نظرا للصعوبات الاقتصادية التي رافقت الجائحة وأعقبتها اضطررنا لإيقاف أقسام اللغات الأجنبية على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

في تفنيد مركزية سورية ناشئة

11/06/2024 - ياسين الحاج صالح

السعودية تشتري إيران في سوريا

06/06/2024 - عدنان عبد الرزاق

يوميات ملازم مثقف

05/06/2024 - محمد السلوم

عار العرب

04/06/2024 - إلياس خوري

بدوي الجبل وحديث "الدولة العلويّة

02/06/2024 - د . جوزيف الياس

لماذا لا ينام السوريون؟

01/06/2024 - أحمد جاسم الحسين

قولٌ في وقاحة هذا العالم

30/05/2024 - مالك داغستاني

السفير "الجاهل"

27/05/2024 - سلام الكواكبي


الجولاني لا يفقد صلاحيته بوصفه شيطاناً






أتت متأخرةً إدانة الرئيس الأمريكي السابق، ومرشح الرئاسة الحالي دونالد ترامب، بالتهم الأربع والثلاثين المنسوبة إليه. ولولا تأخرها لأمكن تضمينها على نحو ما في بيان هيئة تحرير الشام الصادر يوم الخميس نفسه، وفيه ردّت الهيئة على ما نُشر قبل يوم على موقع السفارة الأمريكية في سوريا على منصة X، وتضمّنَ دعم واشنطن حقوق الواقعين تحت سيطرة الهيئة في التجمع والتعبير عن الرأي، وشبّهَ بيان السفارة الترهيب والعنف الذي استخدمه أنصار الجولاني ضد المتظاهرين بذلك الذي استخدمه بشار الأسد من قبل.


جاء في بيان الهيئة، ردّاً على منشور السفارة: "توفّر المناطق المحررة بيئة آمنة للتعبير عن الرأي، والاستجابة للمطالب المشروعة بالسبل القانونية، بعيداً عن زعزعة الاستقرار وبثّ الفوضى". ثم يؤكد البيان على دعم الهيئة سلطةَ القانون، ليُختم بما يعتقد أصحابه أنه ردّ مفحِم على السفارة الأمريكية بلفت نظرها "إلى ضرورة دعم مطالب الشعب السوري في تحقيق الحرية والكرامة ضد النظام المجرم، وكذلك حفظ حقوق مظاهرات الطلاب الجامعيين في الولايات المتحدة واحترام مطالبهم دعماً لفلسطين وشعب غزة".

نتخيّل أن خاتمة البيان ستكون أقوى لو أنه أتى بعد إدانة ترامب، وقال أصحابه أنه ليس من حق دولة لديها مرشح للرئاسة مُدان بعشرات التهم، ويعيش حراً طليقاً، أن تعطي دروساً للآخرين. هذه السخرية من الديموقراطية الأمريكية لا تنفع فقط في فضح "الازدواجية الأمريكية" التي درجَ على فضحها طغاة المنطقة طوال عقود، بل تفضح أيضاً "ازدواجية العدالة الغربية" التي تترك ترامب طليقاً رغم إدانته وملاحقته بعشرات التهم، في حين أن الجولاني مطلوب للعدالة الدولية والأمريكية بتهمة واحدة هي الإرهاب! في سوريا تحديداً، هذا النوع من مفارقات الإنشاء المبتذلة معروف وشائع منذ زمن بعيد، فمثلاً كان حافظ الأسد قد ردّ في حديث له مع صحافية أمريكية على سؤالها عن عدم وجود ديموقراطية في عهده بالقول أن سوريا وقتذاك فيها ديموقراطية أكثر من أمريكا، بدلالة وجود خمسة أحزاب في سوريا بينما لا يوجد في أمريكا سوى حزبين.

من الوارد جداً أن الجولاني، في رده على السفارة الأمريكية، يشبِّه ضمناً قمع البوليس الأمريكي مظاهرات للطلاب مؤيدة للفلسطينيين بقمع شبيحته مظاهرات تطالب بالحريات وبكفّ يد أجهزته القمعية عن التضييق عليها. وكان الرابع عشر من شهر أيار قد شهد انقضاض عناصر من قوات الجولاني على المتظاهرين السلميين وخيامهم المنصوبة في إدلب، وانتشرت تسجيلات توثّق حادثة الاعتداء الوحشية، حيث تُسمع منها أصوات تصف المهاجمين بـ"شبيحة الجولاني". المشهد يذكّر تماماً بانقضاض شبيحة الأسد على المتظاهرين، بما في ذلك تنوعهم بين مستخدمي الهراوات والعضلات ومطلِقي الرصاص، وصولاً إلى إطلاق هتاف "الله أكبر" من قبل المعتدى عليهم العزّل.

لم يخرج الجولاني عن الشبه ذاته بالدعوة إلى مظاهرة حاشدة في ساحة غزة في إدلب، تحت عنوان: من إدلب الجريحة إلى غزة الصمود. فهو على شاكلة قادة آخرين في المنطقة يستثمر في الموضوع الفلسطيني تجاهلاً لاستحقاق محلي، وتوقيت استثماره في غزة أتى فاضحاً جداً لمواجهة حملة أطلقها النشطاء ضده من أجل إطلاق سراح المعتقلين في سجونه تحت هاشتاغ: بدنا المعتقلين الأحرار. وكانت التسريبات قبل خمسة أيام قد أشارت إلى أن "حكومة الإنقاذ" التابعة له تُعدّ باستعجال قانوناً للتظاهر يكاد يكون نسخة عن القانون الذي أصدره بشار الأسد عام 2011، للالتفاف على الثورة من خلال إجراءات تمنع التظاهر بدعوى تنظيمه وقوننته، بل إن التسريبات تشير إلى تشدد في شروط الجولاني يفوق نظرياً ما هو موجود في قانون الأسد.

وبينما يأتي تشبيهه بالأسد، هو وشبيحته، بمنزلة شتيمة قصوى من قبل المعارضين فمن المتوقع ألا يزعج الجولاني ذلك، لأنه عبر التشبيه يحصل على اعتراف بكونه سلطة مشابهة لسلطة معترف بها دولياً. هو كأنه يقدّم بممارساته القمعية أوراقَ اعتماده كنسخة إسلامية سنية "محافظة اجتماعياً ليس إلا" من سلطة الأسد، وهو بهذا المعنى يثبت جدارته بمتطلبات السلطة لا أكثر ولا أقل طالما أن القوى النافذة في سوريا تفضّل حالياً الاستقرار من أي نوع كان على الفوضى.

لا يُستبعد، عطفاً على ذلك، أن يأنف الجولاني من أية مقارنة مع قادة المعارضة أو مع قادة الفصائل، إذ يراهم أدنى منه على صعيد السطوة والسيطرة وحتى الكاريزما الشخصية. وإذا كان هؤلاء القادة وأنصارهم يستثمرون في سمعة الجولاني، كإسلامي متشدد، للحصول على شرعية لـ"اعتدالهم" فإنه يستثمر في المفهوم المعهود للتسلط ليثبت ركاكتهم بالمقارنة مع سطوته وإمساكه بزمام الأمور. في الواقع، لا يأتي قادة "الاعتدال" بجديد من خلال التصويب على تسلط الجولاني وتشدده، فهم يستأنفون المفاضلة التي استثمر فيها خصمهم الأول من قبل وهي: الأسد أو داعش؟

بعبارة أخرى؛ يتفق الأسد ومعارضيه "المعتدلين" على شيطنة الجولاني، كلٌّ منهما لأسبابه، وإن كان الأول قد سعى عندما انطلقت الثورة إلى شيطنة الجميع باعتبارهم متطرفين. الجولاني من جهته غير مكترث بهذا الاستثمار الإعلامي من خصومه على الجانبين، لأن شيطنته نفسها تنطوي على الحاجة إلى بقائه بوصفه نموذجاً مذموماً مرذولاً. الأهم أن رسائل الجولاني، بما فيها تسلّطه، ليست للاستهلاك الإعلامي وإنما هي موجّهة إلى القوى الدولية المؤثرة في سوريا، مع التذكير بأن التسلط ليس تكتيكاً بقدر ما يعبّر عن سجيته وسجية تنظيمه، وبقدر ما يعبّر عن سجية خصومه أيضاً؛ سجيتهم الملجومة أحياناً ونسبياً بفعل الوصي الخارجي لا ذاتياً.

من الطريف ربما أن تنتقد السفارة الأمريكية استبداد الجولاني، وكأنها تنتظر ما هو مغاير من شخص مطلوب على اللائحة الأمريكية للإرهاب، وقد يكون هذا مبعث سرور له إذ تنتقده كما تنتقد انتهاكات غيره في سوريا. ولا شكّ في أن الجولاني شديد الانتباه إلى الإشارات التي تصدر عن الخارج، فهو أسوة بجميع سلطات الأمر الواقع المتحكمة بسوريا يعلم أن قرار بقائه رهن بالخارج، وهذا ما يشجّع الجميع "عند الحاجة" على استخدام العنف ضد المعارضين الذين لا يحظون بسند خارجي. بموجب التهدئة المستمرة منذ سنوات، لا يجد الجولاني نفسه وتنظيمه في مأزق، والذين يتظاهرون ضده "على ما قد يكون نبلاً في مقاصدهم" محاصرون مع أكثر من مليونين بالتهدئة ذاتها. أما مَن يريد دعمهم حقاً فعليه ألا يتمسك بشيطنة الجولاني، وأن يقتدي بمتظاهري إدلب في مواجهة الشياطين الأصغر هنا وهناك.  
-------
المدن


عمر قدور
الاثنين 3 يونيو 2024