.
لكن وعلى الرغم من ضرورة العمل السياسي والمشاركة السياسية من أجل إعادة رسم ملامح الدولة وصياغة مؤسساتها السياسية والقانونية والوصول إلى الاستقرار إلا أن هناك معوقات لانطلاق العملية السياسية في سوريا يجب تجاوزها. إذ لا يمكن لأي عملية سياسية أن تحقق أهدافها إذا بقيت بعيدة عن الناس، فالمشاركة السياسية لا تقتصر على الأحزاب أو الشخصيات العامة.
هذه المشاركة تبدأ من وعي المواطن بحقوقه وواجباته ومشاركته في النقاش العام واحترامه للرأي المختلف وإيمانه بأن الخلاف السياسي لا يعني العداء لذلك فإن نشر الثقافة السياسية بين أفراد المجتمع يعد خطوة أساسية لبناء حياة سياسية سليمة تقوم على الحوار والمساءلة وتحمل المسؤولية.
أبرز معوقات العمل السياسي في سوريا بعد سقوط النظام تتمثل في غياب الإطار الدستوري المستقر، فالمراحل الانتقالية غالباً تكون غير مستقرة قانونيا وكذلك ضعف الثقة بين القوى السياسية والمجتمع وتفكك المؤسسات والنقابات إضافة إلى الأزمة الاقتصادية وملف الملكية والعودة والعدالة الانتقالية.
كما أن تعدد الفاعلين المحليين والخارجيين يجعل بناء توافق وطني سريع أمراً صعباً وبالتالي نميز عدة أسباب لذلك أهمها: ضعف المعرفة السياسية هيكلياً وقانونياً. فبعد عقود من التصحر السياسي افتقد المجتمع للهيكلية السياسية فلم تعد الأحزاب تمارس دورها الذي تشكلت من أجله وإنما تحولت إلى أدوات لخدمة السلطة.
كذلك أصبحت النقابات والاتحادات أدوات قمع وتحشيد داعم للسلطة وابتعدت عن دورها الأساسي في الدفاع عن المجتمع بل ومارست دوراً قمعياً اتجاهه وبغياب الأحزاب والنقابات تراجع مستوى الوعي السياسي وغابت المعرفة السياسية لمصلحة تيارات جامدة مهمتها تمجيد السلطة وهذا مانجح فيه نظام الأسد.
ومنها الاستقطاب المجتمعي الذي تسببت فيه سنوات من الحرب، ووجود عدم الثقة بين أفراد المجتمع ومكوناته من جهة وعدم الثقة بالعملية السياسية بحد ذاتها من جهة ثانية.
ويزداد هذا الاستقطاب مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي حيث تنتشر الأخبار بسرعة كبيرة وغالباً من دون التحقق من صحتها، مما يفتح المجال أمام الشائعات وخطاب الكراهية والتحريض.
وفي ظل غياب قوانين تنظم العمل الإعلامي وتضمن حرية التعبير مع تحمل المسؤولية يصبح الإعلام أداة لزيادة الانقسام بدلاً من أن يكون وسيلة لتقريب وجهات النظر.
لذلك فإن دعم الإعلام المهني المستقل يعد جزءاً من نجاح أي مرحلة انتقالية، كذلك بسبب تأخر ملفات العدالة الانتقالية بسبب قلة الخبرات وعدم وجود بيئة قانونية والعدد الضخم للقضايا المطروحة.
السبب الثالث الضعف القانوني وغياب قواعد انتقال واضحة سياسياً وقانونياً. أي عملية سياسية تحتاج دستوراً مؤقتاً أو دائماً وقواعد متفق عليها للتمثيل والانتخابات وتقاسم السلطة وهذا ما يبقى موضع نزاع في مرحلة ما بعد السقوط.
والسبب الرابع ضعف المؤسسات السياسية وعدم تأثيرها، فبعد سنوات الحرب والهيمنة الأمنية تكون الأحزاب والنقابات والإدارات المحلية بحاجة إلى إعادة بناء فعلية لا إلى تغيير أسماء، لأن إعادة بناء المؤسسات لا تعني استبدال الأشخاص. هذه العملية تتطلب ترسيخ قواعد العمل المؤسسي وتحديد الصلاحيات واعتماد الكفاءة في اختيار القيادات وضمان استقلالية النقابات والاتحادات عن السلطة التنفيذية. فوجود مؤسسات قوية وفاعلة يمنح المواطنين الثقة بأن حقوقهم يمكن أن تُصان عبر القانون وليس عبر النفوذ أو العلاقات الشخصية.
والسبب الخامس هو الحالة الاقتصادية المتردية وانتشار البطالة وتراجع الخدمات وتدهور المعيشة تجعل الأولويات اليومية تطغى على المشاركة السياسية وتضعف قدرة المجتمع على التنظيم المستقل.
إن تحسين الأوضاع الاقتصادية يشكل عاملاً مهماً في تعزيز المشاركة السياسي لأن المواطن الذي يعيش حالة من الفقر أو البطالة أو انعدام الخدمات ينشغل بتأمين احتياجاته الأساسية قبل اهتمامه بالشأن العام. ولهذا فإن الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي مساران متكاملان ولا يمكن لأي منهما أن يحقق نتائج حقيقية بمعزل عن الآخر.
ومن المهم أيضاً أن تقوم المرحلة الانتقالية على مبدأ الشراكة بين جميع مكونات المجتمع بحيث يشعر كل مواطن بأن له مكاناً في مستقبل البلاد وأن القانون يطبق على الجميع دون تمييز، فكلما اتسعت دائرة المشاركة تراجعت فرص الإقصاء وأصبح الوصول إلى توافقات وطنية أكثر واقعية وهو ما يساهم في ترسيخ الاستقرار وبناء مؤسسات تحظى بثقة المجتمع.
مما سبق نستننج أن العمل السياسي في هذه المرحلة (مرحلة مابعد سقوط النظام) لا يتعطل فقط بسبب سقوط النظام القديم، لأن بناء البديل يتطلب وقتاً طويلاً لإعادة الثقة وتحديد من يملك الشرعية وكيف تُدار العدالة الانتقالية ومن يضمن الأمن دون عودة الاستبداد.
لذلك، يمكن القول إن التحدي الأكبر ليس إسقاط السلطة فقط، التحدي يكون بتحويل الفراغ الذي تركته السلطات السابقة إلى مؤسسات قابلة للحياة.
---------
صحيفة الثورة


الصفحات
سياسة








