدودا بحدود المعلومات المتاحة له. وفي المقابل، تحتفظ مؤسسات الدولة بجزء من المعلومات والمعطيات المؤسساتية التي لا تتوافر بالقدر نفسه لبقية الفاعلين، وهنا يظهر عدم التكافؤ المعلوماتي باعتباره عنصرا مهما في العلاقة بين الصمت والسلطة.
لذلك لا يكون الصمت بالضرورة علامة ضعف، بل قد يتحول إلى مورد من موارد القوة التواصلية والاستراتيجية. وحين لا تقدم الدولة تأويلها النهائي، لا يعني ذلك أنها فقدت سلطة إنتاج المعنى، وإنما قد تكون قد أجلت ممارستها عندما يحين الحين.
ويمكن تسمية ذلك “امتياز التأويل الرسمي”، والمقصود قدرة المؤسسة على التدخل لاحقا برواية تستند إلى معطيات لا يمتلكها باقي الفاعلين بالقدر نفسه.
وهنا تكمن المفارقة العجيبة: الآخرون يمتلكون حرية التأويل، بينما تحتفظ الدولة بإمكانية ترجيح تأويل على آخر عندما تقرر الكلام، ومن ثمة لا تعني بلاغة الصمت بالضرورة غياب السلطة عن مجال المعنى، وإنما قد تعني تعليق حضورها الخطابي مع الاحتفاظ بإمكان العودة إليه.
غير أن هذا الامتياز ليس مطلقا، فطول الصمت قد يجعل التأويلات المنافسة تترسخ في المجال العام إلى درجة يصبح معها التدخل الرسمي المتأخر أقل قدرة على إعادة تأطير الحدث. لذلك يظل الصمت قوة مرتبطة بالتوقيت، لا فضيلة سياسية قائمة بذاتها.
الصمت وتدبير القوة: قراءة في ضوء الواقعية الهجومية
عند هذا المستوى يمكن الانتقال من نظريات اللغة والتواصل إلى العلاقات الدولية، واستحضار الواقعية الهجومية La théorie du réalisme offensif المرتبطة أساسا بجون ميرشايمر .
تنطلق الواقعية الهجومية من أن النظام الدولي يقوم على التنافس بين دول لا توجد فوقها سلطة مركزية تضمن أمنها بصورة مطلقة، ولذلك تسعى الدول إلى حماية بقائها ومصالحها، وتعزيز عناصر قوتها، وتحسين مواقعها النسبية، والاحتفاظ بأوسع هامش ممكن للمناورة.
لكن ينبغي هنا الاحتراز من تحويل النظرية إلى تفسير يقيني للموقف المغربي. فلا تتوافر معطيات تسمح بالقول إن الدولة المغربية قررت “تطبيق الواقعية الهجومية” في تدبير أحداث سبتة. كما أن النظرية وضعت أساسا لتفسير التنافس بين الدول داخل النظام الدولي، وليس لتفسير التواصل الحكومي.
غير أن هامش المناورة الأكاديمية يسمح باستخدامها بوصفها عدسة تفسيرية لا عقيدة منسوبة إلى الدولة. فالسؤال ليس: هل طبق المغرب ميرشايمر؟ بل: هل يمكن لبعض الوظائف التي أداها الصمت أن تصبح مفهومة أكثر إذا قرأناها بمنطق القوة والمصلحة وهامش المناورة؟
على المستوى النظري، يتيح عدم الإفصاح عدم تثبيت موقف يمكن للطرف المقابل البناء عليه، كما قد يجنب الدولة تحويل حدث اجتماعي وأمني إلى التزام سياسي أو دبلوماسي صريح يقيد خياراتها اللاحقة.
ويقترب ذلك من مفهوم الغموض الاستراتيجي، فالفاعل لا يكشف جميع أوراقه، ولا يقدم بالضرورة تفسيرا كاملا لنواياه وحدود حركته، فيترك الفاعلين الآخرين أمام قدر من عدم اليقين، أو ما يمكن مقاربته بـمنطقة اللايقين La zone d’incertitude بتعبير ميشيل كروزي.
وعند هذه النقطة يلتقي جاورسكي وميرشايمر، وإن على مستويين نظريين مختلفين: يساعد الأول على فهم كيف يتحول الصمت إلى واقعة تواصلية منتجة للمعنى، بينما يسمح الثاني بالتساؤل عما إذا كان عدم الإفصاح يمكن أن يؤدي وظيفة في إدارة القوة والمصلحة وهامش المناورة.
وعليه، فإن السؤال الأدق ليس لماذا صمتت الدولة المغربية إزاء أحداث سبتة؟ لأن الإجابة عن النيات تحتاج إلى أدلة لا يوفرها الصمت نفسه.
السؤال الأكثر إنتاجية هو: ماذا أنتج هذا الصمت؟ وما الوظائف التي أداها؟
لقد أتاح، من جهة، هامشا من المرونة، وأجل تثبيت رواية رسمية واحدة، وربما جنب الدولة خطابا قد تترتب عنه تداعيات سياسية ودبلوماسية. لكنه، من جهة أخرى، منح الفاعلين الآخرين مساحة واسعة للتنافس على تفسير الحدث.
وهنا تكشف أحداث سبتة عن مفارقة مركزية في فلسفة التواصل السياسي: الدولة القوية ليست بالضرورة الدولة التي تتكلم أكثر، بل الدولة التي تعرف متى تتكلم، وماذا تقول، ومتى يكون الصمت نفسه جزء من إدارة الموقف.
ويمكن اختزال هذه المعادلة في أن الواقعية تعلم الدولة، من حيث منطق القوة، ألا تكشف جميع أوراقها، بينما تعلمنا نظريات التواصل أن الصمت لا يبقى بلا معنى. وبين المستويين تتشكل بلاغة السلطة وسلطة البلاغة: أن يتحول الصمت، حين تسمح الشروط بذلك، من مجرد غياب للكلام إلى مورد لإدارة المعنى وهامش المناورة، من دون أن يطول إلى الحد الذي يصبح فيه الفراغ التواصلي مجالا يحتكره الآخرون لبناء سردية الحدث.
-٠٠------
الشعاع الجديد
ملحوظة:
يظل هذا النص مجرد مقاربة من أجل البيان والتبيين…. شكرا أستاذنا الجاحظ.


الصفحات
سياسة








