بعد سقوط الأسد، بدأ الفاعلون في القطاع الثقافي بالتفكير في مواكبة هذا التغيير، والاستفادة من هذا الحدث التاريخي لمحاولة تغيير البنية التي كانت تتحكم بهذا القطاع، والتفاوض مع الشروط الجديدة للعمل والتمويل، بعدما كان هذا القطاع مقسوماً بين “خارج” و”داخل”، قسمة تتجاوز الجغرافيا نحو المقاطعة وشروط التمويل، والجمهور نفسه، المنقسم بين من يعيشون في ظل الأسد وبين المهجّرين في أوروبا وأنحاء العالم.
بعد نحو ثلاثة أشهر على مرور الذكرى الثانية لسقوط النظام، أرى أن آلية العمل لم تتغير؛ فالفاعلون في الحقل الثقافي يمارسون عملهم بالطريقة نفسها تقريبًا. ما زال الحقل منقسمًا إلى قسمين: قسم يمارس عمله تحت مظلة وزارة الثقافة، في المراكز الثقافية الوطنية ودار الأوبرا والمسارح القومية، وقسم مستقل يمارس عمله بعيدًا عنها، في أماكن بديلة ومساحات تابعة لمنظمات المجتمع المدني، وأخرى خاصة كالمقاهي والمطاعم، إضافة إلى مساحات افتُتحت أخيرًا وتتمتع بطابع أكثر عصرية.
هذا الانقسام ليس وليد المصادفة، وإنما هو امتداد لاستراتيجية نجاة وحماية، في سبيل استمرار العمل الثقافي المستقلّ في مواجهة الهيمنة الرسمية.
السياحي على حساب الثقافي!
لقد أدى غياب سياسة ثقافية وطنية معلنة من قِبَل وزارة الثقافة، وغياب الدور التخطيطي والانغماس في الدور التنفيذي، الذي يقتصر على التنظيم والرعاية واستقطاب المنتجين والفاعلين، تحت شعار “أعرض مشروعك علينا!”، إلى قيام كثير من الفاعلين الثقافيين باستشفاف سياسات الوزارة ورؤاها من خلال الموقع الإلكتروني والمحتوى المنشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتسجيلات وزير الثقافة وهو يلقي الشعر ويجمع القمامة.
ولم تستطع الفيديوهات المصوّرة بكاميرات احترافية، والمحتويات المصممة بالذكاء الاصطناعي، والهوية البصرية الجديدة، جذب الفاعلين جميعًا.
محاولات الوزارة للقيام بحوارات مفتوحة ونقاشات عامة لم تؤدِّ إلى شيء، خصوصًا مع تعيين رؤساء النقابات وغياب قرار الفاعلين في الحقل نفسه، لتتحول اللقاءات مع الجهات الرسمية إلى ما يشبه “المحاضرات التوعوية”، بعيدة عن الفاعلين المستقلين في القطاع الثقافي، الهاربين من اللغة الجامدة والعبارات الفارغة والوعود الحالمة، والباحثين عن لغة معاصرة وعبارات حقيقية وآليات عملية.
تتوجّه أيضًا وزارة الثقافة إلى دعم الفنون الرائجة أو السائدة على حساب الفنون المستقلة أو البديلة. وعادةً ما تقوم الشركات الخاصة وشركات تنظيم الحفلات بدعم السائد، لأن لها هدفًا ربحيًا، وبالتالي تدعم الحكومات البديل، وذلك لدعم القطاع المستقل وحماية حرية التعبير بأشكالها المختلفة.
تمثّل دعوة الفنان مروان خوري إلى معرض دمشق الدولي في دورته الثالثة والستين، في وقت وجود فنان الكلارينيت السوري العالمي كنان العظمة في دمشق وإقامته حفلًا في مقر “مدنيّة” بدعوة من اتجاهات ثقافية مستقلة، مثالًا على هذا التوجّه، الذي تُوّج بحفل أصالة المدعوم من وزارة الثقافة.
وعلى الرغم من أن وزير الثقافة محمد ياسين صالح عبّر، من خلال برنامج “على الطاولة”، عن أن وزارة الثقافة لا تهمّش أحدًا وأن أيديها مفتوحة للجميع، فإن الوزارة، وبحسب قوله أيضًا، لا تمتلك السعة والإمكانات اللازمة لاحتواء الجميع، وأن باب مكتبه مفتوح لمن يرغب في المجيء والتعبير عن حاجة أو رغبة. وهذا ما يتضح في برنامج مهرجان المسرح، إذ تتكرر الأسماء “الرسمية” نفسها التي كانت تتكرر منذ عهد النظام، مع بعض الاستثناءات.
الفنان والسلطة و”وزير الثقافة”!
بعد سقوط نظام الأسد، أُعيد تقسيم الوسط الفني ورُسمت خريطة الولاء، التي تتضح من خلال موجة اللقاءات التي جمعت وزير الثقافة والرئيس أحمد الشرع بفنانين مكرّسين ومستقلين، في إعادة إنتاج لسياسة الاحتواء والعلاقة مع السلطة بوصفها “ترعى الفنون”.
لن نخوض في الأسماء هنا، لكن “نيل رضا” السلطة التنفيذية عبر الصور واللقاءات الودّية يفقد النشاط الثقافي والفني “نقديّته”، وفي الوقت نفسه يشرعنه أمام “الجمهور الجديد”.
حتى الآن ما زالت مساحات التعبير عن الرأي مرنة نسبياً، ولكنها هشّة وليست مصانة بقوانين، ولا توجد آليات حماية، وهذا ما يدفع الفنانين المستقلين الى التفكير مرتين، خصوصاً أن ثقة الكثيرين منهم بالحكومة والوزارة ضعيفة وأحياناً غير موجودة، وهذا ما اتضح في حوادث منع بعض العروض المسرحية وعروض الـ”ستاند أب كوميدي”، فإباحة العمل لا تعني السماح به؛ والسماح يعني أيضًا الحماية والضمانة.
تؤدي شخصية وزير الثقافة نفسه، وتفضيلاته الشخصية، دوراً إشكالياً، فالتركيز على الشعر بصيغ محددة، والمؤثرين، و”ثقافة النظافة”، يحوّل أنواع الفنون الأخرى والأدوار المختلفة للعاملين فيها إلى هوامش في عمل الوزارة، ومع غياب التقارير السنوية عن عمل الوزارة يبدو للفنانين أن الدعم الخاص بالشعر والشعراء، يفوق الدعم المقدّم لأنواع الفنون الأخرى.
تتضح علاقة الفنان بالسلطة في آلية تعيين الأشخاص في مراكز صناعة القرار. فمديرو المؤسسة العامة للسينما ومديرية المسارح والموسيقى عُيّنوا حسب ولائهم للثورة، لا حسب كفاءاتهم. وبالتالي، هم امتداد لسياسة الوزارة، ويقومون بالأدوار التنفيذية المتوقعة منهم، ما جعل العلاقة متوترة بينهم وبين أقرانهم. فنشأة تجمع السينمائيين السوريين المستقلين هي نتيجة عدم قدرة المؤسسة العامة للسينما على احتواء السينمائيين السوريين.
غموض رأسمال الثقافة
تلعب ضبابية القرارات التي تؤثر على الثقافة والفنون دورًا محوريًا في ضبط القطاع الثقافي وتقييده. ومن أبرزها قرارات “منع” استيراد الآلات الموسيقية عبر إغفال التعرفة الجمركية، وغموض القرارات المتعلقة بإدخال الآلات الموسيقية الشخصية، التي يُترك تقديرها لضابط الحدود نفسه. يضاف إلى ذلك عدم وضوح سياسة فنية وتعليمية بما يخص الحصص الدراسية للفنون والموسيقى في المدارس. ولا تزال الكثير من التساؤلات حول “الإنتاج” الفني والثقافي وخلق المساحات القادرة على دعم هذا الإنتاج ماليًا وتربويًا غامضة، خصوصًا في ظل غياب معلومات حول دور الاقتصاد الإبداعي في خطط إعادة الإعمار.
الدعم الفني الأوضح موجّه إلى “المسلسلات” وشركات الإنتاج والممثلين، لتقديم التسهيلات لهذه “الصناعة الوطنية”، حسب التعبير المتداول، في حين تُترك قطاعات أخرى، خصوصًا الحرف اليدوية، في زاوية مهملة، تعاني من سوء الخدمات والإهمال ونقص اليد العاملة والموارد الخام. ومعظم هذه الحرف قد اندثر أو هو في طور الاندثار، فيما يتركّز التعامل مع التراث المادي واللامادي من منظور الحفظ والأرشفة، وليس التطوير والإنتاج، ما يجعل العاملين فيه يشعرون بالإحباط وعدم الجدوى، وكأنما توقف الزمن عند حرفهم، وأصبح اليوم، في عهد جديد، زمنًا لا دور لهم فيه.
ضعف البنى التحتية الثقافية وغياب التمويل الحكومي للقطاع المستقل يجعلان أي عمل مستقل أشبه بصراع من أجل النجاة، في مواجهة الفقر وضعف الموارد، وتسابق التيارات الإسلامية على “تحريم الفنون”، وتشجيع هذا التأويل داخل المجتمع، ومهاجمة الفنانين والناشطين المدنيين والفاعلين في الشأن العام.
أدّت الأسباب السابقة مجتمعة إلى انكفاء الفاعلين الثقافيين على أنفسهم، والبدء بالعمل ضمن قطاع مستقل يعتمد على التمويل الخارجي، ويبتعد عن المساحات الثقافية الحكومية والفضاءات العامة، وعن التماس مع المجتمعات. وهذه استراتيجية النجاة والحماية التي لطالما اتبعها القطاع الثقافي المستقل في السنوات الماضية. ومع فشل محاولة استعادة الحيّز العام، يبدو أننا أمام سيناريو معقّد من إعادة إنتاج التقسيمات السابقة وسياسات الولاء، عوضًا عن استراتيجية واضحة ذات أهداف معلنة تشمل “الجميع
------
درج


الصفحات
سياسة








