المبعوثون الدوليون إلى سوريا.. إخفاقات متتالية في البحث عن تسوية سياسية








انتهت مهام كل المبعوثين العرب والدوليين السابقين إلى سوريا بالاستقالة من مناصبهم، ولم يستطع حتى الآن المبعوث الدولي الحالي، غير بيدرسون، تحقيق اختراق يذكر في مهمته التي بدأت في كانون الثاني/يناير 2019، خلفاً للمبعوث السابق ستيفان دي مستورا.

وحملت الاستقالات في طياتها ما هو أبعد من فشل المبعوثين في مهام الوساطة التي كلفوا بها لحل الأزمة السورية، حيث دلّت الوقائع على أن المجتمع الدولي، ممثلاً بمجلس الأمن، لم يقدِّم الدعم المطلوب للمبعوثين، جراء الانقسامات الحادة التي شابت مواقفه تجاه الأزمة السورية، وأشدها تأثيراً وقوف روسيا والصين إلى جانب نظام حكم بشار الأسد. ولم يكن وضع جامعة الدول العربية أفضل حالاً.


وأشارت تلك المواقف المتناقضة، والانقسامات الدولية والعربية، إلى انسداد أفق التسوية السياسية مبكراً، ودوران جهود المبعوثين إلى سوريا في حلقة مفرغة بانتظار جولات عنف أكثر دموية.

وكان السؤال الذي يطرح نفسه بقوة كل مرّة عند تولي مبعوث جديد للأمم المتحدة إلى سوريا متى سيعلن فشله ويستقيل؟ ليس تشكيكاً بقدرات المبعوثين، بل انطلاقاً من قراءة الواقع الذي سوف يواجهونه. وللإنصاف كان من بين المبعوثين الدوليين مبعوثان يشهد لهما بالخبرة والمثابرة والنزاهة والمصداقية، هما الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان، ووزير الخارجية الجزائري الأسبق الأخضر الإبراهيمي. وليس من قبل المصادفة أنهما اتفقاً على وصف مهمتها بأنها كانت مستحيلة.

الجامعة العربية.. فشل منذ المحاولة الأولى

بداية رحلة الأزمة السورية مع المبعوثين بدأت بتعيين الجامعة العربية الفريق محمد أحمد مصطفى الدابي (ضابط سوداني) رئيساً لبعثة المراقبين العرب في سوريا، في كانون الأول/ديسمبر 2011، وكلّفت اللجنة بوقف عمليات القمع التي يقوم بها النظام ضد المتظاهرين، وسحب الآليات والمظاهر العسكرية من المدن، والإفراج عن المعتقلين بسبب الأحداث الراهنة، والسماح لأجهزة الإعلام بالدخول ورصد الواقع، وفقاً للبروتوكول النظام لعمل البعثة.

ومنذ بداية تكليفه بالمهمة ارتفعت أصوات تستنكر تعيينه على رأس بعثة المراقبين، لكونه كان من المقربين للرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير، المتهم بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور. واستقال الفريق الدابي بعد ما يقارب 3أشهر فقط من توليه المهمة، تعرض خلالها هو وفريقه لانتقادات حادة، من اتجاهات مختلفة، حول الأداء والتقرير الذي قدمه للجامعة العربية.

الفريق الدابي نفسه انتقد البعثة، حين نقل عن مراسلات سرية له قوله "إن بعض المراقبين في البعثة كانوا في زيارة استجمام، وكثيرين منهم غير مؤهلين للمهمة". بعض التقارير الصحفية أكدت، وبصرف النظر عن الملاحظات التي سيقت على عمل البعثة، أن وجود المراقبين شجع نسبياً المدنيين السوريين على الخروج بمظاهرات معارضة لنظام الحكم.

إلا أن التقييم العام لأداء الفريق الدابي وأعضاء البعثة كان يميل إلى السلبية، وبرزت اعتراضات كثيرة على التقرير الذي قدمه لمجلس الجامعة العربية، وادعى فيه أن النظام قلَّل كثيراً من استهداف وقمع المظاهرات المعارضة له. وتجاهل التقرير القمع الدموي الذي تعرض له المتظاهرون خلال فترة عمل البعثة، مدعياً أن "مهمة البعثة التحقق وليس التحقيق في مدى التزام الحكومة السورية ببنود بروتوكول عمل البعثة".

ومع استقالة الفريق مصطفى الدابي، في شباط/فبراير 2012، دخلت معالجات الأزمة السورية مرحلة جديدة، باستعانة جامعة الدول العربية بالأمم المتحدة، أو بمعنى آخر تحويل الملف للأمم المتحدة عملياً، رغم توصية الفريق الدابي في تقريره بإبقاء الحل ضمن الدائرة العربية وعدم تدويل الأزمة.

كوفي عنان والبحث عن حل يقوده السوريون أنفسهم
عينت الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية الأمين العام السابق للمنظمة الدولية كوفي عنان، في 12شباط/ فبراير، مبعوثاً دولياً وعربياً إلى سوريا، وأثار ذلك تفاؤلاً كبيراً بإمكانية حدوث اختراق في جدار الأزمة، ووضع أسس لتسوية سياسية يتوافق عليها أبناء الشعب السوري.

عنان أطلق شعار "حل يقوده السوريون"، إدراكاً منه أن الأزمة السورية تغذيها التدخلات الخارجية، سواء لجهة دعم النظام من قبل روسيا والصين ودول أخرى تسير في ركبهما، أو لجهة محاولة دول أخرى السيطرة على قرار المعارضة.

ويسجل لكوفي عنان أنه عمل بدأب واجتهاد خلال فترة توليه لمهمته، التي امتدت سبعة شهور فقط، واستطاع خلالها أن يخلق أكثر من فرصة للتسوية، اصطدمت كلها بخذلان المجتمع الدولي، وعدم جديته بالتعاطي مع الأزمة السورية، وسياسة التعطيل التي مارستها روسيا ومن خلفها الصين.

أول تلك الفرص اقتراح عنان ورقة من 6نقاط، في نيسان/ أبريل 2012، والنقاط باختصار هي: الالتزام بالتعاون مع المبعوث الدولي في عملية سياسية تشمل كل الأطياف السورية. وقف أعمال العنف. ضمان تقديم المساعدات الإنسانية في الوقت الملائم لكل المناطق المتضررة في القتال. تكثيف وتيرة الإفراج عن معتقلين. ضمان حرية حركة الصحفيين في البلاد. احترام حرية التجمع والتظاهر السلمي.

ولم يتوقف عنان عن المحاولة مجدداً، رغم تصاعد العنف من قبل النظام وحلفائه، وتكثيف روسيا لمناوراتها الدبلوماسية لإجهاض فرص إيجاد تسوية سياسية للأزمة. جهود عنان أثمرت عن عقد مؤتمر في جنيف، بتاريخ 30حزيران/يونيو 2012، شاركت فيه "مجموعة العمل من أجل سوريا"، وصدر عن المؤتمر إعلان مبادئ، اصطلح على تسميته بـ(بيان جنيف1).

أهم النقاط في البيان: إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تهيئ بيئة محايدة تتحرك من خلالها العملية الانتقالية، وأن تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية. التزام جميع الأطراف بوقف دائم للعنف بكل أشكاله. إفراج النظام عن المعتقلين. احترام حرية التظاهر السلمي.. الخ.

ولفت عنان في مؤتمره الصحفي إلى أن مجلس الأمن الدولي يمكنه أن يصدر قراراً وفقاً للبند السابع، وأردف قائلاً :"ترك الأمر للسوريين ليس سهلاً"، ومن الواضح أنها دعوة لتدخل مجلس الأمن بشكل حازم. غير أن الروس ظلوا يلعبون على وتر تفسيرات خاصة لمقولة "حل يقوده السوريون"لإفراغ أهم قرارات مؤتمر "جنيف1"من مضمونها، وخاصة ما يتعلق بإقامة هيئة حكم انتقالية، وحسب تفسير موسكو يجب أن يقود بشار الأسد المرحلة الانتقالية.

استقال عنان من مهمته في آب/ أغسطس 2012، خشية أن يصبح كبش فداء صراعات القوى الدولية والإقليمية. وحملَّ عنان المجتمع الدولي مسؤولية عسكرة الصراع، ونقص الإرادة في التوصل إلى حل سياسي. وكتب في مذكراته: "بشار الأسد يرغب في استخدام كافة الوسائل من أجل الاحتفاظ بالسلطة".

الأخضر الإبراهيمي ومتاهة تفسيرات بيان "جنيف1"
سمي وزير الخارجية الجزائري الأسبق الأخضر الإبراهيمي خلفاً لكوفي عنان، كمبعوث دولي وعربي مشترك إلى سورية في آب/أغسطس 2012، وحاول أن يقلل من التشاؤم باعتباره أن مهمته "شبه مستحيلة"وليس "مستحيلة"كما قال سلفه عنان.

الإبراهيمي أكد أنه سينطلق في مهمته من النقطة التي انتهى إليها عنان، في المبادرة التي أصبحت أساساً لـ"جنيف1"، وكان يحدوه الأمل في أن ينجح بتحقيق اختراق جدي على الأرض، فشل في تحقيقه صاحب المبادرة كوفي عنان، لكن حسابات الإبراهيمي التي زرعها في حقل مهمته لم تعط غلالاً في البيدر، وذلك لا يعني أنه هو من يتحمل مسؤولية الفشل نتيجة طريقته في أداء مهمته.

أول فشل واجهه الإبراهيمي انهيار الهدنة التي أعلن عنها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، بعد جهود مضنية وحثيثة. وشكّل فشل تنفيذ مخرجات مؤتمر"جنيف2"، عقد في 22 كانون الثاني/يناير 2014، ضربة قاتلة لمهمة الإبراهيمي الذي لم يستطع تجاوز العقبات التي وضعها النظام وحلفائه الروس، بإثارة الخلافات ذاتها التي رفعوها بوجه كوفي عنان بعد "جنيف1"حول مفهوم الهيئة الانتقالية ودورها ومهامهما وحدود صلاحياتها، ودور بشار الأسد شخصياً في المرحلة القادمة. واستطاع الروس والنظام إغراق المباحثات اللاحقة بالتفاصيل، مع رفض أي جداول زمنية لما يجري الاتفاق عليه، فقرر الإبراهيمي الاستقالة في أيار/مايو 2014.

ومثلما لم يفاجئ عنان أحداً باستقالته بعد فشل تطبيق قرارات "جنيف1"، كانت استقالة الإبراهيمي متوقعة على نطاق واسع، وكان السؤال بعد فشل مؤتمر "جنيف 2": متى سيستقيل الدبلوماسي المخضرم؟ إذ باتت فرص نجاحه معدومة في ظل المعادلة الصفرية التي تعاطت من خلالها الأطراف المباشرة في الصراع المسلح، وفشل المجتمع الدولي في بلورة تفاهمات حول كيفية دعم التسوية السياسية للأزمة الدامية، تكون لها أجندة ورزنامة زمنية واضحة ومحددة، تبدأ بوقف العنف واعتماد الخيار الدبلوماسي كمخرج وحيد وممكن لتسوية الصراع.

ستيفان دي مستورا وتغيير جدول أولويات
وافق مجلس الأمن الدولي على تعيين ستيفان دي مستورا في تموز/ يوليو 2014، بينما كان المجتمع الدولي يغير أولوياته بالنسبة لملفات الأزمة السورية، بعد ظهور تنظيم (داعش) في العراق وتمدده داخل سوريا. ووقعت الكثير من الانقلابات في التحالفات بين القوى الدولية والإقليمية المؤثرة، ناهيك عن الانقسامات في مكونات المعارضة السياسية والفصائل المسلحة.

روسيا استغلت الخلافات بين الولايات المتحدة الأميركية وتركيا حول ملف "وحدات حماية الشعب"الكردية شرق الفرات، فنشأ تنسيق متقدم بين موسكو وأنقرة وطهران، استند عليه الكرملين لإطلاق مساري "أستانة"و"سوتشي"، كبديل عن مسار جنيف.

ونفذَّت روسيا مخططها بإغراق المباحثات التي عمل عليها دي مستورا بالتفاصيل، جنباً إلى جنب مع تكثيف العمليات العسكرية بمشاركة روسيا والنظام والميليشيات الإيرانية. حتى انتهى الحال بالمبعوث الدولي دي مستورا إلى وصفه من قبل كثير من المحللين بأنه أصبح غطاء للسياسات الروسية، وبأنه كان يحابي النظام.

قدم ديمستورا استقالته في تشرين الأول/أكتوبر 2018 ليخلفه الدبلوماسي النرويجي غير بيدرسون.

المبعوث غير بيدرسون ميراث ثقيل
باشر غير بيدرسون مهمته في كانون الثاني يناير 2019، ولم يستطع أن يفعل شيئاً حتى الآن سوى إطلاق مناشدات متلاحقة من أجل وقف معاناة الشعب السوري، وضرورة البحث عن حل سياسي للأزمة في سوريا. وتبدو مهمة بيدرسون أصعب كثيراً ممن سبقوه، فقد ورث إملاءات مسار "أستانا"، ومتاهة تشكيل لجنة لصياغة دستور جديد وفقاً للقرار (2254)، وتجاهل روسيا والنظام لباقي بنود القرار المذكور التي نصت على وقف إطلاق النار، وتحقيق انتقال سياسي عملاً بـ"بيان جنيف1".

وحتى لا يتكرر مع بيدرسون ما حدث مع عنان والإبراهيمي ودي مستورا يجب أن يقتنع الجميع، قولاً وعملاً، بأنه لا يمكن حل الأزمة عسكرياً، وأن أي حل سياسي يجب أن ينطلق من احترام روح بنود "جنيف1"وآليات "جنيف2"، ضمن سقف زمني محدد وملزم، وبما يحقق مصالح كل أبناء الشعب السوري، بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، وهذا كله رهن برحيل نظام بشار الأسد.


بروكار برس - خاص
السبت 21 مارس 2020