تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

سوريا أمام لحظة الحقيقة

06/04/2026 - عالية منصور

موت الأخلاق

06/04/2026 - سوسن الأبطح

كاسك يا وطن

06/04/2026 - ماهر سليمان العيسى

سوريا أولاً

06/04/2026 - فراس علاوي

لماذا يقف السوريون على الحياد في حرب إيران؟

06/04/2026 - طالب عبد الجبار الدغيم

عيوب متجددة للمعارضة السورية

02/04/2026 - حسام جزماتي

إدارة الصراع على الجغرافيا السورية

26/03/2026 - عدنان عبدالرزاق

بروفات فاشلة في دمشق

24/03/2026 - ماهر حميد


“الشيوعية الرأسمالية” درس رومانيا الكبير في سوريا




لا تشبه الطريقة التي سقط فيها الديكتاتور نيكولاي تشاوشيسكو في كانون الأول 1989 سقوط بشار الأسد في الشهر نفسه بعد 35 عامًا سوى في الهروب. وفي حين فشل تشاوشيسكو في النجاة مع إيلينا بطائرة الهليكوبتر التي أقعلت من سطح مبنى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في بوخارست فأُلقي القبض عليهما، وتمت محاكمتهما عسكرياً بشكل عاجل، وصدر بحقهما حكم بالإعدام نُفذ في نفس اليوم رمياً بالرصاص، نجح الطاغية في دمشق بالهروب عبر قاعدة حيميم الروسية في اللاذقية.


 
لكن الإطاحة بالدكتاتور الروماني استغرقت 14 يومًا، في حين استغرقت الإطاحة بنظام الأسد 14 عامًا، لم تتعرض رومانيا لأي من الدمار الذي عانته المدن السورية، ولم يقتل من الرومانيين أكثر من 1100 شخص، في حين تكبد السوريون نحو مليون و100 ألف، ودمرت نصف المدن تقريبًا، وهذا لا يجعل في رومانيا دروسًا خاصة لسوريا.
لكن المرحلة الانتقالية تتضمن درسًا بليغًا، فبعد إسقاط تشاوشيسكو، لم تكن في رومانيا أحزاب سوى الحزب الشيوعي، وهو الحزب المسؤول عما آلت إليه البلاد، ولكن البلاد لا تحتمل فراغًا سياسيًا، فلا بد لإنهاء الفوضى وبسط الاستقرار أن ينهض جسم سياسي يتولى المسؤولية، فتم تأسيس كيان سياسي/عسكري باسم جبهة الإنقاذ الوطني (FSN) (بديل المجلس العسكري في حالات الإسقاط بالقوة العسكرية) لقيادة المرحلة الانتقالية على أساس الشرعية الثوري. 
وعلى الرغم من أن الجبهة أعلنت في البداية أنها لن تتحول إلى حزب سياسي، وأن دورها ينتهي بإجراء الانتخابات في نهاية المرحلة الانتقالية (عام واحد)، إلا أنها تراجعت عن ذلك لاحقاً وخاضت انتخابات عام 1990 كحزب سياسي وفازت بأغلبية ساحقة.
خلال 36 عامًا بعد الإطاحة بالدكتاتور، دخلت رومانيا في مسار تحول، من دولة تنتمي للمعسكر الشرقي إلى دولة تلحق بالديمقراطية الغربية، ولكن ثلاثة عقود ونصف لم تحول رومانيا إلى ديمقراطية شبيهة بالديمقراطيات الغربية، فهي أبطأ عملية تحول ديمقراطي في أوروبا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. في البداية، اتخذت الديمقراطية منحى إجرائياً شكلياً أكثر من كونه تحولاً عميقاً في التفكير السياسي والفلسفة الحاكمة للدولة. 
بعد خمس سنوات من وضع أول دستور دائم للبلاد، وانتخابات جرى فيها أول انتقال سلمي للسلطة، بقيت مؤسسات الدولة تعمل بآليات شبيهة بعهد تشاوشيسكو، بل إن الجيش ظل يتدخل بالسياسة كما كان يحدث في تركيا قبل وصول العدالة والتنمية إلى الحكم، إلى أن انضم إلى الناتو الذي فرض جملة إصلاحات على المؤسسة العسكرية، بينها منع تدخل الجيش في السياسية، وتعزيز الاستقرار الأمني والسياسي. وفي عام 2007، وفي مسار انضمامها للاتحاد الأوروبي، طُلب منها تطبيق شروط صارمة تتعلق باستقلال القضاء ومكافحة الفساد. 
بقيت السمة الأساسية المستمرة في رومانيا هي الفساد المتجذر في المؤسسات، رغم كل الإصلاحات التي اضطرت إليها على مراحل لتصبح جزءاً من التكتل الغربي، وفي مطلع تشرين الثاني 2015 خرجت احتجاجات ضد الفساد الحكومي بعد حريق ملهى “كوليكتيف” الذي وقع في 30 تشرين الأول 2015 في بوخارست، أدى إلى مقتل 64 شخصاً. أدت الاحتجاجات إلى إسقاط الحكومة، وفي عام 2017 خرجت احتجاجات هي الأكبر منذ ثورة 1989 تطالب بمنع إصدار عفو عن السياسيين الفاسدين. 
رومانيا اليوم ليست ديمقراطية تماماً، هي الآن في وضع “الديمقراطية غير المكتملة”، بعد ثلاثة عقود ونصف لا تزال في طور التحول البطيء، والعلة الجوهرية في الواقع هي إعادة تدوير النظام القديم ما أبقاه فاعلاً. 
جبهة الإنقاذ الوطني كانت خليطًا متنافراً من المجموعات: قيادات في الحزب الشيوعي، ومنشقون أو معارضون لسياسات تشاوشيسكو من أنصار البروسترويكا، وقيادات عسكرية من الجيش، انضموا للجبهة فور تأكدهم من سقوط النظام، ولعبوا دوراً محورياً في تأمين السيطرة على مفاصل الدولة، ومثقفون وأكاديميون لعبوا دوراً بارزاً في الثورة، أو ممن عانى من القمع، بهدف إعطاء شرعية مدنية وثورية للكيان الجديد، بالإضافة إلى شخصيات سياسية معارضة كانت تحت الإقامة الجبرية أو المراقبة اللصيقة من قبل جهاز الأمن.
شكل الحرس القديم الوزن الرئيس في الجبهة، لعدة أسباب بينها أنه الجهة الخبيرة في إدارة الدولة، وعدم تطبيق العزل السياسي. وكان يُعتقد أن التغلغل الكبير لجهاز الأمن (السيكوريتات) في المؤسسات الحكومية، وأن العزل السياسي فجأة لجميع الموالين لتشاوشيسكو والمتعاونين مع جهاز الأمن سيؤدي إلى انهيار مؤسسات الدولة. واستمرت المؤسسات الحكومية والعامة تعمل بالأشخاص أنفسهم والآلية ذاتها تقريبًا، ما أدى فعليًا إلى عهد جديد بوجوه قديمة! 
في آذار 1990، أصدر المثقفون والثوار في مدينة تيميشوارا (مهد الثورة، تشبه رمزية درعا في سوريا) وثيقة عُرفت باسم “إعلان تيميشوارا”. تضمنت طلباً صريحاً بمنع أي مسؤول سابق في الحزب الشيوعي أو ضابط في جهاز “السيكوريتات” من الترشح لأي منصب سياسي لمدة 10 سنوات. لم يُسمع صوت الثوار، تم تجاهله تمامًا، بل إن جبهة الإنقاذ الوطني اعتبرته دعوة للإقصاء والفتنة! 
وبعد تسع سنوات، أي عام 1999، في سياق الانتخابات، وبسبب تعاظم الغضب ضد الفساد وارتباطه بالوجوه القديمة، أُسِّسَ “المجلس الوطني لدراسة أرشيف السيكوريتات”، لكن وظيفة هذا المجلس ليس العزل السياسي، وإنما كشف علاقة وجوه النظام القديم بالجهاز وفترة القمع، ومعرفة ما إذا كان المرشح لمنصب عام قد تعاون مع جهاز الأمن القمعي في عهد الدكتاتور المخلوع أم لا، وترك الخيار للناخبين، على الرغم من أن هذا لم يجعل المرشحين منهم يتراجعون في العموم، بل جعل  منهم في بعض الأحيان شخصيات أكثر وقاحة وجرأة ومراوغة في طرح أنفسهم لشغل مناصب عمومية.
أطلق الرومانيون على ظاهرة الوجوه القديمة المتحكمة في العهد الجديد وصف “الشيوعية الرأسمالية”، حيث استغل ضباط الأمن والمسؤولون السابقون علاقاتهم ومعلوماتهم للسيطرة على الشركات الحكومية أثناء خصخصتها، فتحولوا من “قادة حزبيين” إلى رجال أعمال أثرياء. وبطبيعة الحال، أعاق وجود هؤلاء وبقاؤهم في الدولة عملية الإصلاح العميقة، فبقيت العقلية البيروقراطية القديمة تحكم مؤسسات الدولة، وشبكات الفساد وآلياته ظلت نفسها وتكيفت مع الوضع الجديد، وأفسدت المنخرطين الجدد في العملية السياسية، وجعلتهم مجرد واجهة لتحسين سمعة الوجوه القديمة في الفترة الانتقالية الأولى. 
طبعًا إذا لم يطبق العزل السياسي، فمن باب أولى لم تطبق العدالة الانتقالية، وجرى اختزالها إلى محاكمات سريعة لعدد محدود من أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي وكبار جنرالات الجيش، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن، لكن الكثير منهم حصلوا على عفو صحي أو تم تخفيف أحكامهم لاحقاً. والأسوأ من قضية العزل السياسي في رومانيا هي إبقاء جهاز القمع السيكوريتات بدلاً من حله ومحاسبة ضباطه. تمت إعادة هيكلته، ودمج معظم كوادره في أجهزة المخابرات الجديدة.
درس رومانيا بسيط: أولاً دمج النظام السابق دون عزل سياسي منظم وعميق يؤدي إلى تحول الفساد إلى آفة مزمنة في مؤسسات الدولة، وإبطاء التحول السياسي، وإبقاء مكونات النظام القديم تفعل فعلها في العمق.
----------
الثورة

عبد الرحمن الحاج
الاثنين 6 أبريل 2026