تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون


"الحرب " تغير عادات ومظاهر الزواج في اليمن





صنعاء -
أمل اليريسي

- تعتبر العادات والتقاليد جزءاً لا يتجزأ من التركيبة الاجتماعية، إلا أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلدان، مثل الحروب، تأتي لتفكك تلك العادات وتخلق مظاهر جديدة، لاسيما فيما يتعلق بالمناسبات المهمة مثل مراسم الزواج.

وفي اليمن، الذي يشهد وضعاً امنياً واقتصادياً متدهوراً بسبب غارات طيران التحالف العربي بقيادة السعودية والمواجهات المسلحة الداخلية، لم تتأثر نسبة الزواج كثيراً خلال أشهر الحرب التسعة، حيث طرأت تغيرات عديدة على تفاصيل حفلات الزفاف.


 
في العاصمة اليمنية صنعاء، قررت ياسمين منصر، وشريك حياتها عادل يحي، إقامة حفل زفافهما بطريقة بسيطة من خلال إقامة حفل زفاف بسيط يحضره أفراد عائلتيهما والأصدقاء المقربين فقط من اجل توفير التكاليف غير الضرورية.

وتقول ياسمين لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) " قد يستغرب الكثيرون من الإقبال على الزواج في ظل الحرب الدائرة، ولكن هذه الحرب جعلتنا نفكر بأهمية استمرار الحياة، لذا قررت أنا وخطيبي إقامة حفل زفافنا بشكل بسيط والاستغناء عن العديد من احتياجات الزواج".

ويرى العديد من الشباب في اليمن أن الوضع الراهن في البلاد وفر تسهيلات كبيرة لهم، حيث يتم الاكتفاء ببعض الاحتياجات الضرورية لإقامة حفل الزواج والاستغناء عن بقية التكاليف التي كانت تشكل عائقاً يمنعهم من الزواج.

ويشعر زوج ياسمين بالارتياح للزواج في الأوضاع الراهنة، حيث تم تخفيض المهر والحد من متطلبات حفل الزفاف، ويقول لـ (د.ب.أ) "الحرب جعلتنا نفكر بشكل منطقي، حيث اعددنا قائمة بالاحتياجات الأساسية فقط ونحن نعيش الآن في سعادة ورضا، ولو تزوجت في غير هذه الأوضاع لكنت الآن مثقلاً بالديون بسبب متطلبات الزواج الاعتيادية".

ويدعو عادل الشباب إلى استغلال "ميزة" الظروف الراهنة في ظل الحرب الذي تشهده اليمن، والتفكير بجدية في الزواج لا الخوف منه.

ويضيف "تمر البلاد حالياً بظروف صعبة، وهذا ينعكس على الأسر التي لا اعتقد أنها ستمانع من تزويج الشباب بأقل التكاليف، لذا يجب على الشباب استغلال أوضاع الحرب".

ومن بين المظاهر الجديدة التي طرأت على حفلات الزفاف إقامة حفلات الزفاف في المنازل من اجل توفير تكاليف قاعات الأفراح.

نبيل الغابري، موظف قطاع خاص، أقام حفل زفافه في المنزل نتيجة الظروف الصعبة التي يمر بها، وتمر بها البلاد بشكل عام.

ويقول الغابري لـ (د.ب.أ)، :"مررت بحالة اكتئاب جراء الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة، ولم أكن أفكر في الزواج مطلقاً، إلا أني قررت بعد ذلك اجتياز كل المصاعب والزواج بأقل التكاليف لأن الحياة يجب أن تستمر ولا ينبغي علينا دفن أنفسنا أحياء".



وبالرغم من أن زفاف الغابري كان بسيطاً جداً، إلا أن فرحته وفرحة أسرته كانت كبيرة، حسب قوله.

وفي فترة ما قبل الحرب، كانت مراسم الزواج تقام في قاعات الزفاف كشرط أساسي، وتتراوح تكاليف قاعات الزفاف في الغالب بين 50.000 ريال يمني (نحو 250 دولار أمريكي) و 300.000 (حوالي 1500 دولار أمريكي).

إقامة أعراس جماعية

وبالإضافة إلى تبسيط تكاليف الزواج إلى أقصى حد ممكن، لجأ الشباب اليمني إلى إقامة حفلات زفاف جماعية يتشارك فيها العرسان تكاليف الزواج فيما بينهم.

في محافظة عدن، جنوب اليمن، خلفت الحرب التي استمرت أربعة أشهر خسائر كبيرة في البنية الاقتصادية والسكنية تقدر بنحو 4 مليار دولار، بحسب عز الدين الاصبحي، وزير حقوق الإنسان في حكومة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، حيث فقد العديد من المواطنين منازلهم وسبل معيشتهم.

إلا أن تلك الأوضاع الصعبة لم تمنع الشباب هناك من الإقبال على الزواج، حيث يقول زيد محمد، مواطن في عدن،لـ (د.ب.أ) إنه قرر أن يتزوج مع مجموعة من أصدقائه الشباب وتحمل تكاليف الزواج بشكل جماعي.

يقول زيد :"اجتمعت مع أربعة من أبناء منطقتي وتناقشنا حول السبل المتاحة للحد من تكاليف الزفاف، وتوصلنا إلى إقامة حفل زفاف جماعي يكون بداية لإعادة الفرح إلى حينا الذي دمرته الحرب".

ولم يقتصر تبسيط عرس زيد عليه فقط، فعروسته دلال أحمد لم تستطع حجز قاعة زفاف في عدن بعد عودتها من محافظة حضرموت، شرق اليمن، التي نزحت إليها لمدة شهرين بسبب الحرب، واكتفت بإقامة زفافها في منزلها ودعوة جيرانها فقط.



وتقول دلال لـ (د.ب.أ) :"صحيح لم يكن الزواج الذي حلمت به، لكن وصلت إلى السعادة التي سعيت لها".

وبالرغم من إقبال العديد من الشباب والشابات على الزواج بأقل التكاليف والحد الأدنى من احتياجات مراسم الزفاف، قرر البعض الآخر تأجيل حفل زفافه بسبب الظروف التي فرضتها الحرب عليهم.

ومن بين تلك الظروف اندلاع الحرب الداخلية بين جماعة أنصار الله "الحوثيين" والمقاومة الشعبية قبل نحو تسعة أشهر، حيث اضطر العديد من الشباب الذين كانوا يخططون للزواج في ذلك الوقت إلى تأجيل زفافهم والالتحاق بصفوف المقاومة الشعبية دفاعاً عن مناطقهم.

أبو بكر البرطي، أحد أبناء محافظة الجوف، شمال شرق صنعاء، التي تشهد اشتباكات بين رجال المقاومة الشعبية و الحوثيين من حين إلى آخر، إلى جانب القصف الجوي الذي تتعرض له من قبل مقاتلات التحالف العربي اضطر لتأجيل حفل زفافه والالتحاق بصفوف المقاومة الشعبية. شهر واحد كان يفصل ابو بكر عن موعد زواجه من ابنة عمه، لكن انضمام أبناء القبائل إلى صفوف المقاومة الشعبية لحماية قريتهم "البرط" ضد محاولات الحوثيين السيطرة عليها حال دون إتمام زفافه. لم يستطع أبو بكر تجاهل نداء الحماية القبلية، فلبى ذلك النداء وانضم إلى صفوف المقاومة الشعبية.

يقول أبو بكر :"يفتخر بي أبناء قبيلتي كوني قررت تأجيل زفافي إلى حين استقرار منطقتنا، ولكني أشعر بالحزن لفراق عروستي ولا اعلم متى ستنتهي هذه الحرب".

إضافة إلى ذلك، اجبر النزوح العديد من الشباب اليمني على تأجيل إقامة مراسم الزواج حتى عودة الأمن والاستقرار إلى مناطقهم.

سمر الصبري، مواطنة من محافظة تعز، جنوب صنعاء، نزحت إلى العاصمة صنعاء قبل ثلاثة أشهر جراء اشتداد وتيرة المواجهات والقصف على تعز بعد أن أنهت كافة التجهيزات لإقامة حفل زفافها.



وتقول سمر لـ (د.ب.أ) :"قمنا بتجهيز الأثاث وبقية مستلزمات الزواج الأخرى لكن قذيفة دخلت إلى المنزل وأنهت كل شيء".

تحتفظ سمر ببعض الحقائب متوسطة الحجم في غرفتها الحالية بصنعاء، وتوجد بداخل تلك الحقائب مستلزمات العروس، وتضيف سمر "كانت القذائف تنهال علينا وأنا اسحب معي هذه الحقائب لكي لا اخسر بقية تحضيراتي".

وتتحدث سمر عن خطيبها والقلق يعلو وجهها قائلة "جئت إلى صنعاء وتركت خطيبي في تعز حيث تتساقط القذائف بشكل عنيف على حي القصر الجمهوري الذي يقطن فيه، أحيانا تنقطع سبل الاتصال به ولا استطيع تحمل ذلك".

وتأمل سمر في إتمام زواجها في اقرب فرصة وإن كان باحتفال بسيط بعيدا عن العادات والتقاليد التي ارتبطت بمراسم الزواج.



وبالرغم من القبول الكبير الذي لاقته فكرة الزواج بأقل التكاليف في أوساط الشباب والشابات في اليمن، لا يزال العديد من الشباب يرفضونها ويرون أن الزواج في مثل هذه الظروف أمر مستبعد ومستحيل.

سميرة الحاج، طالبة جامعية، تعارض فكرة الزواج في ظل الحرب الراهنة، كون الزواج في مثل هذه الأوضاع بالنسبة لها "بناء حياة زوجية في ظل مستقبل مجهول".

وتشير سميرة إلى أن الوضع الاقتصادي لم يعد يساعد على بناء أسرة، وتحمل تكاليف الزواج والأبناء.

ويتفق خالد سعيد، سائق سيارة أجرة، مع رأي سميرة، ويضيف "كيف سأجمع تكاليف الزواج وإن كانت بسيطة في هذا الوضع، فأنا لا أستطيع في بعض الأيام توفير دخل يوم واحد، فكيف بتوفير تكاليف زواج وبناء حياة جديدة".

ويرى سعيد أن نفقات ما بعد الزواج تعتبر مشكلة اكبر، لا سيما في الوقت الراهن، حيث فقد العديد من موظفي القطاع الخاص وظائفهم جراء توقف الشركات والمؤسسات التي كانوا يعملون لديها.

لم تقتصر تأثيرات الحرب في اليمن على الشباب المقبلين على الزواج فقط، بل امتدت لتشمل الأشخاص العاملين في مجال تجهيزات حفلات الزفاف مثل مالكي قاعات الأفراح، والمنشدين.

وبحسب المنشد اليمني عبد العظيم عز الدين، فان فصل الصيف يشهد عادة إقبالا على المنشدين والفنانين وقاعات الزفاف إلا أن هذا الموسم لم يكن كسابقه بسبب الأوضاع الراهنة.

ويضيف لـ (د.ب.أ) :"كانت العديد من الأعراس في السابق تقام لمدة يومين أو أكثر ويتم احضار المنشد أو الفنان خلال تلك الأيام، أما حالياً فتقام الأعراس لمدة يوم واحد فقط، مع الإكتفاء بالأناشيد المٌسجلة".



اضطر عبد العظيم إلى تخفيض المبلغ الذي يتقاضاه للإنشاد في الأعراس إلى النصف، ويقول :"أحيانا ننشد في عرس، ونرى أن وضع العريس وأهله صعب جداً،فنضطر لأخذ مبلغ زهيد وأحيانا لا نأخذ أي شيء".

ويرى الأخصائيون الاجتماعيون أن تقليل تكاليف الزواج أمر جيد، لاسيما في ظل ارتفاع مستوى البطالة وتدهور الوضع الاقتصادي.



وتفيد عفاف الحيمي، أخصائية اجتماعية، لـ (د.ب.أ) بأن تقليل المهر وبقية متطلبات الزواج ضروري جداً في ظل الحرب الراهنة في اليمن، ويساعد ذلك أيضا في الحد من نسبة العنوسة المنتشرة، خصوصاً في أوساط النساء.



وتضيف :"ازداد عدد الأرامل و المطلقات والفتيات دون زواج، هذا الشي خطير و يحدث شرخا في النسيج الاجتماعي وصعوبة العيش الكريم".

وترى عفاف أن الحرب ساعدت في الحد من مظاهر البذخ التي كانت تشهدها حفلات الزفاف وهي نقطة ايجابية في بلد فقير مثل اليمن.

ووفقاً لدراسة أجرتها إذاعة هولندا حول العنوسة لدى النساء، فإن اليمن احتلت الدولة العاشرة عالمياً، بنسبة 30%, وتعود هذه الظاهرة وفقا لعوامل ترتبط بمسألة الفقر والعادات والتقاليد والقيم القبلية وتردي الوضع الاقتصادي الذي يجبر الشباب على التفكير ملياً قبل الارتباط أو الزواج.

أمل اليريسي
الاحد 20 ديسمبر 2015