بعد خروجه من السجن عاش محمد في موطنه بمدينة صفاقس وسط تونس، تجربة مريرة حيث خضع لنحو ست سنوات إلى المراقبة اللصيقة من قبل البوليس السياسي امتدت الى باقي أفراد العائلة. ولم يستطع محمد /41 عاما/ مواصلة دراسته كما أغلقت أبواب العمل في وجهه.
وقال محمد لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب .أ) "لم أستطع البقاء في أي عمل. وأطول فترة قضيتها كانت في مصنع لمدة سنة واحدة لكن عندما اكتشف البوليس السياسي مكاني قاموا بمضايقة صاحب المصنع وأرغموه على طردي".
وأضاف محمد "هدأت المراقبة اللصيقة عام 1999 لكنها استؤنفت من جديد عام 2003".
وتابع العقربي "قررت حينها المواجهة والتمرد على قرارات الشرطة والبوليس السياسي فأصبحت مطلوبا من جديد. فررت من صفاقس الى العاصمة وبقيت مختفيا الى يوم 14 كانون ثان/يناير" تاريخ سقوط نظام بن علي وهروبه خارج البلاد.
وربما كانت عقوبة محمد العقربي في السجن ومشواره النضالي هينا قياسا اإلى ملهميه من القادة الإسلاميين من حركة النهضة الإسلامية، والذين كانوا هدفا مباشرا للرئيس السابق زين العابدين بن علي في بداية تثبيته لأركان حكمه بين أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات، وواجهوا أحكاما طويلة بالسجن وصلت حتى الإعدامات، مع أنها لم تنفذ.
ولكن بينما أوصلت أول انتخابات ديمقراطية حرة في تونس بعد ثورة 14 كانون ثان/ يناير عام 2011 القادة الإسلاميين إلى أعلى مناصب في السلطة، لا يجد محمد والآلاف من المساجين السياسيين للحركة بعد تمتعهم بالعفو العام مواطن للرزق.
ومباشرة بعد الثورة أصدرت الدولة التونسية أول مرسوم رئاسي في 19 شباط/فبراير عام 2011 يتعلق بالعفو التشريعي العام شمل نحو 12 ألف سجين سياسي من جل الأطياف والحساسيات السياسية المناضلة منذ نظام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة (1956-1987) ومن بعده زين العابدين بن علي (1987-2011).
وينص الفصل الأول من المرسوم على أن ينتفع بالعفو العام كل من حكم عليه أو كان محل تتبع قضائي لدى المحاكم في لائحة من الجرائم تم تحديدها داخل المرسوم.
ويقضي الفصل الثاني من المرسوم على أنه يحق لكل من سيشملهم العفو العام العودة إلى وظائفهم والمطالبة بجبر الضرر المعنوي والمادي والمطالبة بالتعويض. وبحسب المرسوم يقع النظر في مطالب التعويض المقدمة من قبل الأشخاص المنتفعين به طبقا لإجراءات وصيغ يحدّدها إطار قانوني خاص.
لكن الحكومة التونسية تماطل في تفعيل الفصل الثاني وإقرار التعويض لضحايا التعذيب والسجن والقمع.
وقال عبد الوهاب الهاني الناشط الحقوقي ورئيس حزب المجد لـ(د.ب .أ) "المطلوب طمأنة ضحايا القمع والتعذيب وجرحى الثورة وعائلات الشهداء بتثبيت الحقوق أولا ثم صرفها لاحقا. التسرع في إلغاء الحق في جبر الضرر جعل البلاد منقسمة حول موضوع يفترض أن يوحدنا".
واقترح الهاني إعطاء الأولية في النظر أولا في الحالات الاجتماعية والصحية المستعجلة للسجناء السياسيين وضرورة انخراط رجال الأعمال والنخبة السياسية من الميسورين الذين كانوا سجناء أيضا، في المجهود الوطني من اجل جبر الضرر لمنتفعي القانون العام.
واليوم يعتصم المئات من المساجين السياسيين منذ أكثر من شهر في ساحة القصبة قبالة مقر رئاسة الحكومة التونسية من أجل الدعوة الى تفعيل الفصل الثاني لمرسوم العفو العام. ويتولى محمد العقربي مهمة الناطق الرسمي للاعتصام الذي سمي باسم "اعتصام الصمود" وهو ينوب عن كل المعتصمين، من الإسلاميين إلى أقصى اليسار.
وفي بدايات الأزمة كانت الساحة المحاذية لمقر الحكومة تعج بالمعتصمين الذين يقضون الليل والنهار تحت الخيام. ومع استمرار الاعتصام لفترات أطول تناقص عدد المعتصمين المقيمين لكنهم واصلوا الالتقاء في نفس المكان حتى يحافظ الاعتصام على زخمه.
ويشير الناطق باسم "اعتصام الصمود" إلى إن المعتصمين الموجودين في القصبة هم من "السجناء النوعيون" الذين استطاعوا أن يكسروا شوكة بن علي داخل السجن وهم أيضا من أبناء غرف "السيلون"، أي غرف السجن الانفرادية القاسية.
وقال محمد العقربي لـ(د. ب. أ) "بعد عامين من الثورة اكتشفنا أن أداء الحكومة وخاصة وزارة حقوق الانسان والعدالة الانتقالية في تعاطيها مع ملفنا، لم يكن بالجدية والمسؤولية كما لم يكن في مستوى انتظاراتنا. كل ما أقرته الوزارة بقي حبرا على ورق".
وأشار وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، وهي وزارة أحدثت بعد الثورة، ويرأسها سمير ديلو عن حركة النهضة الإسلامية لـ(د. ب. أ) إلى صدور قانون للانتداب المباشر والذي سمح بانتداب العديد من المنتفعين بالعفو العام في الوظيفة العمومية في انتظار إيجاد حل لمسألة التعويض المادي.
لكن بحسب المعتصمين في ساحة القصبة فإن عدد الذين عادوا الى وظائفهم لا يتجاوز 2500 منتفع بالعفو ولا يزال جلهم يعانون من المعوقات الإدارية في تسوية مسارهم المهني كما لم تقبل بهم عديد الوزارات والمنشآت والإدارات.
ويكيل المعتصمون اتهامات لوزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية بالإهمال والتعاطي السيئ مع ملفهم.
وقال الناشط الحقوقي والكاتب العام لمنظمة العفو الدولية (مكتب تونس) زهير مخلوف لـ(د .ب. أ) "إن التجاذب السياسي والضغط الإعلامي أجبرا الحكومة التي تقودها حركة النهضة على التخلي عن فكرة التعويض فضلا عن العجز في الموازنة العامة للدولة".
وأضاف مخلوف السجين السياسي السابق في حكم بن علي "المجتمع المدني اليوم أصبح ينادي بتفعيل العفو العام لضحايا الاستبداد منذ الاستقلال عام 1956 لكن الإرادة السياسية هي التي تعطل ذلك".
وبمجرد طرح فكرة التعويض لمنتفعي العفو العام خشيت أحزاب معارضة من أن يؤدي ذلك إلى اثقال كاهل الدولة بينما تعاني الموازنة العامة من ضغوطات وتحديات هائلة، فضلا عن أن أغلب منتفعي العفو العام هم من الإسلاميين المحسوبين على حركة النهضة التي تقود الحكومة.
وحتى يتم إبعاد الملف عن كل تجاذب حزبي قرر المعتصمون تشكيل رابطة تجمع كل المساجين السياسيين السابقين على اختلاف مشاربهم السياسية. وان يحملوا قضيتهم بعيدا عن كل وساطة.
وقرر المعتصمون نقل احتجاجاتهم من وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية الى رئاسة الحكومة مباشرة.
وقال العقربي "توصلنا عبر المفاوضات إلى اتفاق اطاري في 8 شباط/فبراير لتشكيل لجنة مشتركة بإشراف رئيس الحكومة وجهات مختصة وممثلين عن الاعتصام على أن تنهي عملها في أواخر شهر آذار/مارس برفع تقرير الى رئاسة الحكومة لاتخاذ الإجراءات المناسبة في ذلك".
لكن آمال المعتصمين لإيجاد حلول لأزمتهم تعرضت لانتكاسة جديدة مع دخول تونس في أزمة سياسية خانقة على خلفية تعطل التحوير الوزاري واستقالة حكومة حمادي الجبالي. وأصبح مصير الاتفاق مع الجبالي مجهولا الآن تماما مثل مصير الاعتصام الذي قد يضطر للاستمرار أسابيع أخرى حتى اتضاح الرؤية لدى الانتهاء من تشكيل حكومة جديدة.
وقال العقربي "للأمانة والتاريخ فإن رئيس الحكومة حمادي الجبالي كان أكثر جدية في التعامل معنا قبل ان تدخل البلاد في أزمة حكومية حساسة ووضع هش وحساس وخطير".
وأضاف "الحكومة عمليا غير موجودة والجهات المختصة غير موجودة. فقط المعتصمون مازالوا موجودين.. لقد عانوا من الظلم 23 عاما ومازال الظلم مستمر.. نحن صامدون وهذا شعارنا".
وقال محمد لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب .أ) "لم أستطع البقاء في أي عمل. وأطول فترة قضيتها كانت في مصنع لمدة سنة واحدة لكن عندما اكتشف البوليس السياسي مكاني قاموا بمضايقة صاحب المصنع وأرغموه على طردي".
وأضاف محمد "هدأت المراقبة اللصيقة عام 1999 لكنها استؤنفت من جديد عام 2003".
وتابع العقربي "قررت حينها المواجهة والتمرد على قرارات الشرطة والبوليس السياسي فأصبحت مطلوبا من جديد. فررت من صفاقس الى العاصمة وبقيت مختفيا الى يوم 14 كانون ثان/يناير" تاريخ سقوط نظام بن علي وهروبه خارج البلاد.
وربما كانت عقوبة محمد العقربي في السجن ومشواره النضالي هينا قياسا اإلى ملهميه من القادة الإسلاميين من حركة النهضة الإسلامية، والذين كانوا هدفا مباشرا للرئيس السابق زين العابدين بن علي في بداية تثبيته لأركان حكمه بين أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات، وواجهوا أحكاما طويلة بالسجن وصلت حتى الإعدامات، مع أنها لم تنفذ.
ولكن بينما أوصلت أول انتخابات ديمقراطية حرة في تونس بعد ثورة 14 كانون ثان/ يناير عام 2011 القادة الإسلاميين إلى أعلى مناصب في السلطة، لا يجد محمد والآلاف من المساجين السياسيين للحركة بعد تمتعهم بالعفو العام مواطن للرزق.
ومباشرة بعد الثورة أصدرت الدولة التونسية أول مرسوم رئاسي في 19 شباط/فبراير عام 2011 يتعلق بالعفو التشريعي العام شمل نحو 12 ألف سجين سياسي من جل الأطياف والحساسيات السياسية المناضلة منذ نظام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة (1956-1987) ومن بعده زين العابدين بن علي (1987-2011).
وينص الفصل الأول من المرسوم على أن ينتفع بالعفو العام كل من حكم عليه أو كان محل تتبع قضائي لدى المحاكم في لائحة من الجرائم تم تحديدها داخل المرسوم.
ويقضي الفصل الثاني من المرسوم على أنه يحق لكل من سيشملهم العفو العام العودة إلى وظائفهم والمطالبة بجبر الضرر المعنوي والمادي والمطالبة بالتعويض. وبحسب المرسوم يقع النظر في مطالب التعويض المقدمة من قبل الأشخاص المنتفعين به طبقا لإجراءات وصيغ يحدّدها إطار قانوني خاص.
لكن الحكومة التونسية تماطل في تفعيل الفصل الثاني وإقرار التعويض لضحايا التعذيب والسجن والقمع.
وقال عبد الوهاب الهاني الناشط الحقوقي ورئيس حزب المجد لـ(د.ب .أ) "المطلوب طمأنة ضحايا القمع والتعذيب وجرحى الثورة وعائلات الشهداء بتثبيت الحقوق أولا ثم صرفها لاحقا. التسرع في إلغاء الحق في جبر الضرر جعل البلاد منقسمة حول موضوع يفترض أن يوحدنا".
واقترح الهاني إعطاء الأولية في النظر أولا في الحالات الاجتماعية والصحية المستعجلة للسجناء السياسيين وضرورة انخراط رجال الأعمال والنخبة السياسية من الميسورين الذين كانوا سجناء أيضا، في المجهود الوطني من اجل جبر الضرر لمنتفعي القانون العام.
واليوم يعتصم المئات من المساجين السياسيين منذ أكثر من شهر في ساحة القصبة قبالة مقر رئاسة الحكومة التونسية من أجل الدعوة الى تفعيل الفصل الثاني لمرسوم العفو العام. ويتولى محمد العقربي مهمة الناطق الرسمي للاعتصام الذي سمي باسم "اعتصام الصمود" وهو ينوب عن كل المعتصمين، من الإسلاميين إلى أقصى اليسار.
وفي بدايات الأزمة كانت الساحة المحاذية لمقر الحكومة تعج بالمعتصمين الذين يقضون الليل والنهار تحت الخيام. ومع استمرار الاعتصام لفترات أطول تناقص عدد المعتصمين المقيمين لكنهم واصلوا الالتقاء في نفس المكان حتى يحافظ الاعتصام على زخمه.
ويشير الناطق باسم "اعتصام الصمود" إلى إن المعتصمين الموجودين في القصبة هم من "السجناء النوعيون" الذين استطاعوا أن يكسروا شوكة بن علي داخل السجن وهم أيضا من أبناء غرف "السيلون"، أي غرف السجن الانفرادية القاسية.
وقال محمد العقربي لـ(د. ب. أ) "بعد عامين من الثورة اكتشفنا أن أداء الحكومة وخاصة وزارة حقوق الانسان والعدالة الانتقالية في تعاطيها مع ملفنا، لم يكن بالجدية والمسؤولية كما لم يكن في مستوى انتظاراتنا. كل ما أقرته الوزارة بقي حبرا على ورق".
وأشار وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، وهي وزارة أحدثت بعد الثورة، ويرأسها سمير ديلو عن حركة النهضة الإسلامية لـ(د. ب. أ) إلى صدور قانون للانتداب المباشر والذي سمح بانتداب العديد من المنتفعين بالعفو العام في الوظيفة العمومية في انتظار إيجاد حل لمسألة التعويض المادي.
لكن بحسب المعتصمين في ساحة القصبة فإن عدد الذين عادوا الى وظائفهم لا يتجاوز 2500 منتفع بالعفو ولا يزال جلهم يعانون من المعوقات الإدارية في تسوية مسارهم المهني كما لم تقبل بهم عديد الوزارات والمنشآت والإدارات.
ويكيل المعتصمون اتهامات لوزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية بالإهمال والتعاطي السيئ مع ملفهم.
وقال الناشط الحقوقي والكاتب العام لمنظمة العفو الدولية (مكتب تونس) زهير مخلوف لـ(د .ب. أ) "إن التجاذب السياسي والضغط الإعلامي أجبرا الحكومة التي تقودها حركة النهضة على التخلي عن فكرة التعويض فضلا عن العجز في الموازنة العامة للدولة".
وأضاف مخلوف السجين السياسي السابق في حكم بن علي "المجتمع المدني اليوم أصبح ينادي بتفعيل العفو العام لضحايا الاستبداد منذ الاستقلال عام 1956 لكن الإرادة السياسية هي التي تعطل ذلك".
وبمجرد طرح فكرة التعويض لمنتفعي العفو العام خشيت أحزاب معارضة من أن يؤدي ذلك إلى اثقال كاهل الدولة بينما تعاني الموازنة العامة من ضغوطات وتحديات هائلة، فضلا عن أن أغلب منتفعي العفو العام هم من الإسلاميين المحسوبين على حركة النهضة التي تقود الحكومة.
وحتى يتم إبعاد الملف عن كل تجاذب حزبي قرر المعتصمون تشكيل رابطة تجمع كل المساجين السياسيين السابقين على اختلاف مشاربهم السياسية. وان يحملوا قضيتهم بعيدا عن كل وساطة.
وقرر المعتصمون نقل احتجاجاتهم من وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية الى رئاسة الحكومة مباشرة.
وقال العقربي "توصلنا عبر المفاوضات إلى اتفاق اطاري في 8 شباط/فبراير لتشكيل لجنة مشتركة بإشراف رئيس الحكومة وجهات مختصة وممثلين عن الاعتصام على أن تنهي عملها في أواخر شهر آذار/مارس برفع تقرير الى رئاسة الحكومة لاتخاذ الإجراءات المناسبة في ذلك".
لكن آمال المعتصمين لإيجاد حلول لأزمتهم تعرضت لانتكاسة جديدة مع دخول تونس في أزمة سياسية خانقة على خلفية تعطل التحوير الوزاري واستقالة حكومة حمادي الجبالي. وأصبح مصير الاتفاق مع الجبالي مجهولا الآن تماما مثل مصير الاعتصام الذي قد يضطر للاستمرار أسابيع أخرى حتى اتضاح الرؤية لدى الانتهاء من تشكيل حكومة جديدة.
وقال العقربي "للأمانة والتاريخ فإن رئيس الحكومة حمادي الجبالي كان أكثر جدية في التعامل معنا قبل ان تدخل البلاد في أزمة حكومية حساسة ووضع هش وحساس وخطير".
وأضاف "الحكومة عمليا غير موجودة والجهات المختصة غير موجودة. فقط المعتصمون مازالوا موجودين.. لقد عانوا من الظلم 23 عاما ومازال الظلم مستمر.. نحن صامدون وهذا شعارنا".


الصفحات
سياسة








