ويجيبنا على ذلك السؤال الدكتور محمد يحي عويضة ، المدير الأسبق لمتحف التحنيط بمدينة الأقصر، فيقول : ان قدماء المصريين لم يعتبروا الموت هو نهاية الحياة، ولذلك عملوا على حفظ الأجساد التى خرجت منها الروح لآلاف السنين.
ولإعتقادهم بأن الروح ستعود للإتحاد مجددا مع أجساد الموتى، ليحيا الإنسان حياة جديدة مشابهة للحياة التى قضاها على الأرض قبل موته، وليتحقق ذلك كان لا بد من حفظ الجسد حتى لا يتعفن ، فإن تعفن ضاع الأمل فى التمتع بحياة جديدة بعد الموت، وذلك بحسب معتقداتهم .. حيث كانوا يؤمنون بأن الروح ستعود الى جسد الميت مجددا سواء قصرت المدة أو طالت، وأنه فى حال تعفن وفناء الجسد، تظل الروح تبحث عن جسد لم يعد له وجود .
أنواع التحنيط :
ولم يكن التحنيط لدى قدماء المصريين، نوعا واحداً، بل كانت هناك طرق وأنواع متعددة لتحنيط أجساد الموتى، ويجرى تحديدها بحسب فقر أو غنى عائلة الميت، فكان هناك تحنيط يتطلب مبالغ باهظة، مثل التحنيط المسمى بتحنيط " أوزيريس " ثم تتدرج الأنواع للأقل كلفة فالقل تقنية وأناقة .
وعندما يتوفى الشخص، كان أهله يسارعون بالذهاب به إلى ورش التحنيط، وهناك يقدم لهم المحنطون، أكثر من طريقة للتحنيط، ولكل طريقة سعر مختلف، وعندما يختار أهل الميت الطريقة المناسبة لهم فى تحنيط المتوفى، يتركون جثته للمحنطين، الذين كانت تتنوع أسماء مجموعاتهم ، فهناك مجموعة محنطى " أوت "، وهناك مجموعة محنطى " حُجًابُ الآلهة "، ومجموعة محنطى " أنوبيس " ، ومجموعة " رؤساء أسرار فن التحنيط "، وهناك مجموعة " الكهنة المرتلون ".
نصوص جنائزية :
وكانت عملية التحنيط عملية شاقة ومعقدة، وتستغرق وقتا طويلا يصل إلى 70 يوما، وتتم عبر قراءة التراتيل والتعاويذ والنصوص الجنائزية والمقدسة على أجساد الموتى، خلال خضوعهم لعملية التحنيط ، ومن تلك النصوص قولهم : " ستعيش ثانية وإلى الأبد ... اعلم أنك ستعيش إلى الأبد " .
ويروى لنا المدير العام الأسبق لمتحف التحنيط فى مدينة الأقصر، كيف كانت تتم عملية التحنيط لأجساد الموتى فى مصر القديمة، حيث تبدأ بنزع جزء من المخ بخطاف معدنى عبر الأنف، ثم ينزع بقية المخ باستخدام بعض العقاقير التى كانت معروفة لدى المحنطين آنذاك.
وبعدها تنزع الأحشاء، ويتم وضع بعض الزيوت والمساحيق العطرية فى البطن التى يتم تفريغ محتوياتها، وبعدها يتم حشو البطن ببعض المساحيق من بينها المر.
وكانت تشبع الجثة بملح النطرون الجاف لإزالة الماء والرطوبة من الجسد، حتى لا يتعفن، أما الأحشاء وما يخرج من الجسد فيوضع فيما يسمى بالأوانى الكانوبية، وبعد مرور 70 يوما من تشبع المومياء بملح النطرون، يتم غسل الجسد ويتم لفه بأربطة من القماس المدهون بالصمغ.
وقد جذبت قصص المومياوات الفرعونية اهتمام الأدباء والكتاب، الذين برعوا فى نسج قصص جمعت بين الحقيقة والخيال حول المومياوات، مثل قصة مومياء الجميلة " تاهوسر " ومومياء " الحسناء الفاتنة إيتا " ويعد ادجار الان، وتيوفيل جوتييه من أشهر من كتبوا عن المومياوات الفرعونية، فى رواياتهم الأدبية الشيقة.
سرقات تاريخية :
ولأن المومياوات كانت تدفن بجوار متعلقات المتوفى وكنوزه وممتلكاته، فقد كانت تتعرض للسرقة والنهب، منذ عهود الفراعنة، ففى العام 1100 قبيل الميلاد، حدثت أعمال نهب منظمة للقبور والمومياوات فى البر الغربى لمدينة الأقصر التى تضم قرابة 800 مقبرة لملوك وملكات ونبلاء وأميرات مصر القديمة.
ففيما يسمى بعهد الإضطراب الثانى، جرت تحقيقات ومحاكمات لشخصيات " من أجلاء القوم " الذين تورطوا مع بعض الكهنة فى سرقة المومياوات والكنوز " ، واعترف الجناة بجرائمهم وأصدر المحققون قرارا بعودة المومياوات والكنوز للمقابر... لكن سرعان ما عادت عملية النهب مجددا، فجرى نقل بعض المومياوات إلى كهوف سرية تحت الأرض.
ورش التحنيط :
وقد اقيم للتحنيط متحف خاص فى مدينة الأقصر، ويضم المتحف الأدوات التى استخدمها قدماء المصريين فى تحنيط جثث موتاهم، بجانب أجساد آدمية وحيوانات محنطة.
وفى الماضى انتشرت ورش التحنيط فى عدد من مدن مصر القديمة ، مثل الأقصر والجيزة وقوص التى يعنى اسمها بالقبطية " الدفن " ، وقد عُرفت قوص بهذا الإسم، لمعرفة أهلها خلال العصور الفرعونية، بطرق دفن وتحنيط الموتى، من ملوك وملكات ونبلاء مصر القديمة.
وقد شهدت مصر مؤخرا، الإعلان عن عثور البعثة الأثرية المصرية الألمانية التابعة لجامعة توبنجن على ورشة كاملة للتحنيط، ملحق بها حجرات للدفن بها مومياوات تعود الي عصر الاسرتين السادسة والعشرين والسابعة والعشرين (664- 404 ق.م)، وذلك اثناء اعمال المسح الأثري، الذى تقوم به البعثة، فى منطقة مقابر العصر الصاوي، الموجودة جنوب هرم أوناس بسقارة.
وعثرت البعثة المصرية الألمانية، علي قناع مومياء مذهب و مطعم بأحجار نصف كريمة كان يغطي وجه أحد المومياوات الموجوده بأحد حجرات الدفن الملحقة، هذا بالاضافة الي ثلاثة مومياوات و مجموعة من الاواني الكانوبيةً المصنوعة من الكالسيت ( الالباستر المصري) و عدد من تماثيل الاوشابتي المصنوعة من الفاينس الأزرق و اواني لزيوت التحنيط مكتوب عليها باللغة المصرية القديمة.
والورشة التى عثر عليها ذات تخطيط معماري مستطيل ومدخل في الركن الجنوبي الغربي، ومشيدة من الطوب اللبن وأحجار جيرية غير منتظمة الشكل، و تشمل مباني الورشة بئر خبيئة التحنيط، بعمق 13 مترا وينتهي بحجرة أسفل الأرض، وضعت فيها أوانٍ فخارية مدون عليها بالخط الهيراطيقي والديموطيقي أسماء لمواد وزيوت التحنيط، كما الورشة أيضاً حوضين محاطين بجدران من الطوب اللبن، أغلب الظن أن أحدهما خُصصت لوضع ملح النطرون والآخر لإعداد لفائف المومياء الكتانية.


الصفحات
سياسة









