نشأت دولة المُشعشعين العربية في أيام المغول سنة 844هـ بمنطقة الأحواز. وبحسب جاسم حسن شبر، في كتاب "تاريخ المُشعشعين وتراجم أعلامهم"، أسس هذه الدولة محمد بن فلاح المولود في مدينة واسط وسط العراق، والتي عُرفت بتقدمها العلمي والفكري، وبرز منها كُتاب وشعراء ومؤلفون وأدباء.
ويروي شبر أنه لما بلغ محمد بن فلاح السابعة عشرة من عمره، كان قد تعلّم الكتابة وقرأ القرآن ومقدمة من العلم، فاستأذن أباه الذي كان يعاني من ضنك المعيشة ليدرس بمدينة الحلة، وتحديدًا في مدرسة العلامة الشيخ أبي العباس أحمد بن فهد الحلي (المتوفى سنة 841هـ)، وكان من أكابر علماء الصوفية ومجتهدي الشيعة الإثنا عشرية، حيث كانت الحلة في ذلك العصر مركزًا علميًا مهمًا فيها عدة مدارس علمية.
ذهب محمد إلى الحلة وصرف ليله ونهاره في المطالعة والدرس، فبلغ درجة عالية من التحصيل في مدة قليلة حتى رضي عنه أستاذه الحلي، وصار يدرّس بدلًا منه عند غيابه بإجازة منه، وكان مقربًا محبوبًا إليه منذ أن مات والده فلاح. وتزوج الحلي بأم محمد، بعد وفاة زوجها وزوجه إحدى بناته، وتعهد بتربيته والعطف عليه حتى أطلعه على بعض الأسرار الخفية في علم الرياضيات. ولما اطمأن محمد بن فلاح من قابليته أعلن أمره ودعوته، وصمد أمام جميع العقبات التي اعترضته في طريقه بكل قوة، واستطاع أن يؤسس مملكة عربية في الحويزة وما والاها في خوزستان وحكمت مدة طويلة.
وبحسب شبر، سميت هذه الدولة بالمُشعشعية نسبة إلى مؤسسها محمد بن فلاح، والذي كان أول من لُقب بـ"المُشعشع"، إذ رُوي أنه عندما كان يطالع العلوم الغريبة من أستاذه أحمد الحلي كان يتشعشع بدنه، أي يمتلأ وجهه نورًا، ويهتز طربًا. كما أُطلق على حكام هذه الدولة اسم "الموالي"، نسبة إلى علي بن محمد بن فلاح، الذي تولى حكم الإمارة بعد وفاة والده، وكان أول من لُقّب بهذا اللقب من المُشعشعين، وبعد ذلك عُرف باقي حكام الإمارة بهذا اللقب.
بداية دعوة محمد بن فلاح
يذكر شبر أن الاقوال كثرت حول كيفية بداية دعوة محمد بن فلاح وإعلان أمره، بل وجاءت متضاربة ومتباعدة كل البعد عن الحقيقة والواقع، فمنهم من بالغ في الأعمال السحرية والخوارق التي أظهرها، حتى ظُن أن ذلك من صميم عقيدته، ومنهم من قال إنه ادعى "المهدوية" لنفسه. وبحسب شبر، فإن المصادر المغولية التركمانية والفارسية لهما اليد الطولى في تشويه حقيقة الدولة والطعن في رئيسها ومؤسسها محمد بن فلاح ثم أولاده.
ومما رُوي في هذا السياق عن ابن فلاح أنه اعتكف في جامع الكوفة لمدة سنة كاملة، وكان يقتات بشيء قليل من دقيق الشعير، وظهر منه تخليط في ابتداء ظهوره في سنة 840هـ، حتى أمر أستاذه أحمد الحلي بقتله، وكتب إلى زعيم قبيلة عبادة العربية وحاكم منطقة البطائح الأمير منصور بن قبان بن إدريس العبادي يحثه على قتله واستحلال دمه.
فلما وصل كتاب الحلي إلى العبادي ألقي القبض على ابن فلاح وعزم على قتله، لكن الأخير دافع عن نفسه قائلًا: "أنا سني صوفي، وهؤلاء الشيعة أعدائي يتطلبون قتلي"، وأخرج المصحف وحلف على ما يقول، فأطلق الأمير سبيله وفك قيوده، فنجا ابن فلاح وانسحب إلى موضع تقطنه قبيلة المعادي، والتي التفت حوله وانضمت إليه في دعوته.
"الدوب" قاعدة عسكرية
يذكر محمد حسين الزبيدي، في كتاب "إمارة المُشعشعين أقدم إمارة عربية في عربستان"، أن محمد بن فلاح كان طموحًا ومحبًا للزعامة والإمارة، وقد ساهمت الظروف السياسية السائدة يومها في إظهار دعوته وإعلان إمارته، إذ كان المغول يحكمون إیران والعراق، وتحمّل شعب العراق من هذا الحكم ألوانًا من الاضطهاد والتعسف، لذا كانت تلك الفترة ملائمة لظهور الدعوات الدينية والسياسية التي تدعو إلى إنقاذ الشعب أو تلوّح له بهذا الاتجاه.
على كلٍ، لم يجد ابن فلاح في مدينة الحلة المناخ الملائم لتحقيق أحلامه، فتركها وانحدر إلى جنوب العراق سنة 840هـ، وأخذ يتصل بالقبائل العربية هناك ويجمعها حوله، فانضمت إليه قبائل عربية عديدة مؤمنة بزعامته الدينية وقيادته لها، منها قبائل الحويزة والدوب وطي وغيرها، وظل يجمع الأنصار والمؤيدين حتى كثروا حوله.
وعندما واتته الفرصة لتحقيق أحلامه، فكر ابن فلاح في إيجاد قاعدة تكون مركز تجمع وانطلاق، ووجد مبتغاه في منطقة الأحواز ومجتمعها، فهي ملائمة لدعوته بالإضافة إلى موقعها الجغرافي والعسكري المتميز، كما أنها بعيدة عن مركز قوة الجيش التركماني. وبحسب الزبيدي، لم ينتظر ابن فلاح كثيرًا، فهاجم قرية شوقة التابعة لمدينة جصان واصطدم بحاكم جصان في معركة كبيرة، إلا أن ابن فلاح هُزم وقُتل معظم أفراد جيشه وهرب الباقون.
وتركت هذه الهزيمة في نفس محمد أثرًا سيئًا ومرارة كبيرة، فقرر العودة إلى منطقة الدوب حيث أتباعه وأنصاره هناك، وهناك اعتمد على قبيلة المعادي المشهورة باسم "نيس" اعتمادًا كبيرًا، وطلب منهم أن يبيعوا ما عندهم من جاموس ودواب لشراء السيوف والأسلحة، وأخذ ابنه علي يدربهم على القتال ويعدهم لخوض معارك المستقبل، وثم أصبحت منطقة الدوب قاعدته العسكرية.
تأسيس إمارة المُشعشعين
بدأت وتوالت انتصارات ابن فلاح، وفي حوالي منتصف القرن التاسع الهجري تمكن من أن يضم إلى نفوذه قبائل منطقة الكحلاء في واسط وقبائل منطقة الجزائر في الحويزة، بحسب ما يذكر فاروق عمر فوزي في كتاب "الوسيط في تاريخ الخليج العربي في العصر الإسلامي الوسيط".
ولما علم حاكم بغداد التركماني، إسبان بن قره يوسف، باتساع نفوذ المُشعشعين تقدم بجيشه نحو الحويزة، إلا أن محمد بن فلاح لم يجابهه بل انسحب نحو الأهوار جنوب العراق، وحين عاد إسبان بن قرة يوسف إلى بغداد رجع ابن فلاح فاحتل الحويزة، ودانت له معظم قبائل البطيحة والسواد بالولاء، خاصة قبائل أسد وسعد وليث والعباد وبني حطيط، وبهذا استطاع أن يؤسس كيانًا سياسيًا في الأحواز والحويزة عُرف بـ"إمارة المُشعشعين"، وجعل من مدينة الحويزة مركزًا له . ولم يكتف محمد بن فلاح بذلك، بل استمر في نشاطاته العسكرية محاولًا توسيع نفوذه السياسي، فهاجم عددًا من مدن الأحواز مثل المجرة وبلاد الدورق وغيرها حتى توفي سنة 870هـ.
وخلف ابن فلاح في حكم الإمارة أولاده. وبحسب فوزي، شهدت هذه الإمارة صراعات إقليمية عديدة، سواء في منطقة الخليج العربي نتيجة ظهور الأطماع الأوروبية، أو نتيجة ظهور قوى إقليمية جديدة على رأسها الدولتان العثمانية والصفوية، ورغم ذلك دامت إمارة المُشعشعين ما يقرب من خمسة قرون بين مد وجزر في هذه المنطقة، إلى أن بدأ نفوذها بالانحسار مع بدايات التاريخ الحديث بسبب ضغط الدولة الصفوية عليها ابتداءً من 914هـ، فتأسست إلى جانبها إمارات عربية أخرى أبرزها إمارة كعب.
نشر مذهب آل البيت
وتذكر سلمى عمر السيد، في دراسة "إمارة المُشعشعين العربية في الأحواز وعربستان"، أن المُشعشعين كانوا من الشيعة الهاشمية، ويعود نسبهم إلى الإمام علي بن أبي طالب، لذا اعتنوا بنشر مذهب آل البيت، فاتجه نحوهم علماء الشيعة وأدبائهم قاصدين الحويزة من أقصى البلاد، وحظوا بترحيب حكام الإمارة وتقديرهم وأغدقوا عليهم العطاء، فتجمع أهل العلم والفضل فيها، وبنيت المدارس وبرز الأساتذة والمدرسون وقصدها طلاب العلم من جميع أطراف المنطقة.
ونتيجة لحضور العلماء واستقرارهم في الحويزة فقد أُلفت فيها عديد من الكتب، ونُقلت إليها مخطوطات قيمة من مناطق مختلفة، وتأسست بها مكتبات عامرة ضمت كتبًا في أنواع العلوم المتداولة آنذاك، منها مكتبة "السادة الموالي أمراء الحويزة"، التي ضمت صنوفًا من مؤلفات تجمع بين جوانب العلوم النقلية والعقلية.
وخلال حكم الإمارة العربية، استطاع المُشعشعيون إبعاد الأحواز عن النفوذ الفارسي والعثماني بكل جدارة، بل وامتد نفوذهم إلى مناطق واسعة وحكموا رقعة كبيرة شملت جنوب وغرب إيران وجنوب شرق العراق وشمال شبه الجزيرة العربية، كما ضُربت النقود باسم المُشعشعين في عهد المولى فرج الله بن علي خان عام 1114هـ، وسميت بـ"المحمدية"، وكُتب على أحد وجهي العملة عبارة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وعلى الوجه الثاني "علي ولي الله. ضرب بالحويزة"، وهذا أكبر دليل على استقلال الدولة المُشعشعية في ظل وجود قوتين كبيرتين هما الدولتين الصفوية والعثمانية، بحسب ما تروي السيد.
وتذكر السيد، أنه رغم أن المُشعشعين من الشيعة الهاشمية، ويعود نسبهم إلى الإمام علي بن أبي طالب، ورغم أن الأسرة الصفوية كذلك تدعي أنها ذات نسب هاشمي يتصل بالإمام علي، لكن هذه القرابة المذهبية والعائلية لم تكن حائلًا دون تكرار هجمات الصفويين على الأحواز لاحتلالها، بل كانت هذه القرابة تُستخدم لغرض الاحتلال.
ورغم ذلك، حافظ المُشعشعيون على استقلالهم وسيادتهم الكاملة نحو سبعين عامًا، منذ ظهور محمد بن فلاح حتى سقوط الدولة المُشعشعية على يد الشاه إسماعيل الصفوي عام 914هـ، حيث سميت الأحواز بعد ذلك بعربستان تحكمها الأسرة المُشعشعية في إطار الاستقلال الداخلي تحت سلطة الحكم الصفوي.
وعندما حاول الصفويون احتلال بغداد طلبوا المعونة العسكرية من الدولة المُشعشعية، لكن المشعشعيون رفضوا إجابة الصفويين في مطلبهم، وبعد هزيمة الصفويين وُقعت معاهدة مراد الرابع عام 1049هـ بينهم وبين العثمانيين، واعترفت هاتان الدولتان بموجبها باستقلال الدولة المُشعشعية في الأحواز.
نهاية دولة المُشعشعين
وفي بداية القرن الثاني عشر الهجري بدأ أفول الدولة المُشعشعية. تروي السيد أنه في عام 1103هـ قامت إمارة تابعة لقبيلة كعب البوناصر إلى جوار إمارة المُشعشعين، وحكمت مناطق واسعة من الأحواز حكمًا مستقلًا عن كل من الدولتين الفارسية والعثمانية، وفي مرحلة لاحقة تمكن فرع من هذه الأسرة يُدعى كعب البوكاسب أن يؤسس إمارة له في مدينة المحمرة، وتمكن آخر أمرائها الشيخ خزعل من إخضاع كامل الأحواز تحت سلطته، بعد إسقاط إمارة المُشعشعين والإطاحة بآخر أمرائها المولى مطلب الثاني بن نصر الله عام 1305هـ.
غير أن هناك أسباب أخرى لإسدال الستار على دولة المُشعشعين الذي دام قرابة خمسمائة عام، منها الفتن والقلاقل السياسية التي أصابت الحكم المُشعشعي أثناء فترة حكم بعض الحكام، مثل المولى ناصر بن سيد مبارك الذي قتل مسمومًا على أيدي المعارضين، فخلفه السيد راشد بن سالم، الذي اتسم عهده بقمع رؤساء العشائر فقُتل على يد الشيخ خميس الأشرم، زعيم قبيلة الخميس من بني تميم.
واستمرت هذه الخلافات في عهد المولى بركة بن منصور، والذي أقصاه الشاه عن الحكم في عام 1060هـ، ثم في عهد المولى فرج الله بن علي خان، والمولى عبد الله خان بن فرج، حيث ازدادت الانشقاقات داخل الأسرة الحاكمة، وكثر تمرد القبائل العربية على السلطة.
بيد أن سببًا آخر ساهم في تدهور مكانة الحويزة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وعجّل بسقوطها، هو انتشار مرض الطاعون في عهد المولى فرج الله بن نصر الله عام 1257هـ، ما كبد المدينة خسائر كبيرة في الأرواح، ودفع سكانها إلى النزوح والسكن في مدن أخرى مثل الأحواز والسوس والمحمرة، بحسب ما تروي السيد.
وفي عهد فرج الله بن نصر الله حدث أيضًا فيضان نهر الكرخة، الذي تسبب في رحيل عدد كبير من أهالي الحويزة والعشائر المجاورة إلى مناطق بعيدة بسبب انهيار السد الذي يقع على النهر، ما أدى إلى تغيير مجرى نهر الكرخة. وبحسب السيد، أقدم كثير من الناس على حفر آبار في مجرى النهر القديم الجاف لتأمين مياه الشرب، وحاول الأهالي مجددًا إنشاء سد على طريق النهر لإعادته إلى مجراه لكن دون جدوى، وثم جفت كل القنوات والأنهار الأصلية والفرعية، ما أدى إلى جفاف الأراضي الزراعية وأصبحت غير قابلة للزراعة، وعليه فقدت مدينة الحويزة أهميتها واعتباراتها السابقة ولحق بها الدمار شيئًا فشيئًا حتى أصبحت خالية من السكان.
----------
ميغازين


الصفحات
سياسة








