لا شك أن ثمة تغيراً وتطوراً حصل في سوريا بعد إسقاط النظام البائد، لكن يبقى السؤال هل الصورة وردية كما طرحها الشيباني في كلمته؟
*
:
.
لا شك أن ثمة تغيراً وتطوراً حصل في سوريا بعد إسقاط النظام البائد، لكن يبقى السؤال هل الصورة وردية كما طرحها الشيباني في كلمته؟
لنأخذ ما قاله عن الوضع في محافظة السويداء مثالاً، قال: "نمضي بثبات في تنفيذ خريطة الطريق التي عملنا عليها مع الأردن الشقيق لإرساء السلام في السويداء لضمان اندماجها الكريم في النسيج الوطني وتمتع أبناء هذا المكون الأصيل بكامل حقوقه وواجباته".
هل نفذت السلطة بشكل فعلي بنود خريطة الطريق، هل تمت محاسبة الذين ارتكبوا الانتهاكات، هل تم سحب قوات العشائر من محيط المحافظة؟ هل تم الإفراج عن المحتجزين والمخطوفين واستكمال عمليات التبادل؟ هل تم تنظيم لقاء بين مكونات محافظة السويداء للمساعدة في المصالحة؟ هل تم الإعلان عن خطط لإعادة إعمار القرى والممتلكات المتضررة؟ هل صدر قانون أو تشريع يجرّم خطاب الكراهية والطائفية، وفق مقتضيات بنود خريطة الطريق التي مر على توقيعها قرابة عام، وتم توقيعها في دمشق بتاريخ 16 أيلول/سبتمبر 2025، وأكثر من عام على مجازر تموز /يوليو 2025؟
واقع الحال أن ما يحصل في التعاطي مع ملف السويداء ليس أكثر من إدارة للملف بانتظار استسلام الطرف الآخر، فالسلطة تعتمد سياسة تمديد الأزمة وبذر الخلاف بين أبناء محافظة السويداء من الموحدين الدروز وسلطة الأمر الواقع بقيادة الشيخ حكمت الهجري عبر خلق تباين في المصالح عن طريق افتعال الأزمات الغذائية والدوائية والخدمية وقطع الكهرباء والمياه والاتصالات وتأخير صرف الرواتب ووصول المحروقات ومواد البناء، ما يقود إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير، وتكرار المناوشات العسكرية ما يبقي التوتر وعدم الثقة سائدين ويمنع الانتقال إلى معالجة الملف بجدية. ناهيك عن طرح حلول لبعض المشكلات يبقي الخلاف دون حل مثل اقتراح إجراء امتحانات المرحلتين الأساسية والثانوية خارج المحافظة أو في ريفها الذي تسيطر عليه... إلخ.
هذا كي تكشف عجز سلطة الأمر الواقع هناك وتفند سرديتها عن القدرة على تحقيق الأهداف، خاصة هدف الاستقلال التام عن سوريا، فتضرب مصداقيتها وتفكك الالتفاف الحالي حولها وتدفع للتمرد عليها. لكن ما يجعل هذه السياسة غير مجدية عدم وجود خطوات عملية تنصف الضحايا وترفع الغبن، وعدم وجود خطة محددة لإدارة المحافظة من قبل أبنائها تؤكد جدية موقف السلطة وتعزز موقف المعارضين لسلطة الأمر الواقع ما أبقى الوضع في حالة دوران في الفراغ.
وهذا أيضاً دون التسليم بدقة كلامه عن "العدالة والمصالحة" و"العدالة والمساواة" و"وضع كرامة المواطن في مركز الخطة الاقتصادية"، فالوقائع تقول شيئاً آخر، أقله إن ما قاله لا يلمسه قطاع واسع من الشعب السوري في حياته اليومية.
يستدعي تحوّل كلام الشيباني إلى واقع حقيقي إعادة نظر في الخلفيات التي تحكم تصورات السلطة عن الجماعات السورية المختلفة قومياً ودينياً ومذهبياً واعتبارها لها آخر غير جدير بالثقة يجب الحذر منه ووضعه تحت المراقبة والضغط الدائمين، وذلك بالنظر إليها كجزء ثابت من الشعب السوري والقيام بخطوات عملية لجسر الهوة معها وتكريس الثقة عبر الإقرار بشرعية التعددية المجتمعية القومية والدينية والمذهبية وإقامة نظام مبني على التشاركية يعزز دور الإدارات المحلية، بحيث يشعر أبناء هذه المجتمعات أنهم ليسوا في الهامش وأن حقوقهم ومكانتهم وكرامتهم في المتن.
--------
النهار اللبنانية


الصفحات
سياسة








