افتراض طافش نفسه موضع الإشكال. النسوية ليست مؤسسة مركزية تصدر بياناتها باسم جميع النساء، ولا تياراً فكرياً واحداً يتحدث بلسان كل الحركات. إنها حقل واسع من التيارات والممارسات والتحالفات، تتقاطع داخله اختلافات العرق والطبقة والجغرافيا والاستعمار والدين والاقتصاد السياسي.

لذلك، فإن السؤال الأكثر دقة ليس: "هل فشلت النسوية؟"، بل: "أي نسوية؟ وأي مؤسسات؟ وفي أي سياق؟"

الأقنعة وسقوف التضامن

تجعل الحروب هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً.

ففي السودان، وثّقت الأمم المتحدة، في تقرير صدر في حزيران/ يونيو 2026 546 حالة عنف جنسي مرتبطة بالنزاع، طالت 608 ضحايا، مع نسبة كبيرة من الحالات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع.

وتؤكد الأمم المتحدة أن هذه الأرقام لا تمثل سوى جزء من حجم الانتهاكات، بسبب الخوف والوصمة وصعوبة الوصول إلى الضحايا.

أثارت تصريحات الفنانة نسرين طافش حول النسوية، في مقابلة تلفزيونية تداولتها منصات التواصل الاجتماعي، نقاشاً واسعاً بشأن علاقة الحركات النسوية العالمية بالقضية الفلسطينية

وفي غزة، أصدرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في نيسان/ أبريل 2026 تقديراً يفيد بأن أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة قُتلن على يد الاحتلال الاسرائيلي بين تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وكانون الأول/ ديسمبر 2025، بمعدل لا يقل عن 47 ضحية يومياً خلال تلك الفترة.

كما حذرت الهيئة من استمرار المخاطر على النساء والفتيات، ومن تدمير البنية الصحية والخدمات الأساسية.

أما في لبنان، فقد وثّقت تقارير حقوقية سقوط أعداد كبيرة من النساء ضمن الخسائر المدنية الناتجة من الحرب الإسرائيلية على لبنان، لكن لا يصح اعتماد رقم محدد للنساء المقتولات من دون الرجوع إلى المصدر الأصلي وتحديد الفترة الزمنية ومنهجية الإحصاء، فالأرقام ليست مجرد تفاصيل تكميلية، إنها جزء من المسؤولية الأخلاقية في الكتابة عن الضحايا.

ومع ذلك، فإن السؤال الذي تفرضه هذه الوقائع لا يتعلق بالأرقام وحدها، بل يتعلق بالمسافة بين الخطاب والممارسة: كيف يمكن لحركة تعلن أن حقوق النساء غير قابلة للتجزئة أن تتعامل مع نساء بعض المناطق بوصفهن ضحايا يستحققن التضامن، بينما تبدو أقل قدرة على رؤية نساء أخريات حين تتداخل قضاياهن مع الاستعمار أو السياسة الدولية أو المصالح المؤسسية؟

هنا يصبح مفهوم "النسوية البيضاء" مفيداً، لكن بشرط ألا يتحول إلى شتيمة جاهزة.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها...

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغايرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحة، أو قاسية، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحر.

الناس رصيف22[كن من "الناس" رصيف22heart]url:https://raseef22.net/take-action/donate

النسوية البيضاء مفهوم نقدي لا بطاقة اتهام

في كتابها Against White Feminism: Notes on Disruption، تشرح الباحثة رافيا زكريا أن النسوية البيضاء لا تُختزل في لون بشرة النساء اللواتي يتبنينها، بل تشير إلى منظومة من الافتراضات والممارسات التي تجعل تجربة المرأة البيضاء، أو نموذجها الخاص للتحرر، معياراً عاماً للنساء جميعاً.

وقد تكون المرأة غير البيضاء جزءاً من هذه المنظومة حين تتبنى تصوراً للتحرر يتجاهل أثر العرق والاستعمار والطبقة.

ومن هنا، فإن المشكلة ليست في أن بعض النساء الغربيات يدافعن عن حقوق النساء، بل في أن بعض المؤسسات النسوية قد تتعامل مع تجربة واحدة بوصفها التجربة الإنسانية الكاملة. وحين يحدث ذلك، يصبح التضامن انتقائياً، وتتحول الكونية من مبدأ أخلاقي إلى مركزية ثقافية.

غير أن هذا المفهوم لا يثبت، وحده، أن كل صمت نسوي تجاه فلسطين هو "نسوية بيضاء". فالصمت قد ينتج من حسابات سياسية، أو خوف مؤسسي، أو اختلاف في الموقف من الصراع، أو قصور معرفي، أو انحياز أيديولوجي. وهذه أسباب مختلفة لا يصح وضعها كلها في خانة واحدة، وإن كانت جميعها قابلة للنقد.

قدمت شاندرا تالباد موهانتي، في مقالها الشهير Under Western Eyes، نقداً مؤثراً للطريقة التي تُبنى فيها صورة "امرأة العالم الثالث" في بعض الكتابات النسوية الغربية. فحين تُقدَّم النساء في الجنوب العالمي بوصفهن كتلة واحدة من الضحايا، يجري تجاهل اختلافاتهن التاريخية والاجتماعية والسياسية، وتصبح المرأة الغربية هي الذات الفاعلة التي تنقذ، بينما تُختزل المرأة الأخرى في موقع الموضوع الذي يحتاج إلى الإنقاذ.

هذا النقد لا يعني رفض التضامن العابر للحدود. على العكس، إنه يطالب بتضامن أكثر عدلاً، لا يُحوّل الاختلاف إلى تبعية، ولا يجعل من المرأة الغربية وصية على نساء العالم.

وفي السياق نفسه، تُظهر أعمال ليلى أحمد وليلى أبو لغد أهمية مساءلة العلاقة بين الاستعمار والخطابات المتعلقة بالنساء المسلمات. فقد درست أحمد تاريخ تشكل بعض التصورات الاستعمارية حول المرأة المسلمة، بينما انتقدت أبو لغد في Do Muslim Women Need Saving? الخطابات التي تجعل "إنقاذ المرأة" مبرراً للتدخل السياسي والعسكري، وتدعو إلى التفكير في التضامن من خلال التاريخ والسياق لا من خلال صورة جاهزة عن الضحية.

وعليه، فإن الكونية النسوية لا تصبح مستحيلة لأنها كونية، بل لأنها قد تتحول إلى نموذج واحد يُفرض على سياقات متعددة. أما الكونية بوصفها التزاماً أخلاقياً بكرامة النساء وحقوقهن، فهي ليست المشكلة، بل قد تكون جزءاً من الحل.

حين لا يعود الجسد خارج السياسة

توضح الحالة الفلسطينية أن الحديث عن حقوق النساء لا يمكن فصله عن البنية السياسية التي تحدد شروط حياتهن. فالمرأة الفلسطينية لا تواجه الأبوية المحلية وحدها، بل تعيش أيضاً تحت الاحتلال، وفي ظل الحصار والتهجير وتدمير البنية الصحية والتعليمية والاقتصادية.

وهذا لا يعني أن كل ما تتعرض له النساء الفلسطينيات يمكن اختزاله في الاحتلال، كما لا يعني أن الأبوية المحلية تصبح غير موجودة. بل إن التجربة الفلسطينية تكشف تراكب أنظمة القمع: قد تتقاطع الأبوية مع الاستعمار، وقد يتداخل العنف السياسي مع العنف الاجتماعي، وقد تصبح حقوق النساء جزءاً من صراع أوسع على الأرض والوجود والذاكرة.

لهذا السبب، فإن اختزال التحرر في نموذج فردي واحد، يقوم فقط على الاستقلال الشخصي أو الاختيار الفردي، لا يكفي لفهم واقع المرأة الفلسطينية. الاختيار نفسه يتأثر بالقدرة على الحركة، والوصول إلى التعليم، والأمان، والصحة، والعمل، والعيش في بيئة لا تُهدد فيها الحياة كل يوم.

من الخطأ أيضاً التعامل مع النسوية العربية بوصفها نسخة متأخرة من النسوية الغربية. فقد نشأت في المنطقة العربية تيارات نسوية متعددة، ارتبط بعضها بمقاومة الاستعمار، وبعضها بالإصلاح الاجتماعي، وبعضها بالنضال السياسي والاقتصادي، وبعضها بإعادة قراءة الدين والتراث من منظور نقدي.

كانت نوال السعداوي من أبرز الأصوات التي ربطت قضايا النساء بالتحرر السياسي والاقتصادي، وانتقدت الأبوية والإمبريالية معاً، كما قدمت فاطمة المرنيسي أعمالاً مؤثرة في دراسة العلاقة بين الإسلام والسلطة والجندر، وأظهرت أن النقاش حول المرأة في المجتمعات العربية لا يمكن اختزاله في ثنائية "تراث" مقابل "غرب".

لكن الاعتراف بهذه الجذور المحلية لا يعني أن النسوية العربية واحدة، ولا أنها خالية من التناقضات، فهي، مثل غيرها من الحركات، تضم تيارات مختلفة، وتخوض نقاشات داخلية حول الدين والدولة والطبقة والجسد والهوية والعنف والاستعمار.

المشكلة ليست في اختلاف هذه التيارات، بل في أن يتحول هذا الاختلاف إلى ذريعة لشطب الحركة كلها.

إن اختزال التحرر في نموذج فردي واحد، يقوم فقط على الاستقلال الشخصي أو الاختيار الفردي، لا يكفي لفهم واقع المرأة الفلسطينية

لا يمكن إنكار أن بعض النساء والفنانات والأكاديميات واجهن تبعات مهنية بسبب مواقفهن المؤيدة للفلسطينيين أو الناقدة لإسرائيل.

ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، أُعلن عن انتهاء علاقة الممثلة سوزان ساراندون بوكالة المواهب الأمريكية United Talent Agency (UTA) بعد تصريحات لها في تجمع مؤيد لفلسطين.

وفي الشهر نفسه، فُصلت الممثلة ميليسا باريرا من فيلم Scream 7 بعد منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي انتقدت فيها إسرائيل وأعربت عن تضامنها مع الفلسطينيين.

وقد أعلنت الشركة المنتجة أن القرار مرتبط بسياسة تتعلق بخطاب الكراهية ومعاداة السامية، بينما رأت باريرا أن منشوراتها كانت تعبيراً عن موقف إنساني وحقوقي.

وفي المجال الأكاديمي، فُصلت مورا فينكلستاين من منصبها في كلية Muhlenberg عام 2024 بعد منشور انتقدت فيه الصهيونية، في قضية أثارت جدلاً حول الحرية الأكاديمية وحدود التعبير السياسي، كما أثارت قضية الباحثة الفلسطينية-الأسترالية رندا عبد الفتاح جدلاً بعد تجميد منحة بحثية لها بقيمة 889 ألف دولار أسترالي، قبل أن تُعاد المنحة بعد التحقيق.

هذه الحالات لا تثبت أن كل المؤسسات الغربية معادية لفلسطين، لكنها تظهر أن المواقف السياسية قد تكون لها كلفة مهنية حقيقية، وأن هذه الكلفة لا تتوزع بالضرورة بالتساوي.

ومن هنا، فإن السؤال ليس فقط: من تحدث؟ بل من استطاع أن يتحدث دون أن يخسر شيئاً؟ ومن دفع ثمناً لموقفه؟ ومن بقي في موقع آمن يسمح له بالاستمرار في الحديث عن حقوق النساء من دون أن يواجه تبعات مماثلة؟

تاريخ "النسوية السوداء" يقدم أمثلة مهمة على التضامن مع فلسطين، وعلى الربط بين النضال ضد العنصرية والنضال ضد الاستعمار.

فقد أعلنت أنجيلا ديفيس تضامنها مع الشعب الفلسطيني، وربطت بين النضال ضد العنصرية في الولايات المتحدة والنضال ضد الاحتلال.

كما ارتبط اسم أودري لورد وجون جوردان وبيل هوكس بنقاشات أوسع حول العلاقة بين العرق والطبقة والجندر والعدالة.

لكن الأهم هنا ليس جمع أسماء نسوية مؤيدة لفلسطين، وكأن ذلك يكفي لإثبات براءة النسوية من كل أشكال الانتقائية. الأهم هو أن هذه الأصوات تذكرنا بأن التضامن النسوي لم يكن يوماً حكراً على الغرب الأبيض، ولا على نموذج واحد للتحرر.

يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا فعل كثير من الفنانين والفنانات العرب أنفسهم تجاه الحرب على غزة ولبنان؟

فبينما نطالب حركة أممية معقدة، متعددة الأطياف والمصالح، بموقف موحد وفوري وكامل، هل نُخضع من يطلّون علينا يومياً من شاشاتنا، ويتكلمون لغتنا، ويعرفون تفاصيل مأساتنا عن قرب، للمعيار نفسه من المساءلة؟

ليس المطلوب أن نساوي بين الجميع، ولا أن نخفف مسؤولية المؤسسات التي تملك نفوذاً سياسياً وثقافياً واسعاً، لكن من المشروع أن نسأل أيضاً: أين كان الفنانون والمثقفون العرب حين دُمّرت مدن بأكملها؟ ومن اختار الصمت؟ ومن اكتفى ببيان عابر؟ ومن استخدم موقعه العام للدفاع عن حياة الناس وكرامتهم؟

ربما يكون توجيه النقد نحو حركة أممية بعيدة ومجردة أسهل من توجيه المرآة نحو الذات، لكن العدالة لا تبدأ من سهولة السؤال، بل من صدقه.

النسوية الكونية والتوقعات

النسوية لا تحتاج إلى أن تكون معصومة من الخطأ حتى تستحق الدفاع عنها، لكنها تحتاج إلى أن تكون قادرة على الاعتراف بأخطائها، ومراجعة امتيازاتها، وتوسيع دائرة التضامن، وعدم تحويل تجربة واحدة إلى معيار إنساني عام.

في فلسطين، كما في السودان ولبنان وسائر مناطق العالم، لا تحتاج النساء إلى أن يكنّ نسخاً من بعضهن حتى يستحققن التضامن. ما يحتجنه هو أن تُرى حياتهن في تعقيدها، وأن تُسمّى الانتهاكات بأسمائها، وأن تُحاسَب المؤسسات التي تصمت أو تنتقي، من دون أن يُمحى تاريخ من ناضل من أجل العدالة

إن الكونية النسوية لا ينبغي أن تعني أن جميع النساء يعشن التجربة نفسها، أو أن التحرر له وصفة واحدة، بل ينبغي أن تعني أن كرامة النساء ليست قابلة للتجزئة، وأن اختلاف سياقاتهن لا يبرر تجاهل معاناتهن.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: "هل يمكن إنقاذ كل النساء عبر مفهوم واحد للتحرر؟"، بل هل يمكن بناء تضامن لا يحتاج إلى أن يشبه الآخر حتى يعترف بإنسانيته؟

في فلسطين، كما في السودان ولبنان وسائر مناطق العالم، لا تحتاج النساء إلى أن يكنّ نسخاً من بعضهن حتى يستحققن التضامن. ما يحتجنه هو أن تُرى حياتهن في تعقيدها، وأن تُسمّى الانتهاكات بأسمائها، وأن تُحاسَب المؤسسات التي تصمت أو تنتقي، من دون أن يُمحى تاريخ من ناضل من أجل العدالة.

النسوية التي تستحق الدفاع عنها ليست تلك التي تدّعي الكمال، بل تلك التي تستطيع أن تنظر إلى نفسها، وأن تعترف بمن لم ترهن، وأن تتعلم كيف تكون أكثر عدلاً.
---------
رصيف ٢٢