تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى

07/05/2026 - عبد الرحمن الراشد

"الحزب" يرفض دخول تفاوض لن يُدعَى إليه

29/04/2026 - عبدالوهاب بدرخان

في التيه العلوي

27/04/2026 - حسام جزماتي

التفكير النقدي.. ببساطة

27/04/2026 - مؤيد اسكيف

لا تجعلوا إرث الأسد ذريعة

27/04/2026 - فراس علاوي

جبل الجليد السُّوري

17/04/2026 - موسى رحوم عبَّاس

مدرسة هارفارد في التفاوض

15/04/2026 - د. محمد النغيمش

علماؤنا سبب علمانيتنا

15/04/2026 - عدي شيخ صالح

أهم دلالات حرب البرهان – حميدتي

14/04/2026 - محمد المكي أحمد


عن الاعتذار المطلوب من العلويين فقط





تُوِّجت الموجة الطائفية الأخيرة بخطاب للشيخ علاء الدين السايق في جامع الإيمان، في دمشق يوم الأول من أيار، ثم تبعه في الثالث من الشهر ظهور مشارك في مجازر السويداء ضمن فعالية لإحياء ذكرى مجازر بانياس والبيضا، إلى جوار قياديين في السلطة.


 
للمشارك في مجازر السويداء فيديو شهير يتباهى فيه بقص شوارب الدروز، وما إلى ذلك من بذاءة طائفية صريحة وعلنية. أما السايق فيقول في خطبته حرفياً، وهو يشير إلى تسريبات خاصة بجرائم لأفراد في الطاقم الطبي لمستشفى تشرين العسكري أيام الأسد:
"أتدرون ما هو الإجرام أيها الإخوة الكرام، أتدرون ما هو؟ الإجرام ليس في هذه التسريبات وما صدر، الإجرام هو في السكوت المطبق ونحن نُدعى إلى التعايش السلمي، وذلك الهتاف الذي أراه أنا وأتحمل مسؤولية ما أقول من أقبح الهتافات؛ الشعب السوري واحد. مالنا واحد، لا ننسجم معكم ولا تنسجمون معنا، لسنا كهيئتكم لا في إنسانية ولا في دين، ولا في انتماء لوطن. لا تكذبوا علينا، تريدون اليوم إعادة تدوير أنفسكم والسلم الأهلي، وها هي جحوركم، حيث اختبأ ذلك العفن النجس... فماذا قلتم؟".
المقصود بذلك "العفن النجس" هو أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن الشهيرة، أما المقصودون بضمير الجمع المخاطب فهم العلويون، ولا يخفى أن الخطيب ينصّب نفسه ناطقاً باسم السُنّة عندما يستخدم ضمير الجمع المتكلم. وعلى بذاءة أقواله التي يمكن أن تضعه وراء القضبان لا أن يعتلي المنابر، لو أن هناك دولة قانون تلاحق العنصريين والطائفيين، فإن ما يقوله الشيخ هو غيض من فيض امتلأت به وسائل التواصل. وهو ينطق باسم كثر سارعوا إلى تجريم العلويين ومطالبتهم بالاعتذار، لمناسبة القبض على أمجد يوسف وتسريبات مستشفى تشرين، وكأنّ هذه الجرائم (المعروفة على نطاق واسع منذ سنوات) تُرتكب اليوم فتستثير حمية الرؤوس الساخنة.
لن نغوص في التكهنات التي تنص على أن إعادة نبش تسريبات المستشفى متعمّدة لاستثارة الغرائز الطائفية، ولا في تفنيد القبض على متهم معروف جداً في بيته، في الضيعة، ثم اعتبار أهالي الضيعة متسترين عليه، من دون التفات إلى "التقصير" الأمني الفادح الذي يجعله يختبئ في بيته مطمئناً! فرغم أهمية التدقيق في كل تفصيل مستجد على حدة، إلا أن التدقيق لن يصمد أمام الموجة الطائفية التي لا يبالي أصحابها إلا بما يساعدهم على أن يكونوا أشدّ مغالاة.
موسم الطائفية هذا ليس الأول، ولن يكون الأخير، والمسألة الطائفية ستُستحضر كلما كانت لازمة لفئة تريد الاستثمار فيها. هكذا كان الحال من قبل، وكذلك هو اليوم وفي الغد. ولعل أكبر استثمار للموضوع الطائفي بعد سقوط الأسد هو تبرؤ (وتبرئة) السُّنّة من الأسدية، فضلاً عن مجموعات أهلية أخرى تُستمال على أنها خارج (حلف الأقليات)، وهو تعبير طائفي آخر له أنصار متعصّبون. وفي كل مرة يُطلَب فيها من العلويين حصراً الاعتذارَ عن جرائم الأسد، فالمطلوب ضمناً إقرارٌ منهم بمسؤوليتهم الحصرية عن تلك الجرائم، وتبرئة باقي الجماعات الأهلية منها.
يُراد للعلويين (كمجموعة) أن يكونوا بمثابة القربان الذي يُساق إلى المذبح كلما استدعت الحاجة وجوده، حتى إذا كانت الحاجة متصلة بأزمة لا علاقة لها بجرائم الأسد. وفي الأيام الأخيرة أعرب كثر عن مخاوفهم من مجزرة جديدة يكون العلويون ضحيتها، خصوصاً أن أعمال القتل الطائفي لأفراد علويين مستمرة، وكذلك هو حال أعمال الخطف التي تستهدف نساء علويات. وفي الأيام الأخيرة أيضاً، في مثال على الأجواء المشحونة، توالت التهديدات على الأرض باقتحام أحياء ذات أغلبية علوية في بانياس، وقد تدخلت قوات لمنع المهاجمين من اقتحامها، لكن من دون القبض على أيّ منهم.
جدير بالذكر أن حي القصور المهدد بالاقتحام، شهد في آذار 2024 مجزرة كبرى، راح ضحيتها من الأبرياء ما يفوق عدد ضحايا مجزرة رأس النبع. وهذه المقارنة الدموية المشؤومة، ضمن مدينة واحدة صغيرة، كافية للإشارة إلى الاتجاه الذي يؤدي إليه الشحن الطائفي المتواصل، أو المتقطّع حسب الطلب. يُذكر أن السلطة الحالية اعترفت بمجازر الساحل، ثم بمجازر السويداء، إلا أنها لم تقدّم المثل، الذي يطالب به أنصارها الآخرين، بالاعتذار عمّا هي مسؤولة عنه بحكم موقعها، إن لم يكن بحكم مشاركتها.
يمكن لمن يشاء الاطلاع مثلاً على تقرير "لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية" التابعة للأمم المتحدة، بتاريخ 13 آذار الماضي. ونقتبس منه ما يشي بوجود سياسة عقاب جماعي، تنسجم مع التحريض المُشار إليه: "يوثّق تقرير اللجنة عمليات القتل خارج نطاق القضاء، والتعذيب وسوء المعاملة، والوفيات أثناء الاحتجاز، والاختفاء القسري، وعمليات الاختطاف، وانتهاكات حقوق السكن والأرض والملكية، التي تؤثر بشكل خاص على المجتمعات التي يُنظر إليها على أنها دعمت الحكومة السابقة".
وإذا عدنا إلى التقارير الأممية التي توالى صدورها بعد اندلاع الثورة، فمن المؤسف أن الانتهاكات خلال تلك السنوات لم تعد حكراً على الأسد، وهناك عشرات التقارير التي أوصت بمحاكمة مرتكبي الانتهاكات من "كافة الأطراف"، وهو تعبير تقني لا يعني المساواة بين الانتهاكات أو حجمها. إغفال الانتهاكات التي ارتكبتها فصائل صارت هي السلطة الآن يفتقر إلى النزاهة، ويكشف كم تفتقر إلى النزاهة محاولة تأثيم العلويين ومطالبتهم بالاعتذار. وإذا غضضنا النظر عن مشاركة كثير من العرب السًنّة في ماكينة الإجرام الأسدية، فإن الانتهاكات التي ارتكبتها الفصائل يُراد لها البقاء بلا محاسبة، والأنكى أنه يُراد لها البقاء بلا اعتراف، مع ما يعنيه الإنكار من امتهان لكرامات الضحايا وأوليائهم.
في المسألة الطائفية، يُفترض على الأقل لمن يجرّم مجموعة ويتهمها بالطائفية أن يكون متخلّصاً من هذا الداء، وأن يشجب الممارسات الطائفية جميعاً. نأتي هنا بمثال واضح الدلالة على تفشي الطائفية في الأوساط التي تحاول تجريم العلويين باتهامهم بها، من دون سائر السوريين. في بداية شهر أغسطس/آب 2016 انطلقت "غزوة إبراهيم اليوسف"، بهدف فك الحصار عن الأحياء التي كانت تسيطر عليها آنذاك فصائل معارضة في حلب، والسيطرة على المدينة إن أمكن، وقد استهلّت الفصائل المهاجمة عمليتها بالهجوم على مدرسة المدفعية. وقد ضمّت الفصائل المهاجِمة تحت مسمّى "جيش الفتح": "أحرار الشام"، و"جبهة النصرة"، و"جند الأقصى"، و"جيش السنة"، و"فيلق الشام"، و"لواء الحق"، و"أجناد الشام".
فضلاً عن القيمة الميدانية لمدرسة المدفعية، كان استهدافها أولاً مع تسمية "غزوة إبراهيم اليوسف" يحيلان إلى التغنّي بأول مجزرة طائفية تحدث في سوريا على هذا النحو منذ الاستقلال. ففي منتصف حزيران 1979 جمع النقيب في مدرسة المدفعية إبراهيم اليوسف، بالتنسيق مع رفاقه في تنظيم الطليعة المقاتلة، طلابَ الضباط في مطعم المدرسة، ثم جرى فرزهم على أساس طائفي واستُبقي العلويون منهم كي يلاقوا مصيرهم بين قتيل وجريح ضمن صالة مغلقة لا يستطيعون الفرار منها.
يمكن القول إن لمجزرة مدرسة المدفعية أثر تأسيسي، مثلما كان هناك أثر شبيه لمجزرة سجن تدمر التي نفذتها قوات سرايا التي كان يقودها رفعت الأسد، وأشرف صهره مباشرة على التنفيذ. وبعدهما أتت المجزرة الكبرى المعروفة في حماة، حيث قتلت قوات الأسد ما يقدّر بأكثر من ثلاثين ألفاً حسب تقرير للجنة السورية لحقوق الإنسان.
لو أن فصائل جيش الفتح اختارت مجزرة تدمر أو حماة عنواناً لهجومها عام 2016 لكان ذلك مفهوماً على سبيل الانتقام أو على سبيل تكريم الضحايا، أما اختيار اسم إبراهيم اليوسف فلا يشير سوى إلى الاتجاه الطائفي الذي اعتمدته فصائل جيش الفتح آنذاك، علماً أن هذه الفصائل وأنصارها تشكّل عصب الموالاة الحالي. والمثير للضحك سعي البعض لنفي الملمح الطائفي بنبش ماضٍ لبعض الطائفيين، على غرار نبش ماضي خطيب جامع الإيمان عندما كان يخطب أيام الأسد، والمضحك الدموي هنا أن الشيخ (الموالي على طول الخط) يستبطن الطائفية المطلوبة فيبالغ في إظهار ولائه عبر المبالغة في الطائفية.
نؤكد في السياق على وجود مقايضة دموية، فحواها عدم المضي في عدالة انتقالية تحاسب جميع المنتهكين بلا استثناء، ولترضية غرائز الناقمين تُجرَّم مجموعة بأكملها، أي بأبريائها قبل مُتَّهميها. العدالة الانتقالية الحقّة هي التي تقرر من المذنب، والذي ربما ينال تخفيفاً للعقوبة أو عفواً، فيما لو اعترف بجريمته واعتذر عنها. العدالة، ثم العدالة؛ لم يعد هذا مطلباً تقليدياً يهدف إلى محاكمة المجرمين وإنصاف الضحايا. لقد صار هذا المطلب يعني حرفياً حماية الضعفاء الأبرياء من القتل، بينما كبار المجرمين بين هارب ومتنعّم بالتفلّت من الاعتراف والاعتذار.
--------
المدن

عمر قدور
الخميس 7 مايو 2026