وعلى رغم الخسائر البشرية والعمرانية والمادية ومآسي النزوح والتهجير، لم تراجع إيران و"حزبها" موقفهما، فإذا بهما يلتقيان مع وزير الدفاع الإسرائيلي إذ هدّد بـ "نار تحرق البلاد كلها". واقعياً، وبما أن أكثر من ثمانين في المئة من اللبنانيين غير معنيين بالحرب الراهنة، فإن العدّوَين الإسرائيلي والإيراني باتا يحتلان الأرض جنوبي نهر الليطاني.
لم تتوصّل الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران الى نقطة حسم، إما لأن عمليات الاغتيال والتدمير لم تؤدِّ الى احتلال أي أرض إيرانية، أو لأن طهران تمكّنت من اثارة أزمة اقتصادية عالمية عبر اغلاق مضيق هرمز، فيما حوّلت المفاوضات الى لعبة شطرنجية يرفض اللعب الأميركي خوضها إلا بشروطه. لذلك تتعامل الدول المتورّطة الثلاث مع المواجهة الحالية في جنوب لبنان على أنها "تعويضٌ" عن "نصرٍ أكيد" (!) لكن لا يزال متعذّراً إعلانه. فليس أفضل من هذا الجنوب اللبناني المدمّر، المستباح اسرائيلياً وإيرانياً، الخالي من أهله، ساحةً لتنفيس مأزق الأفق المسدود في مفاوضات اسلام اباد، ومرتعاً يستغلّه الجنود الإسرائيليون لنهب ممتلكات الجنوبيين.
لو كانت المقاربة الأميركية للبنان أكثر اهتماماً من السابق، كما قيل، لما ارتضت هذه المرّة أيضاً أن يكون وقف اطلاق النار الممدّد مخترقاً كسابقه بـ "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس". كانت هذه دعوة معلنة في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، وبلسان الرئيس دونالد ترامب، كي تستمر إسرائيل في خرق وقف النار وتفجير البيوت والأحياء وتدعيم احتلال الأرض، فكل هذه الانتهاكات مبرّرة بمواصلة إيران و"حزبها" المواجهة أو "المقاومة" كما يدّعيان، على رغم أنهما أثبتا عدم القدرة على تغيير الواقع الميداني. لكن الأهم في اعلان ترامب أنه لا يشكّل أي دعم للدولة اللبنانية في توجهها الى التفاوض المباشر، بل على العكس إنه يحيط هذا التفاوض بكثير من التعقيدات (كإصراره على حرق المراحل وصولاً الى "اتفاق سلام"، ولقاء عون- نتنياهو...). لم يتفوّه ترامب بأي موقف يؤكّد دعم الدولة، بل بدا كأنه معنيٌّ بتقوية حجة إيران و"حزبها" ضد الدولة.
لم يقل نعيم قاسم في بيانه الأخير مَن دعا "حزبه" الى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل كي يعلن رفض دخولها ومواصلة "المقاومة الدفاعية" ضدها. بل طالب السلطة مجدّداً بعدم التفاوض "لأنها تفرّط بحقوق لبنان وتتنازل عن الأرض..." الى ما هنالك من اتهامات لا تؤكّد سوى انفصاله عن الواقع، حتى أنه دعا السلطة الى "أن تعود إلى شعبها لتجمعه حولها، فلا تكون سلطة الجزء بل سلطة الشعب"... يعتقد قاسم أن الشعب معه في حربه من أجل إيران، ومع حزبه الذي فرّط قولاً وعملاً بالحقوق (ترسيم الحدود البحرية) والأرض (الاحتلال الجديد يتوسع من 5 نقاط الى أكثر من 55 قرية). الواقع أن "سلطة الشعب" تدعم الدولة في سعيها الى
التفاوض لـ "إنهاء الحرب" واستطراداً لـ "نزع سلاح الحزب" الذي يخطّط لإفشال أي مفاوضات.
-------------
النهار العربي
التفاوض لـ "إنهاء الحرب" واستطراداً لـ "نزع سلاح الحزب" الذي يخطّط لإفشال أي مفاوضات.
-------------
النهار العربي


الصفحات
سياسة








