تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

المتسابق الأخير

31/07/2026 - رضوان الأطرش

مذكرة سوء التفاهم

13/07/2026 - غسان شربل

ماذا يجري بين واشنطن وطهران .؟

12/07/2026 - بسام بربندي

لماذا تفشل الدولة؟

12/07/2026 - أحمد عيشة

من يقف وراء تفجير دمشق؟

07/07/2026 - بكر صدقي

مجلس الشعب المؤجل والمهان

07/07/2026 - أحمد أبا زيد

الحرب مستمرّة من مضيق هرمز إلى لبنان

06/07/2026 - عبدالوهاب بدرخان

*ثقافة الخضوع*

06/07/2026 - سلام كواكبي


المتسابق الأخير






أثار وصف أحمد الشرع بأنه "قائد الثورة السورية" جدلاً واسعاً داخل الأوساط الثورية، ولم يكن هذا الجدل مجرد خلاف على لقب أو عبارة عابرة، بل كان خلافاً أعمق يتعلق بمن يملك حق كتابة تاريخ الثورة، ومن يحق له أن يتصدر صورتها، وهل يجوز اختزال مسيرة شعب امتدت أكثر من عقد في شخص واحد ظهر في مقدمة المشهد عند لحظة النهاية؟


 يمكن تشبيه مسار الثورة السورية بسباق جري التتابع؛ سباق لا ينتصر فيه المتسابق الأخير وحده، بل ينتصر الفريق كله. يبدأ الأول حاملاً الراية، ويقطع جزءاً من الطريق، ثم يسلّمها إلى زميله، وهكذا تتكامل الجهود حتى يصل آخر المتسابقين إلى خط النهاية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يُنسب الفوز كله إلى المتسابق الأخير، ويُطلب من الآخرين أن يكتفوا بالتصفيق.

صحيح أن المتسابق الأخير يمتلك عادة صفات متميزة عن أقرانه؛ فهو يحتاج إلى سرعة، وقدرة عالية على التحمل، وذكاء في إدارة اللحظة، وتكتيك ناجح في تجاوز المنافسين والوصول إلى خط النهاية. وقد يكون الأقدر على استثمار ما أنجزه من سبقوه، وربما يكون صاحب الدور الحاسم في تحويل الجهد المتراكم إلى انتصار واضح.

لكن كل ذلك لا يجعل السباق يبدأ عند لحظة تسلّمه الراية.

ولو لم يكن هناك من بدأ السباق، ومن حمل الراية في أصعب الظروف، ومن حافظ عليها رغم القتل والاعتقال والتهجير والحصار، لما وجد المتسابق الأخير راية يتسلّمها، ولا طريقاً يركض فيه..

فالمتسابق الأخير لم يخلق المضمار، ولم يصنع الراية، ولم يقطع المراحل السابقة وحده، ولم يتحمل وحده الخسائر التي سبقت وصوله، ولو لم يكن هناك من بدأ السباق، ومن حمل الراية في أصعب الظروف، ومن حافظ عليها رغم القتل والاعتقال والتهجير والحصار، لما وجد المتسابق الأخير راية يتسلّمها، ولا طريقاً يركض فيه، ولا لحظة تاريخية يستطيع أن يعبر فيها خط النهاية.

الثورة السورية لم تبدأ مع أي فصيل، ولم تكن مشروعاً خاصاً بأي قائد، ولم تُكتب بقرار عسكري أو سياسي واحد. بدأت من الشوارع والساحات، من أصوات السوريين الذين خرجوا مطالبين بالحرية والكرامة والعدالة. ثم حمل أعباءها المتظاهرون والناشطون والمنشقون والمقاتلون، ودفع ثمنها الشهداء والمعتقلون والمغيّبون والمهجّرون، وصمد من بقي في المدن والبلدات تحت القصف والحصار.

هؤلاء لم يكونوا جمهوراً ينتظر وصول البطل الأخير، بل كانوا أصحاب السباق الحقيقيين.

إن الاعتراف بالدور الذي أدّاه أحمد الشرع في المرحلة الأخيرة، وبقدرته على إدارة التحولات العسكرية والسياسية التي قادت إلى سقوط النظام، هو أمر يمكن مناقشته وتقييمه ضمن سياقه. لكن تحويل هذا الدور إلى رواية تقول إن الثورة كانت تبحث منذ بدايتها عن قائد واحد حتى ظهر في نهايتها، هو اختزال قاسٍ لتاريخ شعب، ومصادرة لتضحيات لا يمكن حصرها في اسم أو صورة أو خطاب.

هناك فرق كبير بين القول إن أحمد الشرع قاد المرحلة الأخيرة من مسار الثورة، وبين القول إنه "قائد الثورة السورية" بكل مراحلها وتياراتها ورموزها وتضحياتها.

العبارة الأولى توصيف سياسي قابل للنقاش، أما الثانية فهي حكم تاريخي واسع، وقد تحمل في داخلها محاولة لإعادة ترتيب الذاكرة السورية وفق صورة المنتصر في اللحظة الأخيرة.

وهنا يجب أن نتذكر أن التاريخ كثيراً ما ينحاز إلى من يملك السلطة، وإلى من يقف أمام الكاميرات عند إعلان النصر، وإلى من يضع اسمه على الوثائق والخطب. لكن التاريخ العادل لا يُكتب فقط من شرفة القصر، ولا من منصة الاحتفال، بل يُكتب أيضاً من الزنازين والمقابر والمخيمات والقرى المدمرة، ومن أسماء أولئك الذين رحلوا قبل أن يروا ما آلت إليه ثورتهم.

ليس من العدل أن يصبح من وصل إلى النهاية مالكاً وحيداً لكل الطريق.

وليس من الإنصاف أن يُطلب من آلاف الثوار والناشطين والمنشقين وأسر الشهداء أن يقبلوا برواية تمحو أدوارهم، أو تجعلهم مجرد مقدمة لظهور المتسابق الأخير. فالثورة لم تكن مسرحاً ينتظر بطله، بل كانت حركة شعبية واسعة شارك فيها السوريون بطرق مختلفة، واختلفوا في رؤاهم وخياراتهم، لكنهم التقوا في لحظة تاريخية على رفض الاستبداد والمطالبة بالحرية.

قد يكون أحمد الشرع المتسابق الأخير، وقد يكون امتلك من السرعة والتحمل والقدرة على إدارة اللحظة ما جعله يعبر خط النهاية، لكن المتسابق الأخير لا يملك حق احتكار اللقب، ولا يحق لأحد أن يمنحه وحده جائزة الفريق.

فالراية لم تبدأ بين يديه، ولم تكن ملكاً له، ولن تكون ملكاً لأي شخص بعده.

كان الله في عون المؤرخين الذين سيكتبون تاريخ الثورة السورية؛ فهم سيقفون أمام آلاف الروايات، وملايين التفاصيل، وتضحيات لا يمكن اختزالها، وصراعات ستستمر حتى بعد انتهاء المعارك..

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الانتصار هو أن تتحول الثورة من ملكية شعبية إلى رواية رسمية، ومن تاريخ متعدد الأصوات إلى سيرة فرد واحد. وعندما تبدأ كتابة التاريخ من لحظة وصول المتسابق الأخير، فإن كل من سبقوه يصبحون مجرد هوامش، وكل من ضحّى يصبح رقماً في مقدمة قصة لم يكتبها.

ولهذا فإن النقاش حول لقب "قائد الثورة" ليس ترفاً لغوياً، ولا خلافاً شخصياً، بل هو دفاع عن ذاكرة الثورة، وعن حق السوريين جميعاً في أن يروا أنفسهم في تاريخها.

وأخيراً، كان الله في عون المؤرخين الذين سيكتبون تاريخ الثورة السورية؛ فهم سيقفون أمام آلاف الروايات، وملايين التفاصيل، وتضحيات لا يمكن اختزالها، وصراعات ستستمر حتى بعد انتهاء المعارك، ولن يسلموا من النقد مهما بذلوا من جهد، لأن كل طرف يريد أن يرى صورته في الصفحة الأولى، وكل طرف يخشى أن يُدفع إلى الهامش.

لكن مهمة المؤرخ ليست إرضاء المنتصر، ولا إرضاء المعارض، ولا توزيع الألقاب وفق موازين القوة، بل البحث عن الحقيقة، ووضع كل شخص في مكانه، وكل مرحلة في سياقها، وكل تضحية في موقعها المستحق.

ففي سباق التتابع، قد يعبر المتسابق الأخير خط النهاية، وقد تلتقطه الكاميرات وحده، وقد يهتف الجمهور باسمه… لكن الفريق كله هو من فاز، ومن يكتب التاريخ بغير ذلك، لا يروي قصة الثورة، بل يكتب رواية المنتصر وحده.
--------
تلفزيون سوريا


رضوان الأطرش
الجمعة 31 يوليو 2026