تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

الترامبية وحضورها السوري

05/11/2026 - مضر رياض الدبس

ترمب ونتنياهو: ورطة الصناديق

02/11/2026 - سمير صالحة

ما الذي استهدف في درعا؟

30/10/2026 - محمد نزال

التطرف الخطابي والتطرف البنيوي

30/10/2026 - ياسين الحاج صالح

الحرب عائدة... بإرادة أطرافها جميعاً

29/10/2026 - عبدالوهاب بدرخان

لماذا يخافون الكواكبي؟

28/10/2026 - سلام كواكبي

قسد انتحرت: مَن خان مَن؟

26/10/2026 - بشير أمين

إلى الشيباني... حارتنا ضيقة

26/10/2026 - علي العبدالله

كيف نعيد بناء الطبقة السياسية؟

26/10/2026 - عبد الرحمن الحاج


الترامبية وحضورها السوري






تشهد الولايات المتحدة تغوُّل مفهوم الصَفقة، ومنطقها، على السياسية بوصفها تأليفاً جماعيّاً للعالم المشترك. وتُظهرُ الانتخابات النصفيَّة أخيراً أنَّ الفضاء العمومي الأميركي الراهن لا يُدار بالتنافس على أفضل الحجج، كما يُدار في الدول التي تمتلك ديمقراطياتٍ راسخة؛ بل يُدار بالتنافس على "الاستحواذ على الانتباه"، بطرائق تُحيل على أدوات المُدير التنفيذي، أكثر ممَّا تُحيل على أدوات القائد السياسي. هكذا، تعاني الولايات المتحدة الراهنة انحسارَ حركة تأليف الجماعة السياسية الأميركية مقارنةً بما كانت عليه قبل ظهور الترامبية. وبما أنَّ السوريين مرتبطون أكثر بإدارة ترامب، وكثيراً ما نتحرك سياسيّاً بمعيتها هذه الأيام،


  وبما أنّنا معنيِّون بهذا النوع من التأليف السياسي الحديث للذات السياسية بوصفه مشروعاً سياسيّاً ضرورياً لم نبدأ به بعد؛ فهذا قد يعني أنّنا معنيِّون أيضاً بالاقتراب من أسباب انحسار هذا المشروع في الولايات المتحدة، وتلقيه ضرباتٍ ترامبية قوية، ومن ثم، نحن مَعنيِّون بمغبَّة تقليد الترامبية في سورية التي لا تملك قُبةً ديمقراطية تحميها من ظاهرةٍ مثل هذه إذا استشرت؛ فلا يسمح الوضع السوري الراهن بظهور ظاهرات مثل زهران مَمداني وعبد الرحمن السيد؛ فماذا نعني بالترامبية؟ وكيف تحضر الظاهرة الترامبية في سورية الراهنة؟

يمكن، بالاستناد إلى دراسات حديثة عديدة، مقاربة الترامبية بوصفها حضوراً مشتركاً لمجموعةٍ من الظواهر، ويمكن تتبُّع حضورها نفسها في سورية الراهنة، وهي أربعٌ: أولًا، الشخصانية (Personalism)، متضمنةً تحويل الولاء لشخص ترامب، إلى معيارٍ لإعادة تكوين مؤسسات الدولة الأميركية، ومن ثم، تترافق الشخصانية مع الشعبوية لإخضاع العقلانية المؤسّسية إلى القرار التنفيذي، بحسب دراسة منشورة لـ دونالد موينيهان (مجلة Politics & Policy، المجلد 53، العدد 4. تموز 2025). وقد نجد في هذا تطابقاً مع ظاهرة تقدُّم الولاء على الكفاءة في سورية الجديدة، وفهم الولاء بموجب معايير تحيل على الثقة بأعضاء هيئة تحرير الشام، والمقرَّبين منهم، وغياب القدرة على الثقة بكفاءاتٍ خارج هذا الإطار، ما أدّى إلى أزمةٍ حقيقيةٍ في توافر الكفاءات السياسية، والإدارية، في الحكومة السورية الراهنة.

قد يرتبط هذا بمصطلح القراراتية التنفيذية (Executive Decisionism)، الذي تعود جذوره الفلسفية إلى كارل شميت، والحاضر في الترامبية، وفي سورية الجديدة، على حدٍ سواء. ويشير إلى الحالة التي يتراجع فيها موقع المداولة بوصفه فعلاً مُهمّاً لاتخاذ القرار السياسي؛ ومن ثم، تنظر السلطة التنفيذية إلى التشارك بوصفه قيداً ينبغي تجاوزه من أجل سرعة اتخاذها القرار، وضمان الاستفراد به.

لا يسمح الوضع السوري الراهن بظهور ظاهرات مثل زهران مَمداني وعبد الرحمن السيد

وثانياً، صعود العقلانية الأداتية وتغوّلها، أي حصر وظيفة العقل في اختيار الوسائل بدلاً من مساءلة الغايات؛ فيصبح السؤال الأساسي كيف نحقق النتيجة، ويتراجع تقويم النتائج من منظور الوطنية، والقيم، والسياسة. ويترافق هذا مع انتقال المعرفة من كونها سلطةً تطوِّر آلية اتخاذ القرار، وتُراجعه، وتَنقده، إلى وسيلةٍ لتسويقه، والدفاع عنه بعد اتخاذه. وأيضاً، يُعزِّز هذا المسار التوترَ القائم بين الخبرة المهنية والولاء الشخصي. ويؤثر ذلك أيضاً في بروز ظاهرة الأدائية السياسية (Performative politics) والتي تتضمن تقليص المسافة بين الإنجاز بوصفه واقعًا، والإنجاز بوصفه رواية سياسية، بما يمنح القائد انتصارًا قابلًا للإعلان وليس للتحقيق، وبما يعيد تشكيل المؤسسات لتخدم فكرة القائد عن النصر، وسرديته الخاصة للنجاح. (يُنظر: ورقة سياسات: معركة تلو أخرى: الصراعات بين الأجنحة وصناعة سياسة ترامب الخارجية. ماجدة روغة، المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، 6 فبراير 2026). وتتوافر هذه الظاهرة في المشهد السوري الحالي أيضاً، حيث تكون قيمة الإنجاز مرتبطةً بإحالته على فكرة الوعد بتحقيقه وفق مبدأ الصفقة السريعة، إضافةً إلى سرعة تسويقه شعبويّاً، وبالضرورة، نسبته إلى القائد.

وثالثاً، الوطنية الاستردادية (Restorative nationalism)، أي تصوُّر السياسة بوصفها استرداداً لمجدٍ قومي مفقود، وتقديمها مشروعاً لاسترداد المكانة والاعتبار بالمعنى الذي تحمله عبارة "لنجعل أميركا عظيمةً مرة أخرى". وهذا ما تناوله بحث منشور في perspective on politics عام 2025، درس حركة MAGA بوصفها "تسعى" إلى استعادة الاعتبار والمكانة الاجتماعية. وهذا يشبه مقولة "عودة سورية إلى موقعها الذي تستحق بين أمم العالم"، والبناء المجازي عليها، من دون إثبات مدى ثبات هذه العودة، ورسوخها، ومتانة أُسُسِها. وتترافق هذه القومية الاستردادية مع أمنَنَة الاختلاف السياسي داخليًا، ونقل الخصومة السياسية إلى حيز التهديد الأمني والوجودي. وهكذا، يمكن تفسير خطاب إدارة ترامب ضد المهاجرين، والخطاب المُعادي للأقليات، وترسيخه في تدبير الخصومة السياسية. مع أنَّ كثيراً من الخصومة السياسة، في الولايات المتحدة وفي سورية، يحيل في جوهره على نقد شرعية الإنجاز، التي لا تعادل، من حيث المبدأ، الشرعية الديمقراطية؛ فتحقيق نموٍّ اقتصاديٍ، أو مكسبٍ تفاوضي، لا يحسمُ الأسئلة المتعلقة بالعدالة، والمساواة، والحقوق، والمشاركة السياسية، ولا يحلُّ المشكلات الناجمة عن غياب إجاباتٍ حقيقيةٍ عنها. ورابعًا، ظاهرة سِلم الصَفقات (Pax Transactionalis)، المصطلح الذي استخدمته الباحثة غورانا غرغيتش في ورقتها التحليلية في السياسات الأمنية المنشورة في ديسمبر/ كانون الأول 2025، في مركز الدراسات الأمنية في زيورخ، والذي يشير إلى نمطٍ لإدارةِ العلاقات الدولية تصبح معه التفاهمات، والضمانات الأمنية، والتحالفات، خاضعةً للمقايضة المستمرة، بحيث تتقدَّم المكاسب الاقتصادية، والسياسية المُباشرة، على الالتزامات المؤسسيَّة طويلة الأمد، والقواعد المشتركة المنظِّمة للعلاقات الدولية.

تقدُّم الولاء على الكفاءة في سورية الجديدة، أدّى إلى أزمةٍ حقيقيةٍ في توافر الكفاءات السياسية، والإدارية، في الحكومة السورية الراهنة

هكذا، يدير "سِلمُ الصفقات" الصراعات بوساطة صفقاتٍ متجدِّدة، تتوقَّف استمراريتُها على حسابات الأطراف وموازين القوى. وكأن الباحثة، بوصفها لسِلم الصفقات الترامبي، تصف حالة السياسة الخارجية السورية الراهنة؛ حتى إنَّ اثنين من التوصيفات الثلاثة التي وضعتها لتوصيف سياسة ترامب الخارجية، حاضرةٌ في سورية: الصفقات، والدائرة الشخصية، والانتقال من الهيمنة العالمية إلى الانتقائية؛ فباستثناء الأخيرة، بطبيعة الحال، يحضر التوصيفان الباقيان في السياسة الخارجية السورية. ويُضاف إلى ذلك بعض التشابه في استخدام القوة العسكرية لإجبار الخصم على تعديل موقفه التفاوضي، مثلما يفعل ترامب على مستوى عالٍ في إيران، وكما فعلت الحكومة السورية على مستوى أقل منه في معارك ما قبل التفاوض مع قسد مثلًا.

قد يفسّر ما سبق بعض أسباب التقارب السوري الأميركي، ولكنَّه يطرح سؤالين مهمَّين: ما الذي يضمن أمن السلطة السورية بعد انتهاء الترامبية في الولايات المتحدة؟ يمتلك الأميركيون درعاً ديمقراطيّةً تقف بينهم وبين استشراء الترامبية، وتحوُّلها إلى حالةٍ دائمة، ولكن من يحمي السوريين إذا استشرت الترامبية في سورية
وصارت منهج حياة؟
-------------
العربي الجديد


مضر رياض الدبس
الخميس 5 نوفمبر 2026