في هذا التقرير تحلل “الثورة السورية”، مع خبراء، ثلاث مداخلات للسفير السوري في الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، وتقرأ فيها ملامح التغيير ومكامن القوة والمكاسب المحققة على الأرض، مع قوة احتلال اعتادت القتل وضربت بالقانون الدولي عرض الحائط.
الموقف السوري.. وضوح وثبات
من سمات الموقف السوري تجاه قضية “إسرائيل”، بالذات، أنه ثابت وواضح لا تكهنات فيه، خصوصاً أن الحكومة السورية تعلن باستمرار عدم السماح باستخدام أراضيها منطلقاً لأي هجمات ضد الجوار، وأنها قادرة على ضبط حدودها ومنع أي نشاط إرهابي.منذ أن أعلن السيد الرئيس أحمد الشرع في 7 من أيار 2025، أن هناك مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، ثم تحولت إلى مباشرة لاحقاً، بعد لقاء وزير الخارجية أسعد الشيباني بوفد إسرائيلي في 19 من آب الماضي بالعاصمة الفرنسية باريس، كان المطلب واحداً: انسحاب إلى ما قبل 8 كانون الأول 2024، وعودة إلى اتفاق فض الاشتباك.
الجولات المكوكية التي كان آخرها في 5 من كانون الثاني الماضي، وشارك فيها إلى جانب الشيباني رئيس الاستخبارات العامة حسين السلامة، أتت وفق مصدر حكومي لسانا تأكيداً على التزام سوريا الثابت باستعادة الحقوق الوطنية غير القابلة للتفاوض.
في هذا السياق، يرى الخبير في الشؤون السورية الإسرائيلية خالد خليل، أن الدبلوماسية السورية نجحت في تحقيق أهداف سيادية في مسار المفاوضات مع “إسرائيل” من خلال إقناع المجتمع الدولي بشرعية الموقف السوري ومطالبه، والنجاح في نسج تحالفات مع قوى إقليمية ودولية على رأسها الولايات المتحدة.
وفي حديثه إلى صحيفة “الثورة السورية”، اعتبر خليل أن هذا النجاح كان نتيجة لانتهاج مقاربات واقعية ومرنة، على عكس المقاربات السابقة المتشنجة التي جعلت من سوريا مشكلة، مضيفاً: “أما اليوم فإننا نرى سوريا تتحول إلى حجر الزاوية في استقرار المنطقة، وضمن محور يهتم بالتنمية الاقتصادية”.
ولا بد من الإشارة، بحسب الخبير السوري، إلى أن خيار المفاوضات وتفعيل الأدوات الدبلوماسية والسياسية كان خياراً استراتيجياً لمواجهة التغوّل الإسرائيلي في سوريا والإقليم، الذي جعل “إسرائيل” بمظهر القوة المارقة، وجعل سوريا كركيزة للاستقرار الإقليمي.
الرئيس الشرع أكد مراراً وفي مناسبات مختلفة أن المفاوضات مع إسرائيل تهدف إلى التوصل إلى اتفاق أمني يضمن مصالح سوريا، وشدد كذلك على ضرورة انسحابها من المناطق التي احتلتها بعد 8 من كانون الأول 2024، وأشار إلى أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب سوريا في هذه المفاوضات، وأن العديد من الأطراف الدولية تدعم وجهة نظرها في هذا الصدد.
في أروقة الأمم المتحدة.. ميدان دبلوماسية
في الأيام الماضية، تداول سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع للسفير إبراهيم علبي، وهو يتحدث عن انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي وملكية سوريا للجولان، مشيدين ببلاغة السفير وحجته.وفق الخبير في العلاقات السورية ـ الإسرائيلية، خالد خليل، يعتمد علبي في خطابه على بعدين أساسيين هما: “الحزم والمرونة”، الحزم يلخصه بـ “عدم التفريط بالسيادة ووضع المجتمع الدولي أمام استحقاقاته”، أما المرونة فعبر “ترك الباب مفتوحاً واعتماد المقاربات الواقعية والدبلوماسية” و”عدم الانجرار إلى الاستفزازات الإسرائيلية”.
خليل يرى أن مداخلات السفير علبي، وخصوصاً مداخلته في جلسة مجلس الأمن التي انعقدت في 29 من كانون الثاني الماضي، اتسمت بـ “الوضوح والحزم” ووضعت المجتمع الدولي أمام التزاماته، وصححت المفاهيم والمغالطات.
وركز خطاب علبي على الجانب القانوني من وجهة نظر القانون الدولي، وأيضاً على الجانب السياسي عندما حدد بأن الأمر يتعلق باحتلال وليس نزاعاً حدودياً كما تريد “إسرائيل” ترويجه.
بينما يرى المحلل السياسي درويش خليفة أن ما يقوم به السفير إبراهيم علبي في جلسات الأمم المتحدة ومجلس الأمن لا يمكن توصيفه كـ “إنجاز استثنائي”، بل هو الحد الأدنى الممكن في ظل طغيان منطق القوة الذي تقوده الولايات المتحدة الداعمة لإسرائيل، ولا سيما منذ عهد دونالد ترامب الذي اعترف في ولايته الأولى بـ “إسرائيلية” الجولان السوري المحتل.
وعليه، فإن هذا الجهد الدبلوماسي، رغم أهميته، وفق ما قال خليفة في حديث إلى صحيفة “الثورة السورية”، “لا يوقف عملياً التمدد الإسرائيلي ولا سياسات الاستيطان، لكنه على الأقل يكسر حاجز الصمت ويمنع تحويل الخرق المستمر إلى أمر واقع غير مطعون فيه”.
كان علبي قد قال خلال الجلسة التي ناقشت أوضاع الشرق الأوسط في 29 من كانون الثاني الماضي: “إن خط وقف إطلاق النار ومنطقة الفصل التي أوجدها اتفاق 1974 هي حيز جغرافي يفصل بين سوريا الأم والجولان السوري المحتل، وليست حدودنا مع إسرائيل، وإن قضية الجولان السوري المحتل ليست نزاعاً على السيادة مع إسرائيل، فالجولان هو أرض سورية، والسيطرة العسكرية لا تعني السيادة”.
وأضاف علبي أن “الفكر الخيالي لدى الإسرائيليين عن الحدود وجدران الحماية والمخاطر الأمنية ليس أمراً واقعياً لا في الجغرافيا ولا في السياسة”.
وكانت إسرائيل قد احتلت الجولان السوري بشكل كامل في أعقاب حرب الأيام الستة عام 1967، وبعد الحرب رفضت سوريا أي مفاوضات مع “إسرائيل”، وفي اتفاقية “فض الاشتباك” بعد حرب 6 من تشرين الأول 1973 تمت استعادة القنيطرة إلى سوريا، ثم أقر “الكنيست الإسرائيلي” قانوناً بضم الجولان، أدانته الأمم المتحدة في قرارها رقم (497) لعام 1981.
تحول في الخطاب
عادةً من يراقب خطابات مندوبي سوريا في عهد النظام المخلوع، كانت تعتمد على الكلمات الرنانة والمفرغة من محتواها، ولا تترجم على أرض الواقع كسياسة ذات وزن، وفق رؤية الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية خالد خليل.خليل قال إن النظام المخلوع، عندما كان يعتمد مقاربات متشنجة، ظهر على أنه ضمن المحور الإيراني، لكن في حقيقة الأمر “تحول إلى شرطي حدود لإسرائيل”، مضيفاً: “هذه الازدواجية وقواعد الاشتباك فهمتها إسرائيل لكنها اليوم مستاءة من وضوح ورصانة الخطاب الرسمي لسوريا الجديدة”.
في حين يقول الصحفي والمحلل السياسي درويش خليفة إنه لا بد من الاعتراف بأن شعارات “المقاومة والممانعة”، رغم قدرتها التعبوية والعاطفية وجاذبيتها لدى الشعوب المقهورة، تبقى غير قابلة للقياس أو الاستثمار ضمن معايير القانون الدولي، وهو قانون، وفق خليفة، لا تعترف به إسرائيل أصلاً، وتتجاوزه بصورة ممنهجة، غير أن هذا الواقع لا يلغي أهمية الاشتباك القانوني، بل يؤكد أن القانون الدولي لا يعمل لحظة بلحظة، وإنما يفعل أثره حين تتغير موازين القوى وتُفتح نوافذ المحاسبة بأثر رجعي.
عند سؤال السفير إبراهيم علبي عن الرد السوري على ما قامت به إسرائيل في بيت جن في 28 من تشرين الثاني الماضي، حيث ارتكبت مجزرة أدت إلى ارتقاء 13 مدنياً وإصابة 24 آخرين، قال: “نحن في الخارجية السورية نستخدم كل الطرق الدولية والطرق الدبلوماسية للضغط على إسرائيل من أجل أن تشعر هي بالعزلة وتعود إلى طاولة المفاوضات، كما يجب أن يضغط عليها حلفاؤها”.
وفي جلسة مجلس الأمن في 19 من كانون الأول 2025، تساءل علبي عن الرسالة التي يتم إيصالها للسوريين وللعالم حين “يُكافأ من يحترم القانون الدولي وينتهج الدبلوماسية بالقصف والتوغل وتكرار الاعتداءات والانتهاكات؟ كيف تريدون منا الإجابة على تساؤلات الشارع السوري الغاضب فيما نفعت الدبلوماسية وضبط النفس؟”.
هل تنعكس الدبلوماسية إلى أوراق ضغط؟
في جلسة مجلس الأمن المتعلقة بتجديد ولاية قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “الإندوف” في 29 من كانون الأول الماضي، قدم علبي تصوراً واضحاً عن وضع الجنوب والتعامل الإسرائيلي مع قوة الأمم المتحدة، مستنداً في ذلك إلى إحاطة قدمها وكيل الأمين العام للأمم المتحدة جان بيير لاكروا.وتساءل علبي: هل لا يزال لديكم شك بكذب ادعاء إسرائيل، بعد كل هذا، بأن وجودها في منطقة الفصل مؤقت ومحدود كما تزعم؟ يدرك المجتمع الدولي تماماً من هو الطرف الذي ينتهك، ومن الطرف الذي يلتزم، ويدرك أيضاً، بحسب السفير السوري، مَن الطرف الذي يسعى إلى الحل بوساطة أميركية مشكورة، ومن الطرف الذي يعرقل.
وقال: أكرر السؤال الذي سألتكم إياه في الجلسة الأخيرة المتعلقة بسوريا: ما الذي تُكافأ به سوريا مقابل التزامها بالشرعية الدولية؟ هل المكافأة هي المزيد والمزيد من الاعتداءات والتوغلات البرية والمسيرات والاعتداء على المدنيين السوريين وخطفهم وقتلهم؟
الخطاب فيه، بحسب خليل، رسائل متعددة الاتجاهات، أولاً إلى المجتمع الدولي ليطالبه ويضعه أمام استحقاقاته والتزاماته لكف الاعتداءات الإسرائيلية، بالإضافة إلى إشادته بالمؤسسات الأممية، خاصة قوات “الإندوف”، ويظهر سوريا كـ “شريك فعال في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة”، مع إرسال رسائل للمجتمع الدولي بـ “اعتماد خطاب وطني يشدد على عدم المساومة على السيادة وعلى الحقوق ويضعها كخط أحمر”.
ولا بد من الإشارة هنا، بحسب خليل، إلى أن هذا الخطاب قام على “صون الحقوق والشرعية السيادية والقانونية مقرونة بنشاط دبلوماسي على الأرض”، بالإشارة إلى زيارة علبي برفقة وفد أممي إلى مناطق في القنيطرة.
وعن إمكانية تحويل هذا الزخم الدبلوماسي إلى مكاسب ملموسة، يرى درويش خليفة أن الواقعية تفرض انتقاء التحالفات بعناية، ولا سيما مع الدول المتضررة من السياسات الإسرائيلية، والعمل على تشكيل رأي عام دولي يُدين ممارسات تل أبيب ويُبرز تعديها المستمر على دول المنطقة مستفيدة من تفوقها في ميزان القوة.
وفي المحصلة، اعتبر خليفة أن الدبلوماسية تبقى بلا “جدوى حقيقية” إذا انفصلت عن الوقائع الميدانية، إذ إن أي فراغ بين المسارين يفتح الباب أمام تصنيف التوغلات الإسرائيلية كوقائع قائمة أو خروقات عابرة، لا كاعتداءات على حقوق سيادية سورية ثابتة.
اتفاق 1974
عقب حرب تشرين 1973 بين سوريا وإسرائيل، تم التوصل بإشراف الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إلى اتفاق بين الجانبين الإسرائيلي والسوري في 31 من أيار عام 1974، يقضي برسم خط فك الاشتباك بين الجانبين، وشمل تفاصيل لتحديد مواقع القوات العسكرية لسوريا وإسرائيل على طول خطي “A” و”B”.يطلق اسم “برافو” على الخط “B” و”ألفا” على الخط “A”، ونصت الاتفاقية على فصل القوات بشكل أساسي لتكون القوات الإسرائيلية غرب الخط “A”، والقوات السورية شرق الخط “B”، على أن تكون المنطقة العازلة بين الخطين “A” و”B”، وهي منطقة فاصلة بين القوات الإسرائيلية والسورية، على أن تشرف عليها قوة مراقبة فض الاشتباك التابعة للأمم المتحدة.
--------
الثورة السورية


الصفحات
سياسة








