تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

لماذا يخافون الكواكبي؟

28/10/2026 - سلام كواكبي

قسد انتحرت: مَن خان مَن؟

26/10/2026 - بشير أمين

إلى الشيباني... حارتنا ضيقة

26/10/2026 - علي العبدالله

كيف نعيد بناء الطبقة السياسية؟

26/10/2026 - عبد الرحمن الحاج

نعم.. كانت ثورة

26/10/2026 - حسام جزماتي


الغارات الأردنية على جنوب سورية... صناعة القرار ومخاطر الفوضى الإقليمية





إظهار القوّة لا يعني امتلاكها، وامتلاكها لا يعني القدرة على استعمالها، واستعمالها لا يعني توظيفها في مكانها الصحيح. يُعبّر القرار العسكري عادة عن صلابة الدولة، وقوّة موقفها السياسي، إلا أنّه قد يتحوّل، في لحظات الاضطراب، إلى وسيلة للتعويض عن الشعور الطارئ بالعجز، وقد يصبح القرار الذي يُراد منه ترميم هيبة الدولة سبباً في إضعاف موقفها. ومن هنا لا تكمن خطورة بعض الأزمات في الأحداث التي أشعلتها وحدها، بل في الطريقة التي تستجيب بها الدول لتلك الأحداث، وفي المسافة التي تفصل بين وقوع الحدث وفهمه، وبين تقدير الموقف واتخاذ القرار المناسب له.


 
الغارات الأردنية التي استهدفت الأراضي السورية، وأوقعت ضحايا مدنيين أبرياء في الجنوب، تمثّل انتهاكًاً خطيراً للسيادة السورية، ومأساة إنسانية تستوجب المُساءلة، ولا يمكن أن تأخذ أي مشروعية من ربطها بالجريمة النكراء التي شهدتها كنيسة الكرك.. فدماء الأبرياء الأردنيين لا تمنح المشروعية لإراقة دماء الأبرياء السوريين. وعلى الضفة الأخرى، الانفعال في الردود والمواقف، وتحويل الحادثة إلى مواجهة سياسية وشعبوية مفتوحة، قد ينقلنا من خطأ أمني جسيم إلى أزمة استراتيجية تتجاوز حدود البلدين. ولهذا ينبغي ألا تتوقّف مقاربة الحدث عند إدانته، ولا أن تنشغل بتبرير ردّات الفعل عليه؛ بل أن تتجه إلى تفكيك الظروف التي أنتجته، وفحص المعلومات التي تأسّس عليها القرار، وفهم الضغوط التي أحاطت بصانعه، والبحث في احتمالات توظيفه إقليميّاً، فإدانة الفعل شيء مهم، لكن فهم أسبابه لا تقلّ أهمية عنه، وفهم أسبابه لا يعني تبريره، والتعامل معه برُشدٍ سياسيٍّ لا يعني التنازل عن الحقوق الناشئة عنه.
حين يتحوّل الضغط الداخلي إلى قرار خارجي
ثمّة منطقٌ مُتكرّر في سيكولوجيا القرار السياسي يمكن تسميته منطق الفعل التعويضي؛ وهو نمط من الاستجابة تنزع فيه بعض السلطات، تحت وطأة الصدمات الداخلية، إلى البحث عن فعلٍ خارجيٍّ سريع يُعيد هيبة الدولة، ويولّد لديها الشعور بالسيطرة، ويقدّم للرأي العام صورةً عن قدرة الدولة على ردع خصومها، فعندما تتعرّض دولةٌ ما لاعتداء أمني يمسّ نسيجها الاجتماعي، أو يضرب رموزاً ذات حساسية دينية أو وطنية، لا تواجه مؤسساتها تحدّياً أمنيّاً فحسب، بل تواجه اختباراً نفسيّاً وسياسيّاً يتعلّق بثقة المجتمع بها، وقدرتها على الدفاع عنه.
وفي هذه اللحظة تحديداً، تزداد المطالب الشعبية بالحسم، ويزداد ضغط الزمن على صانع القرار، وتضيق المسافة بين الحاجة إلى إظهار القوّة وضرورة التأكّد من صحّة التقارير والمعلومات. وهنا تنشأ إحدى أخطر التناقضات في صناعة القرار؛ فالدولة تكون أحوج ما تكون إلى الصبر والتروّي، وهي تشعر، في اللحظة نفسها، بأنّها لا تملك ما يكفي من الصبر والتروّي. وبين ضغط الزمن وضغط التحرّي قد تتسلّل إلى صانع القرار تقارير استخبارية ناقصة، أو تحليلات مُتعجّلة، أو معلومات مضلّلة. ولا يشترط أن يكون التضليل متعمّداً؛ فقد تنتج الأجهزة نفسها تقديراتٍ خاطئة عندما تتحوّل الفرضيات إلى قطعيات، وتخضع المعلومات لضغط استخراج نتائج محسومة مُسبقاً، بدلاً من أن تكون الاستنتاجات ثمرة تحليل واختبار المعلومات.
والأخطر أن تدرك أطراف أخرى هذه الحيثيات، فتسعى إلى استثمارها بتوجيه المعلومات، أو تضخيم التهديدات، أو صناعة ظروفٍ خاصةٍ تدفع الدولة إلى اتخاذ قراراتٍ تخدم مصالح تلك الأطراف. وعندئذ لا يكون الاختراق بالضرورة عسكريّاً أو أمنيّاً تقليديّاً، بل قد يكون اختراقاً فكريّاً ونفسيّاً يؤثّر في مسار تشكيل القناعات لدى صانع القرار. وفي التاريخ السياسي، أحداثٌ كثيرةٌ تؤيّد هذه الفكرة، وإن اختلفت طبيعتها وملابساتها، منها على سبيل المثال فضيحة لافون عام 1954 حيث نفّذت شبكة مرتبطة بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عملياتٍ تخريبيةً سرّية في مصر، استهدفت الإضرار بعلاقاتها مع القوى الغربية، وذلك في ذروة المفاوضات المصرية البريطانية حول الانسحاب من قناة السويس. وفي قصف السفارة الصينية في بلغراد عام 1999 كشفت التحقيقات الأميركية عن إخفاقاتٍ كبيرةٍ جدّاً في تحديد الهدف ومراجعته، من دون أن تثبت الرواية الرسمية وجود مؤامرةٍ داخليةٍ لتوجيه الضربة. والحالتان على اختلافهما، تكشفان عن مسارين ينبغي التمييز بينهما: التضليل المُتعمّد الذي تقوم به بعض الجهات، وفشل المؤسّسات في التحقّق من المعلومات. وكلا المسارين قادرٌ على إنتاج كارثة سياسية تتجاوز أهداف العملية العسكرية الأصلية.
تناقض في الرواية.. وأسئلةٌ لم تجد جواباً
تظهر في الحالة الأردنية مفارقة عجيبة يجب الوقوف عندها؛ فقد أعلن وزير الداخلية الأردني، مازن الفراية، عقب القبض على المُتهمين بالاعتداء على كنيسة الكرك، عدم توفّر مؤشّرات تؤكّد ارتباطهم بجهات خارجية في تلك المرحلة من التحقيق، ثم صدر البيان العسكري الأردني ليعلن استهداف تنظیماتٍ داخل الأراضي السورية، بدعوى ارتباطها بمنفذي الاعتداء، ثم ظهرت تدريجيّاً عدّة تناقضات في الرواية الرسمية الأردنية. وهذا يثير سؤالاً جوهريّاً عن مصدر المعلومات التي استندت إليها العملية، ودرجة موثوقيتها، وكيفية انتقالها من تقدير موقفٍ أمنيٍّ إلى قرار عسكري عابر للحدود.
وتدخل الرواية الأردنية في مأزق أكبر، عندما أعلن البيان العسكري الأردني أنّ الغارات نُفِّذت بالتنسيق مع الحكومة السورية، بينما أكّدت دمشق بصورة صريحة أنّه لم يتم التنسيق معها مُسبقاً. ولا يتعلّق هذا التناقض بتفصيل إجرائي ثانوي، بل يمسّ أحد الأسس التي يقوم عليها تقدير مشروعية العملية، وسلامة آليات اتخاذ القرار. فمن الذي قدّم المعلومات المُتعلّقة بالأهداف؟ وما الأدلة التي ربطتها بالجريمة التي في الكرك؟ وهل جرى التحقّق منها عبر مصادر مستقلة؟ ولماذا لم يتم مشاركتها مع الجهات السورية المُختصّة قبل تنفيذ الضربة؟ وكيف أدرج الحديث عن التنسيق في البيان الأردني بينما تنفيه الحكومة السورية؟ وهل نحن أمام إخفاقٍ في تبادل المعلومات، أم هناك خللٌ في سلسلة القرار ومنظومة الاتصال، أم هناك تضليلٌ يحتاج إلى تحقيق مستقل؟ لا تأتي هذه الأسئلة في سياق توجيه الاتهامات بقدر ما تأتي في سياق ضرورة إبراز الموقف من كلّ جوانبه. فبين المعلومات التي تبرّر القرار العسكري، والمعلومات التي تُصنع لتبريره سلفاً تكمن واحدة من أخطر مشكلات اتخاذ القرار في أوقات الأزمات.
من حادثة حدودية إلى حسابات إقليمية
قراءة ما جرى/ يجري في الجنوب السوري بمعزل عن التحولات الاستراتيجية التي يشهدها الإقليم تعدّ ناقصة؛ فسورية اليوم تقع في مركز إعادة تشكيل التوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة، ويشكّل استقرار علاقاتها مع الأردن أحد المرتكزات المُهمّة لهذا التحوّل، بالنظر إلى تداخل المصالح الحدودية والاقتصادية والأمنية، ووحدة التحدّيات المتعلّقة بمكافحة الإرهاب وتهريب المخدّرات. وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما يجري الخلط بينها: من تسبّب في الحدث، ومن دفع باتجاه القرار، ومن يستفيد من نتائجه.. فقد تتطابق الثلاثة وقد تختلف تماماً، وليس كلّ مستفيد من الحدث مسؤولاً عن صناعته، كما أنّ غياب الدليل المؤكّد على وجود طرف خارجي لا يعني عدم وجوده. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال السياسات الإسرائيلية في الجنوب السوري ومحاولات التأثير في بنيته الأمنية والاجتماعية، وإيجاد التوتّرات المحلية أو استثمارها لتعزيز ترتيباتٍ إقليمية تخدم المصالح الإسرائيلية. ومن هذه الزاوية، يمثّل إضعاف التقارب السوري الأردني، وتحويل الحدود المشتركة بين البلدين من مصدر استقرار إلى مصدر توتّر، نتيجة استراتيجية يمكن أن تستفيد منها إسرائيل. وهنا يمكن طرح فرضية الاستدراج أو التوظيف الاستخباريّ الإسرائيلي باعتبارها احتمالاً جديراً بالبحث، لا باعتبارها حقيقة نهائية ثابتة. ذلك أنّ تحويل هذه الفرضية إلى اتهام قطعي من دون أدلةٍ كافيةٍ قد يُعيد إنتاج الخلل المعرفي الذي نحاول تفسيره، ويوقعنا أسرى النتائج التي قد نرغب في الوصول إليها.
والأهم من معرفة المستفيد من الفوضى منعه من الاستفادة منها فعليّاً، وهذا ينقلنا من النظر في الفعل إلى النظر في ردّة الفعل، ومدى قدرتنا على التحكّم فيها، والانتقال بها من دائرة التوتّر إلى دائرة التروّي. فالأزمات الإقليمية تبدأ عادة من الفعل الأوّل، لكنها تتطوّر من خلال الفعل الثاني، وما يترتّب عليه من أفعال وردّات الفعل، والتي تنتج سلسلة من القرارات اللحظية الخاطئة. ومن ثم لا يتوقّف الخطر الحقيقي عند غارات الطائرات الأردنية في الجنوب السوري، بل يمتدّ إلى احتمال تحويلها إلى نقطة انكسار في العلاقات السورية الأردنية، وإعادة تعريف الحدود المشتركة بين البلدين باعتبارها ساحة اشتباكٍ بدلاً من أن تكون مجالاً للتعاون والاستقرار.
الموقف السوري.. من إدارة الأزمة إلى بناء ضمانات الاستقرار
جاء بيان وزارة الخارجية السورية مُحقّاً في مضمونه، رشيداً في أدواته، رشيقاً في عباراته، ما جعله أكثر قدرة على تحقيق غايات الموقف السوري بأقل قدرٍ مُمكن من التكاليف الاستراتيجية. وهنا يمكن تأطير مقتضيات المرحلة في خمس ركائز أساسية:
الأولى: صلابة الموقف السيادي للدولة السورية وعقلانية الاحتواء الدبلوماسي. ... ويظهر هذا جليّاً في الموقف الرسمي الصادر عن الخارجية السورية، حيث أصدرت بياناً متوازناً يجمع بين الهدوء والحزم، فوجّه استنكاراً شديد اللهجة، ورفض الفعل رفضاً قاطعاً. وفي الوقت نفسه، وصف الدولة الأردنية بالشقيقة، وجدّد التضامن مع حادثة الكرك التي أقحمت في سياق تبرير الغارات. وعكس البيان رغبة واضحة باحتواء الأزمة، واتجه مباشرة إلى حلّ إجرائي عملي عبر اقتراح تشكيل لجنة مشتركة. ويمثّل هذا الموقف الرشيد الاتجاه الرئيسي في إدارة الأزمة؛ فهو يعالج الحدث بين مستوى حماية الحق السيادي للدولة السورية، ومستوى منع الانزلاق إلى مواجهة سياسية مفتوحة مع دولة شقيقة. فالأردن، مهما بلغ حجم الخطأ الذي وقع فيه، يبقى دولة عربية شقيقة لسورية، تجمع السوريين بها مصالح تتجاوز أي حدث عارض مهما كان فادحاً. وليس من مصلحة سورية أو الأردن أن تتحوّل مساءلة قرار عسكري (لا يتضح بعد كيف جرى اتخاذه) إلى خصومة بين دولتين أو شعبين. على صعيد آخر، قد تكون الدبلوماسية الصلبة أكثر فاعلية حين تُحسن إدارة المشهد من خلال القنوات المباشرة خارج وسائل الإعلام، حيث تحدّد مطالبها بدقة، وتميّز بين ما ينبغي قوله للرأي العام وما ينبغي حسمه على طاولة النقاش، والغاية هنا ليست امتصاص الأزمة، بل منع اتساعها من دون التفريط بالحقوق، فالتسوية الجيدة لا تنقل الأزمة من الإعلام إلى الغرف المغلقة كي تتجاهلها، بل تنقلها كي تعالجها بأدوات عقلانية بعيداً عن الضغوط الشعبية..
الثانية: تحقيقات مؤسسية تكشف الحقيقة قبل أن تتحوّل الروايات إلى حقائق سياسية. أخطر ما يمكن أن يحدُث بعد هذه الغارات أن تستقر الروايات المتعارضة في المجال العام من دون أن تخضع لأي تقييم قانوني. لذلك ينبغي الانتقال من التوضيحات وتبادل التصريحات إلى مسار قانوني واضح، يحدّد الوقائع والمسؤوليات، ويفصل تماماً بين ما ثبت بالدليل القاطع وما بقي ضمن دائرة الاحتمال. وقد أعلنت السلطات السورية بدء التحقيقات، وهي خطوة ضرورية ينبغي استكمالها بتوثيق دقيق لمواقع الاستهداف، وطبيعة الأهداف، وهوية الضحايا، ونوعية الأضرار، والقرائن الفنية والميدانية التي يمكن أن تساعد في تقييم المشهد. وفي المقابل، ينبغي مطالبة الجانب الأردني بتقديم الأدلة التي اعتمد عليها في ربط المواقع المستهدفة باعتداء الكرك، وبيان طبيعة المعلومات الاستخبارية التي حصل عليها، وكيف جرى التحقّق منها، وتوضيح الأساس الذي استند إليه الإعلان عن وجود تنسيقٍ مُسبقٍ مع الحكومة السورية، مع أنّها نفت وجود أيّ تنسيق على نحو قاطع. وبناءً على هذا، ينبغي أن ينتهي المسار القانوني الإجرائي إلى نتائج قابلة للمراجعة، يتم إعلان ما يمكن إعلانه منها، من دون الإضرار بالتحقيقات الجارية، أو المصالح المشتركة بين البلدين. ولا يجوز أن يبدأ التحقيق من افتراض وجود اختراق استخباري، كما لا يجوز استبعاده مسبقا؛ فالمطلوب تتبع المعلومات الواردة من مصدرها الأول حتى لحظة إصدار الأوامر العسكرية، والتحقق من كل حلقة في سلسلة القرار.. فالحقيقة هنا لم تعد مجرّد معرفة نظرية يتم توثيقها بأدلتها، بل أصبحت شرطاً أساسيّاً لاستعادة الثقة، وتحديد المسؤولية، ومنع تكرار الكارثة.
الثالثة: المُساءلة وجبر الضرر تحويل الحقّ الأخلاقي إلى حق قانوني. الحفاظ على العلاقات السورية الأردنية لا يقتضي تجاوز المسؤولية عن الفعل، أو تجاهل آثاره، بل إنّ معالجة هذه المسؤولية هي أحد الشروط الضرورية لإعادة بناء الثقة بين البلدين. فثمّة فرقٌ جوهريٌّ بين تسوية الأزمة سياسيًاً وتسوية آثارها المادية والإنسانية والقانونية؛ فقد تنتهي الأزمة بين الحكومتين باعتذار، بينما تبقى آثارها مفتوحة في حياة المجتمعات والأسر التي تعرّضت للانتهاك. ولهذا ينبغي أن يتضمّن المسار الدبلوماسي السوري مطالبة واضحة بتحمّل المسؤولية عن الأضرار التي تُثبتها التحقيقات، وباعتذار رسمي مناسب عن الحدث، وتقديم تعويضاتٍ عادلةٍ لذوي القتلى والمصابين، ومعالجة الخسائر المادية وما ترتب على الحادثة من أضرار مادّية وإنسانية ومعيشية.
الرابعة: تحصين منظومة التنسيق الأمني ومنع تكرار القرارات الأحادية. إذا كانت الغارات قد كشفت عن خلل في التنسيق الأمني بين البلدين، فإنّ معالجة نتائج الكارثة من دون إصلاح هذا الخلل تعني الإبقاء على الأسباب التي تسمح بتكرارها في أيّ لحظة. ولذلك ينبغي الانتقال من التنسيق الأمني بوصفه ممارسة ظرفية إلى منظومة مؤسّسية ملزمة واضحة الاختصاصات، ومحدّدة الإجراءات والمسؤوليات. ويتطلّب هذا تفعيل آليات التعاون الأمني القائمة وتطويرها، وإنشاء قنوات اتصالٍ مباشرةٍ ودائمةٍ بين الجهات المختصّة، ووضع بروتوكولات واضحة لتبادل المعلومات المتعلّقة بالتهديدات العابرة للحدود، وآليات مشتركة للتحقّق من الأهداف، وتحديد إجراءات التعامل مع التهديدات العاجلة قبل تحوّلها إلى عمليات عسكرية أحادية. ومن الضروري كذلك الاتفاق على آلياتٍ فوريةٍ لاحتواء الحوادث الحدودية، وقنواتٍ لتصحيح المعلومات الخاطئة قبل انتقالها إلى مستوى القرار السياسي والعسكري، وضمان عدم الاستناد إلى معلومات غير مؤكّدة في تنفيذ عملياتٍ يمكن أن تعرض المدنيين للخطر، أو تنتهك سيادة أي من البلدين.
من هنا تبرز حاجة أكبر إلى حماية القرار الأمني نفسه من الضغوط السياسية والنفسية، بالفصل بين مستوى جمع المعلومات وتحليلها واعتمادها ومستوى مراجعة مؤسّسات مستقلة عن المستوى الأول القرارات، ما يحد من احتمالات الخطأ أو التضليل أو التأثّر بالانفعالات النفسية. ويمكن أن تتحوّل هذه الأزمة، إذا أحسنت الدولتان إدارتها، إلى فرصةٍ لإعادة تأسيس منظومة مشتركة أكثر تقدّمًاً في التعاون الحدودي، تتجاوز مكافحة الإرهاب والتهريب إلى بناء ثقة أمنية مستدامة، تجعل من أمن سورية والأردن مجالاً لبناء المصالح المشتركة لا مجالاً للتنافس على إظهار القوة.
الخامسة: حماية العمق الاستراتيجي وإدارة الوعي العام. ... إحدى أخطر نتائج الأزمات بين الدول المُتجاورة، خصوصاً التي تربطها صلات القرابة والنسب، أنّها قد تنتقل من مستوى الفعل السياسي إلى مستوى الفعل الشعبي، فتتحوّل حادثة أمنية من مجرّد حادثة عابرة إلى ركيزة لإصدار أحكام أخلاقية عامة، ومن ثم تصبح معالجة العلاقات بين الحكومات أكثر صعوبة وتعقيداً؛ لأنّها أصبحت أمام تحدّيات اجتماعية تقاوم أيّ فرضيةٍ لا تستجيب للرأي العام. ولهذا تتجاوز صيانة العلاقة السورية الأردنية المسؤولية الرسمية التي تقوم بها الدبلوماسية السورية إلى المسؤولية الشعبية التي تقع على عاتق النخب الثقافية والاجتماعية وقادة الرأي العام. وينطبق الكلام نفسه على الدبلوماسية الأردنية وقادة الرأي العام في الأردن. وهذا لا يعني تحييد الشعوب ومنعها من معرفة الحقيقة، أو مطالبتها بالصمت إزاء سقوط الضحايا؛ بل يعني صياغة خطابٍ وطنيٍّ مُتوازن يجمع بين الإدانة الواضحة للاعتداء والتمسّك الكامل بالحقوق، ورفض الخطابات الشعبوية القائمة على التعميم والتحريض. كما ينبغي العمل على تحصين مسار التقارب السوري الأردني، وعدم السماح لهذه الحادثة بإهدار ما تمّ إنجازه من تفاهماتٍ أمنية وسياسية واقتصادية، فتعليق بعض أوجه التعاون (كإيقاف حركة العبور مثلاً) لأسباب تتعلّق بالسلامة إجراء ظرفي جيد في اللحظة الراهنة، ولا ينبغي، تحت أيّ ظرف كان، أن يتحوّل إلى قطيعة سياسة تزيد من خسائر البلدين، وتضعف استقرارهما معًاً. وفي هذا السياق، يصبح من المهم أيضاً إخراج العلاقات الثنائية من دائرة المعالجات الأمنية إلى دوائر أوسع، تتكامل فيها المصالح الاقتصادية والتنموية والاجتماعية مع المصالح الأمنية، بحيث تصبح هذه الدوائر ركائز أساسية تتمحور من خلالها العلاقات بين البلدين.
حتى نمنع الخطأ من إنتاج خطأ أكبر
ليست مأساة الجنوب السوري مجرّد حادثة عسكرية ينبغي إدانتها ثم تجاوزها، بل هي اختبار لطريقة إدارة الأزمات في مرحلة إقليمية تتسم بالهشاشة والتداخل الشديد بين المصالح والتهديدات لدى كل الأطراف. وإذا كانت الغارات الأردنية تستوجب مساءلة جادّة عن أسبابها ونتائجها ومسؤولياتها، فإنّها تستوجب، في الوقت نفسه، وعياً سياسيّاً يحول دون انتقال آثارها من الجغرافيا التي استهدفتها إلى العلاقات التي تربط بين البلدين. ومن هنا، لا ينبغي أن نعقد مقارنة تفاضلية بين السيادة السورية والعلاقات الأردنية، أو بين حقوق الضحايا وصناعة الاستقرار؛ لأنّ هذه المفاضلة نفسها تدفع العلاقات بين البلدين إلى المكان الخطأ الذي يستفيد منه خصومهما. ولعلّ أهم ما في بيان وزارة الخارجية السورية أنّه استوعب هذه الاعتبارات جميعاً، وتجاوز هذه المفاضلة من أساسها، من خلال الاتزان السياسي الذي اتسم به، فثمّة فرقٌ بين أن تنتصر في السجالات الإعلامية، أو أن تنتصر في إدارة الأزمات السياسية.. ولسنا في وارد إصدار سلسلة من البيانات الحادّة لإثبات من هو الأشد غضباً؛ بل على العكس تماماً، لقد أثبت السوريون منذ 8 ديسمبر (2024) أنهم الأكثر هدوءاً واتزاناً في المواقف والأفعال، ومن أنهى أكبر كارثة في الإقليم لن يكون سبباً في إنتاج أصغر كارثة فيه. والمعادلة في الموقف السوري واضحة للغاية: الحفاظ على السيادة السورية أولاً، والحفاظ على العلاقات بين البلدين أولاً أيضًا؛ ولا تعارض بينهما حتى نضطر لتقديم أحدهما على الآخر، ثم يأتي البحث عن الحقيقة من دون مصادرة نتائجها قبل صدورها، والمطالبة بتحمّل المسؤوليات القانونية والأخلاقية والإنسانية والمادية المترتّبة على الحدث، واتخاذ ما يلزم من إجراءاتٍ وضماناتٍ تحول دون تكرار ما جرى. فالأزمات لا تتحدّد خطورتها بالفعل الذي أنتجها، إنما بردّات الفعل الناتجة عن طريقة التعامل معها؛ فقد يتحوّل الخطأ الأول إلى سلسلة من الأخطاء المُتتابعة إذا فقدت الاستجابة إليه الحكمة وحسن التقدير. وهنا قد تصبح إدارة الأزمة أهم من الأزمة نفسها، ولا يعني هذا التقليل من شأن الأزمة، إنما يعني أن ما بعدها قد يكون أشد خطراً منها
-------------
العربي الجديد
 

ماهر علوش
الخميس 29 أكتوبر 2026