وبعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، حصلت مفاوضات بين الرئيس أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي، وكان أحد بنودها خروج قادة "حزب العمال الكردستاني" من سوريا. كما أنه طلب تركي نقلته أنقرة إلى دمشق. وحصل هناك رابط بين المسار السلمي بين الحكومة التركية وزعيم "العمال الكردستاني" عبدالله أوجلان المسجون في تركيا من جهة، ومسار المفاوضات بين دمشق و"قسد" من جهة ثانية.
وإذ لم يذكر اتفاق 10 مارس/آذار بين الرئيس أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي ملف "الكردستاني"، فإن الوثيقة التي وقعت بينهما في 18 يناير/كانون الثاني الماضي، نصت في أحد بنودها على "التزام (قسد) بإخراج كل قيادات وعناصر (حزب العمال الكردستاني) غير السوريين خارج حدود الجمهورية العربية السورية لضمان السيادة واستقرار الجوار".
أبلغ قادة ومسؤولون عدة مظلوم عبدي في الأيام الأخيرة، بضرورة الابتعاد عن "العمال الكردستاني" وأخذ زمام الأمور، وأن يكون "مصدر قراراته سوريا وليس جبال قنديل"
ولم يتضمن نص الاتفاق بين الشرع وعبدي ، المعلن في 30 يناير على بند مشابه، لكن البند الثامن نص على "إرسال فريق من هيئة المنافذ البرية إلى معبر سيملكا ومعبر نصيبين، لتثبيت الموظفين المدنيين ومنع استخدام المعابر لإدخال الأسلحة والأجانب من خارج الحدود، وتفعيل المعابر فورا"، ما فسر على أنه منع دخول أجانب و"العمال الكردستاني" بأقنية رسمية أو عبر التهريب.
وكان بعض قادة "العمال الكردستاني" قد لوحوا بالانضمام إلى "قسد" لقتال قوات الحكومة السورية بعد بدء معركة حلب في 6 يناير، وحاولوا استخدام الأنفاق الهائلة في الجزيرة في عملياتهم مما هدد باقتتال عربي-كردي. وأعلن الجيش السوري، في 16 يناير/كانون الثاني 2026، وصول "الدكتور باهوز" من قنديل إلى الطبقة بريف الرقة لـ"إدارة العمليات العسكرية" في محافظة حلب. وألمح الرئيس أحمد الشرع إلى دوره في معارك أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في حلب وعودته من قنديل لهذا الغرض.
لكن اتفاق 30 يناير الذي تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتركي رجب طيب أردوغان، والفرنسي إيمانويل ماكرون، ودول أخرى لإنجازه، أدى إلى تغيير الأولويات وتجنب الاقتتال ودفع الأمور نحو التسوية والتزام وقف النار وتطبيق بنود الاتفاق الذي يفرض سيادة الدولة على المنطقة مع مراعاة "الخصوصية الكردية" لبعض المناطق.
وخلال المفاوضات التي جرت في أربيل بالتزامن مع المعارك بين 6 و18 يناير الماضي، أبلغ قادة ومسؤولون عدة مظلوم عبدي في الأيام الأخيرة، بضرورة الابتعاد عن "العمال الكردستاني" وأخذ زمام الأمور، وأن يكون "مصدر قراراته سوريا وليس جبال قنديل". وقال أحدهم: "تبلغ مرات عدة بوجوب إبعاد (حزب العمال) عن القصة السورية... ويبدو أن الأمور تسير في هذا الاتجاه". فيما قال مسؤول آخر إن هذا يعني أن "الكفة ستميل لصالح بارزاني، حيث إن نفوذه السياسي والمدني واللوجستي يزيد في شمال شرقي سوريا مستفيدا من علاقاته الجيدة مع الأتراك والشرع وعبدي والأميركيين". وأضاف: "يتعرض بعض قادة (قسد) و(حزب العمال) لانتقادات شعبية، فيما ترفع أعلام مسعود وصوره وجمعياته المدنية تعبيرا عن ازدياد نفوذه".
يجري العمل على تنفيذ بنود أخرى في اتفاق 30 يناير الخاصة بتسليم آبار النفط والغاز والمواقع الاستراتيجية ودمج الموظفين ودمج "قسد" بالجيش
ويعود انتشار "العمال الكردستاني" بالمنطقة، إلى منتصف الثمانينات بعد وصول أوجلان إلى سوريا، حيث عمل على ترتيب مجموعات تتسلل إلى تركيا عبر الحدود أو عبر العراق وتنظيم أنصاره وتدريبهم في معسكرات الفلسطينيين في سوريا وفي لبنان بإشراف استخبارات سوريا وجيشها في سهل البقاع اللبناني.
وقد حاولت دمشق التوسط بينه وبين أنقرة في بداية التسعينات، وفي 1992 التقاه نائب الرئيس الراحل عبدالحليم خدام للمرة الأولى، ثم اجتمع به مرات عدة لإقناعه بالوصول إلى حلول سياسية مع حكومة نجم الدين أربكان.
وبعد التقارب بين دمشق وأنقرة بعد تسلم بشار الأسد قامت السلطات السورية بتسليم عشرات من قادة "العمال الكردستاني" إلى تركيا. وعين "الدكتور باهوز" رئيساً لـ"قوات الدفاع الشعبي" ثم في "المجلس التنفيذي" في "العمال الكردستاني"، حيث اتهمته تركيا بالمسؤولية عن عمليات ضدها وأدرجته على "القائمة الحمراء" لأخطر المطلوبين.
ومع عودة العلاقات للتوتر فتحت دمشق الباب واسعا أمام نشاطات "العمال الكردستاني" بعد ثورة 2011. وأصبح "الدكتور باهوز"، الذي كان يقيم في جبال قنديل مسؤولا عن ساحة سوريا، ولعب دورا في تنظيم "وحدات حماية الشعب" الكردية ثم تأسيس "قسد" ومحاربة "داعش" بالتعاون مع التحالف الدولي بقيادة أميركا بعد 2015. ومع مرور الوقت أصبحت "قسد" تسيطر بالتعاون مع "العشائر العربية" على مناطق شرق الفرات (ثلث مساحة سوريا) التي تضم معظم الثروات الاستراتيجية السورية.
باقي بنود اتفاق الشرع-عبدي
إضافة إلى ذلك يجري العمل على تنفيذ بنود أخرى في اتفاق 30 يناير الخاصة بتسليم آبار النفط والغاز والمواقع الاستراتيجية ودمج الموظفين ودمج "قسد" بالجيش وانتهاءً بتسليم معبر سيملكا مع العراق، ومعبر نصيبين مع تركيا للإدارة السورية التي تسلمت مطار القامشلي.
أظهر اجتماع وفد وزارة الدفاع مع "قسد" في الحسكة قبل أيام، استعداد الطرفين لبدء تنفيذ اتفاق الدمج
وكشفت الاتصالات والمفاوضات في الأيام الأخيرة عن وجود اتجاهين في "قسد".
الأول، يريد الاندماج والانتقال من العمل العسكري إلى السياسي عبر الحوار مع الحكومة السورية وأخذ مناصب في وزارات الدفاع والداخلية والخارجية وغيرها، لتحسين وضع الأكراد وحقوقهم ضمن الدستور لضمان التشاركية والعمل نحو سوريا تعددية دون نسخ تجربة "كردستان العراق" لأن الظروف مختلفة تماما بالبلدين. ويراهن هؤلاء على المرسوم الرئاسي من الشرع وقراره فتح خطوط مع مسؤولين أكراد بما في ذلك "المجلس الوطني الكردي" منافس "قسد".
الثاني، يريد شراء الوقت خلال تنفيذ اتفاق 30 يناير، بانتظار تغيير الموازين الخارجية للدفع باتجاه تكريس "الجيب الكردي" في الزاوية السورية-العراقية-التركية والوصول إلى "نسخة سورية" من إقليم "كردستان العراق".
مجلة المجلة


الصفحات
سياسة








