المستشرق رودولف ديرلانجي يترك بصمته الفنية بسيدي بوسعيد




تونس – قبل قرن من الزمان كان المستشرق الفرنسي من أصول ألمانية، الرسام البارون رودولف ديرلانجي يستمتع باستخدام غليونه المميز بطول يفوق المتر في الجناح المخصص للاستراحة بمدخل قصره الفاره فوق قمة هضبة سيدي بوسعيد.


 

حتى اليوم يحافظ الغليون الأسود على مكانه فوق الأريكة المتوسطية بالاستراحة، بينما يطبق طيف البارون وحاشيته من الخدم على جنبات القصر المحاط بحدائق مرتبة على الطريقة الفارسية والأندلسية، كما لو أنهم يمنحونه حياة مستمرة.ومثل باقي الأثاث والستائر بقاعات الجلوس وغرف النوم. حافظ الساهرون على تهيئة القصر وصيانته، على جميع المرافق كما هي، وكما لو أن ساكنيه يجولون بين غرفه حتى اليوم.ينحدر البارون ديرلانجي (1872-1932) من أوصول المانية وهو بريطاني الجنسية وفرنسي المولد وزوجته البارونة ايليزابيتا بربياليتي أميداي. واقترنت شهرته الفنية أثناء إقامته في تونس بولعه بالثقافات الشرقية.
ويمكن ملاحظة هذا الولع في جنبات القصر من خلال الاعمدة المرمرية الرخامية المسنودة اليها بناية قصر وتيجان الاعمدة والتحف الزخرفية القديمة التي تم جلبها من أقصى الشرق بالإضافة إلى السجاد الفارسي والتركي والتحف البلورية المستجلبة من البندقية.
كما تعكس الزخارف الخشبية في المخادع والأسرة والسقوف والصناديق الخشبية المرصعة بالصدف، هوس ديرلانجي بالشرق.
في الطابق العلوي خصصت وزارة الثقافة إحدى الغرف لعرض الآلات الموسيقية لديرلانجي المولع بالموسيقى الشرقية والعربية وأعادت تهيئة حمام السباحة الشرقي الملحق بالمبنى.
وتنتشر لوحات الرسام في أروقة القصر بينما تطل هيئة البارون من داخل لوحة معلقة في آخر جوف من ممر طويل يشق الطابق الأول. ويقول الدليل المشرف على القصر إن اللوحة التي رسمها صديق للبارون بمعطفه الأسود الطويل، تحمل هيئته الحقيقية ويعتقد أن هذا يمنحه حضورا رمزيا قويا عند الزائرين.
ويضيف المشرف على القصر وهو يقص أسراره على الزائرين "نشعر بوجوده كما لو انه لا يزال موجودا في القصر. كان الخدم من أبناء الجهة يعيشون أيضا معه. كان يستمتع بحياته في هذا المكان الجميل".
وبحسب رواية المشرف السياحي فإن قدوم البارون الثري من فرنسا إلى سيدي بوسعيد واستقراره كان لأسباب صحية بسبب حساسية ملازمة لحنجرته، الأمر الذي دفعه إلى البحث عن مناخ أكثر ملاءمة صحيا في جنوب المتوسط.
شيد البارون القصر المطل على البحر المتوسط في مكان شاهق على مساحة جملية تقدر بـ3300 متر مربع من بينها 1800 متر مربع خاصة بالملحقات. وهو يعد اليوم أحد أبرز المزارات السياحية في قرية سيدي بوسعيد، الوجهة السياحية الأشهر في العاصمة تونس، كما انه يقع على مرمى حجر من مدينة قرطاج التاريخية.
يحمل القصر طابعا معماريا عربيا وأندلسيا خالصا. استغرق بناؤه حوالي عشر سنوات بين عامي 1911 و1922. وتقول مصادر تاريخية إن البارون ديرلانجي جلب حرفيين من المغرب ومصر إلى جانب أمهر الحرفيين في تونس لبناء القصر.
قد ظل القصر على ملك ورثة البارون حتى عام 1989 حين شرته الدولة التونسية لتحوله إلى مركز ثقافي يحمل اسم مركز الموسيقى العربية والمتوسطية.
يفتح القصر أبوابه للعموم والسياح للزيارات يوميا وقد خصصت السلطات بهوه الداخلي لإحياء الحفلات الثقافية والموسيقية ذات الحضور الجماهيري المقيد، لا سيما خلال شهر رمضان.
يقول محافظ القصر "البارون كان صاحب مزاج ميال إلى المرح. في هذا القصر كان يعقد الجلسات الثقافية في بداية القرن الماضي ويرسم لوحاته ويستمتع بالسماع لتخت الموسيقى الشرقية. هنا كان يأتي الأعيان وكان القصر بمثابة مزار ثقافي".
ويشير المحافظ إلى خزانة تقع في رواق دائري بالطابق العلوي وفي داخلها قوارير النبيذ التي كان يستخدمها ديرلانجي وبعض الأواني التقليدية من صنع حرفيي الجهة في بدايات القرن العشرين.
في العام 2015 قررت السلطات التونسية اعادة تهيئة مرسم البارون، الغرفة التي كان يستخدمها لرسم لوحاته التشكيلية. تم تحويل الغرفة إلى قاعة طعام بعد وفاة البارون عام 1932 قبل أن تستعيد وظيفتها الأصلية عام 1955 ببادرة من محافظ القصر آنذاك.
شملت أشغال اعادة تهيئة المرسم البالغة مساحته 30 مترا مربعا والكائن بالطابق العلوي للقصر، ترميم جدران الغرفة وأرضيتها، وتغيير المواد الخشبية المتضررة للنافذة البلورية وراء الجدار الخلفي للمرسم، بمواد خشبية أخرى مماثلة. كما وقع ترميم الأثاث وإطارات اللوحات التشكيلية.
ومع الافتقاد إلى شهادات موثقة لما كانت عليه هيئة المرسم من الداخل استخدم فريق متخصص من المعهد الوطني للتراث اسلوبا ايحائيا تقريبيا لتأثيث الغرفة كما كان يستخدمها البارون. ويضيف محافظ القصر "تم استقدام لوح الدهان والفرش والحوامل وصندوق المعدات الخاص به وعدد من القماشات التي رسم عليها البارون مخطوطات لكنه لم يتمها".
بالنسبة لساكني سيدي بوسعيد فإن تأثير البارون ديرلانجي يتجاوز جدران القصر، إذ ترك بصمته على القرية التي تحولت من منطقة نائية في القرن التاسع عشر إلى وجهة سياحية ذائعة الصيت اليوم لا تقل شهرة عن جزيرة سانتوريني اليونانية الشبيهة بها.
ويقول المرشد السياحي في القصر "سيدي بوسعيد مدينة ديرلانجدي الذي فرض استخدام اللون المميز للبنايات في الجهة وهما اللونان الأزرق والأبيض تماما مثلما هو الأمر في سانتوريني".
 

طارق القيزاني
السبت 26 سبتمبر 2020