تحدثت الأخبار المتداولة عن صور لنساء حُجبت شعورهن، ورسوم أُدخلت عليها تعديلات لتتوافق مع تصورات دينية مسبقة، وتماثيل فرعونية أُضيفت إليها أغطية للجسد العاري، وغيرها من الأمثلة التي أثارت الاستغراب والسخرية. وليس التخلف هنا في الحجاب، ولا في أن تختار امرأة أن تغطي شعرها أو تكشفه، فذلك شأنها وحقها. التخلف يكمن في العقلية التي لا تستطيع تقبّل صورة امرأة غير محجبة في كتاب مدرسي، فتقرر تعديلها، أو التي ترى في تمثال فرعوني خطرًا يستدعي التدخل لتصحيحه وفق مقاييس الحاضر. إنها عقلية لا تكتفي بأن تختار لنفسها طريقة في الحياة، بل تريد فرضها على الماضي أيضًا، وكأن التاريخ لا يصبح مقبولًا إلا إذا أعيدت صياغته على صورتها.
ما الذي يمكن أن يتعلمه طفل سوري من كتاب مدرسي تُعدّل فيه الصور لتتلاءم مع قناعات واضعيه؟ أي رسالة تصله حين يكتشف، ولو من دون أن يدرك ذلك بوضوح، أن الحقيقة ليست ما يراه، بل ما يُسمح له بأن يراه؟ المدرسة ليست مكانًا لتلقين المعلومات فحسب، بل هي إحدى المؤسسات التي يتشكل فيها وعي المواطن بنفسه وبمجتمعه وبالعالم المحيط به. وإذا تحولت المناهج إلى أداة لفرض تصور أحادي عن المجتمع، فإننا لا نكون أمام إصلاح تربوي، بل أمام محاولة لإنتاج جيل يتعلم الامتثال قبل أن يتعلم التفكير.
لكن المفاجأة التي مستني شخصيًا جاءت بعد ذلك بقليل. أرسل إليّ صديق صورة لصفحة من كتاب التاريخ المخصص للصف الثامن، تتناول عبد الرحمن الكواكبي، وتعرّف به وبأفكاره وأبرز مؤلفاته. في المنهج الجديد، بحسب الصورة التي وصلتني، حُذف هذا التعريف.
توقفت عند الصورة طويلًا. لم يكن الأمر بالنسبة إليّ مجرد حذف اسم من كتاب مدرسي، بل استدعاء لسؤال أوسع: لماذا يُحذف الكواكبي؟ وما الذي يجعل أفكاره، بعد أكثر من قرن على رحيله، مصدر إزعاج إلى هذا الحد؟
تعديل مناهج وحذف الكواكبي
ترددت مرة أخرى. هل أكتب عن جدي من جديد؟ هل أفتح الباب أمام أولئك الذين لا يجدون في أي حديث عن عبد الرحمن الكواكبي سوى فرصة لاتهامي بالعيش في الماضي، أو باستثمار قرابتي منه، وكأن الاهتمام بإرث أحد أبرز المفكرين الإصلاحيين العرب لا يمكن أن يكون إلا امتيازًا عائليًا؟ وهل أستعيد، مرة أخرى، السجالات العقيمة مع من يصرون على تحويل سيرته إلى مادة للتشويه والتخوين؟
أعرف أن هناك من سيقول إنني أستحضر اسم الكواكبي لأنني حفيده. لكن السؤال الذي أطرحه عليهم بسيط: لو لم أكن حفيده، فهل كان من الممكن أن يصبح حذف اسمه من كتاب التاريخ أمرًا عاديًا لا يستحق النقاش؟ وهل ينبغي للمرء أن يتخلى عن الدفاع عن قيمة فكرية لمجرد أن صاحبها أحد أفراد عائلته؟ إن القرابة قد تجعل المسألة أكثر إيلامًا، لكنها لا تلغي حق أي مواطن في الاعتراض على حذف شخصية فكرية من الذاكرة العامة.
ولطالما لاحقت الكواكبي روايات غريبة، بلغت أحيانًا حد الكوميديا السوداء. أتذكر، على سبيل المثال، ما نُسب إلى أحد أساتذة اللغة العربية في جامعة حلب من ادعاء أن الكواكبي كان عميلًا إيطاليًا، وأنه نُقل من روما، بعد لقاء مزعوم مع بابا الفاتيكان، على متن باخرة إلى مرفأ اللاذقية، حيث نقلته بارجة حربية إيطالية! لا أعرف كيف يمكن لأستاذ جامعي أن يروّج مثل هذه الحكايات بوصفها تاريخًا، ولا كيف يمكن أن تتحول الأوهام إلى أحكام جاهزة على شخصية فكرية لمجرد أنها انتقدت الاستبداد العثماني.
لم يكن نقد الاستبداد، في أي مرحلة من التاريخ، دليلًا على العمالة. ولو كان كل من عارض سلطة قائمة عميلًا لجهة أجنبية، لما بقي في تاريخ الفكر السياسي العربي مفكر واحد يمكن الاحتفاء به. لقد انشغل الكواكبي بمسألة الاستبداد، وبالعلاقة بين السلطة وحرية الإنسان، وبأسباب تراجع المجتمعات، وبضرورة تحرير العقل من الخوف والخضوع. وهي أسئلة لا تفقد أهميتها بتغير الدول والحكام، بل تكتسب أهمية إضافية كلما عادت السلطة لتطالب الناس بالطاعة بدلًا من المساءلة.
في كتابيه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، وأم القرى، لم يقدم الكواكبي وصفات جاهزة لمجتمعات المستقبل، ولم يكتب لكي يتحول إلى صورة معلقة على جدار أو اسم يُستدعى في المناسبات. لقد حاول أن يفهم لماذا يستسلم الناس للاستبداد، وكيف تسهم الخرافة والخوف والتجهيل في إدامته، ولماذا يصبح تحرير الإنسان من الخضوع شرطًا لأي نهضة حقيقية. ومن هنا، فإن حذف اسمه من المناهج، إن تأكد، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن طبيعة الأفكار التي يمثلها.
ليس المطلوب أن نقدّس الكواكبي، ولا أن نحول مناهج التاريخ إلى سجل للمفاخر العائلية أو الوطنية. من حق المؤرخين والباحثين أن يناقشوا أفكاره، وأن يختلفوا معه، وأن يضعوا تجربته في سياقها التاريخي، بل وأن ينتقدوا ما يرونه محدودًا في مشروعه. لكن ثمة فارقًا كبيرًا بين النقد والحذف، وبين الاختلاف الفكري ومحاولة إخراج شخصية من الذاكرة المشتركة. فالتعليم الذي يخشى مناقشة الأفكار لا يصنع عقلًا نقديًا، بل يدرّب التلاميذ على ترديد الإجابات التي يريدها أصحاب السلطة.
ولعل المفارقة أن سوريا، التي تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة بناء مجتمعها ومؤسساتها، وإلى ترميم ما حطمته عقود من الاستبداد والانقسامات، لا تحتاج إلى تضييق مساحة التفكير، بل إلى توسيعها. لا تحتاج إلى جيل يخاف من صورة في كتاب، أو من اسم في درس تاريخ، بل إلى جيل قادر على طرح الأسئلة ومناقشة الأفكار، وعلى التمييز بين الوقائع والأوهام، وبين الإيمان الشخصي وفرض الاعتقاد على الآخرين.
إن بناء سوريا الجديدة لا يبدأ بتغيير الأغلفة والصور، ولا بحذف هذا المفكر أو ذاك من الكتب المدرسية. يبدأ بالاعتراف بأن المجتمع السوري أكثر تنوعًا وتعقيدًا من أن يُختزل في تصور واحد، وأن تاريخه ملك لجميع أبنائه، بمختلف معتقداتهم واتجاهاتهم وخياراتهم. ولا يمكن بناء مواطنة متساوية إذا كان بعض السوريين يشعرون بأن صورتهم وثقافتهم وذاكرتهم تحتاج إلى إذن مسبق كي تظهر في كتاب مدرسي.
بعد يومين، من المفترض أن ألقي محاضرة في المكتبة الوطنية في حلب. أفكر في ذلك الموعد بشيء من القلق، وأتمنى ألا يُلغى لأن اسمي الكواكبي. لا أريد أن أستبق الأحداث، ولا أن أفترض أن أحدًا سيتدخل لمنعي من الكلام، لكن مجرد أن يخطر هذا الاحتمال في البال يكفي لطرح السؤال الذي ينبغي ألا نخاف منه: هل أصبح اسم مفكر سوري، قضى حياته في مواجهة الاستبداد، سببًا يدعو إلى التوجس؟
لن أدافع عن الكواكبي لأنه جدي فحسب، بل لأن أفكاره جزء من تاريخنا الفكري، ولأن من حق السوريين أن يعرفوا تاريخهم كما كان، لا كما يريد له أحد أن يكون. وإذا كان اسمه يثير كل هذا القلق، فالمشكلة ليست في الكواكبي، بل فيمن يخشون الأسئلة التي طرحها، ويخشون أن يقرأها تلاميذ اليوم فيكتشفوا أن الاستبداد ليس قدرًا، وأن الحرية ليست منحة من حاكم، وأن إصلاح المجتمع يبدأ بتحرير العقل.
لماذا يخافون الكواكبي؟ ربما لأن الرجل الذي رحل قبل أكثر من قرن لا يزال قادرًا على إزعاج المستبدين، حتى من خلال صفحة في كتاب مدرسي. وربما لأن بعضهم يريد أن يبدأ كتابة تاريخ سوريا الجديدة بمحو الأسئلة القديمة، من دون أن يدرك أن الأفكار التي تستحق البقاء لا تموت بحذفها من المناهج، وأن محاولة إسكاتها قد تكون، في حد ذاتها، أفضل دليل على أنها ما زالت حيّة.


الصفحات
سياسة








