تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

مذكرة سوء التفاهم

13/07/2026 - غسان شربل

ماذا يجري بين واشنطن وطهران .؟

12/07/2026 - بسام بربندي

لماذا تفشل الدولة؟

12/07/2026 - أحمد عيشة

من يقف وراء تفجير دمشق؟

07/07/2026 - بكر صدقي

مجلس الشعب المؤجل والمهان

07/07/2026 - أحمد أبا زيد

الحرب مستمرّة من مضيق هرمز إلى لبنان

06/07/2026 - عبدالوهاب بدرخان

*ثقافة الخضوع*

06/07/2026 - سلام كواكبي

*قانون لحماية المواطنين من الدولة*

05/07/2026 - عبد الرحمن الحاج


بناء الدولة لا إدارة الصراع.. الاستراتيجية الأميركية الجديدة




يشهد الموقف الأميركي تجاه سوريا تحولاً لافتاً خلال الأشهر الأخيرة، فبعد سنوات كان التركيز فيها ينصب على محاربة تنظيم داعش واحتواء الأزمة السورية، تبدو واشنطن اليوم وكأنها تتبنى هدفاً مختلفاً: المساهمة في بناء دولة سورية مستقرة وقادرة على استعادة دورها.


 هذا التحول لا يقتصر على تغيير في الخطاب، بل ينعكس في سلسلة من الخطوات السياسية، بدءاً من رفع العقوبات، مروراً بتعيين مبعوث أميركي خاص إلى سوريا، ووصولاً إلى التصريحات المتكررة للرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، التي تؤكد أن الولايات المتحدة ترى في استقرار سوريا مصلحة استراتيجية تتجاوز حدودها.

وفي خطابه بالرياض، عبّر الرئيس ترامب عن هذه الرؤية بوضوح عندما قال: إن زمن التدخلات الغربية التي كانت ترسم خرائط المنطقة وتملي على شعوبها كيف تدير شؤونها قد انتهى، وإن المستقبل يجب أن يصنعه أبناء المنطقة بالشراكة فيما بينهم، لا من خلال الوصاية الخارجية.

ويبدو أن هذه الفلسفة أصبحت الإطار الذي تتحرك ضمنه السياسة الأميركية في سوريا، لكن لماذا هذا التحول؟ الجواب يكمن في أن واشنطن تدرك أن تراجع النفوذ الإيراني، مهما كان حجمه، لن يحقق استقراراً دائماً إذا تُركت سوريا ضعيفة، فالفراغ في الشرق الأوسط لا يبقى فراغاً، بل تملؤه سريعاً الميليشيات أو التنظيمات المتطرفة أو القوى الإقليمية، لذلك أصبح الهدف الأميركي لا يقتصر على تقليص النفوذ الإيراني، بل على بناء دولة سورية قادرة على منع عودة أي نفوذ خارجي يعتمد على ضعف مؤسسات الدولة.

ومن هنا يمكن فهم طبيعة الدعم الذي تتلقاه دمشق اليوم، فهو ليس دعماً سياسياً فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد والأمن، باعتبار أن استقرار الدولة لا يتحقق إلا بتكامل هذه العناصر.

اقتصادياً، يمثل رفع العقوبات نقطة التحول الأبرز، فالعقوبات لم تكن تمنع الاستثمارات فحسب، بل كانت تعوق إعادة الإعمار، وتحد من قدرة المؤسسات المالية والشركات الدولية على العمل داخل سوريا، واليوم، يفتح رفعها الباب أمام مشروعات كبرى في الكهرباء والطاقة والمياه والنقل والصناعة والإسكان.

ولا تقتصر أهمية هذه المشروعات على تحسين حياة السوريين أو إعادة تشغيل الاقتصاد، بل تحمل بعداً استراتيجياً أوسع، فقد استخدمت إيران خلال السنوات الماضية الطاقة والوقود وشبكات التمويل كوسائل لترسيخ نفوذها السياسي في سوريا ولبنان والعراق، أما اليوم، فإن بناء قطاع طاقة حديث، واستقطاب الاستثمارات، وربط سوريا اقتصادياً بتركيا ودول الخليج والأسواق الإقليمية، من شأنه أن يحد تدريجياً من قدرة أي طرف على استخدام الطاقة أو الاقتصاد كورقة ضغط سياسي، وبذلك، تصبح التنمية الاقتصادية جزءاً من معادلة الأمن والاستقرار، وليس مجرد هدف اقتصادي.

وفي الجانب الأمني، تبدو الرؤية الأميركية مكملة للمسار الاقتصادي. فلا استثمارات من دون أمن، ولا أمن من دون مؤسسات دولة قادرة على فرض القانون، ولذلك يبرز دعم مؤسسات الدولة، وتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، والمساهمة في بناء جيش وطني محترف، باعتبارها عناصر أساسية لضمان استقرار سوريا على المدى الطويل، والحفاظ على الهزيمة الدائمة لتنظيم داعش، ومنع عودة أي جماعات مسلحة أو ميليشيات لملء الفراغ.

غير أن الرؤية الأميركية لا تتوقف عند الحدود السورية، بل تنظر إلى سوريا باعتبارها جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، فإذا نجحت دمشق في استعادة عافيتها السياسية والاقتصادية والأمنية، فإنها لن تكون مجرد دولة خرجت من الحرب، بل قد تتحول إلى عنصر استقرار في المشرق العربي.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل التغيرات التي تشهدها المنطقة، فمع تراجع النفوذ الإيراني أو انحسار دور بعض الميليشيات في عدد من الساحات، ستكون هناك حاجة إلى دول مستقرة قادرة على المساهمة في حفظ التوازن الإقليمي، وقد تصبح سوريا، إذا نجحت في إعادة بناء مؤسساتها، جزءاً من هذا التوازن، سواء في علاقتها مع لبنان أو مع جوارها العربي بشكل عام.

لكن هذه الرؤية، مهما كان حجم الدعم الدولي لها، تبقى مرتبطة أولاً وأخيراً بما ستفعله الدولة السورية نفسها، فلا يمكن لأي دعم خارجي أن يكون بديلاً عن مؤسسات قوية، أو عن إدارة كفوءة، أو عن نظام حكم متوازن يمثل جميع مكونات الشعب السوري، ويعزز سيادة القانون، ويحارب الفساد، ويعيد ثقة المواطن والمستثمر بالدولة.

وهنا يبدو أن الرئيس أحمد الشرع يدرك أن نجاح المرحلة المقبلة لن يُقاس فقط بإعادة الإعمار أو بتحسن المؤشرات الاقتصادية، بل بقدرته على بناء دولة حديثة تمتلك مؤسسات فاعلة، وجيشاً وطنياً محترفاً، واقتصاداً منتجاً، وعلاقات متوازنة مع محيطها. فكلما نجحت سوريا في هذا المسار، تراجعت الحاجة إلى أي نفوذ خارجي، وازدادت قدرتها على استعادة دورها الطبيعي في المنطقة.

وربما للمرة الأولى منذ عقود، تلتقي مصالح الولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج وأوروبا مع المصلحة الوطنية السورية حول هدف واحد: قيام دولة سورية مستقرة وموحدة وقادرة على الحياة، ولا يعني ذلك أن الطريق أصبح سهلاً، فالتحديات السياسية والاقتصادية والأمنية لا تزال كبيرة، لكن الاختلاف اليوم يكمن في أن المجتمع الدولي لم يعد يتحدث فقط عن إدارة الأزمة السورية، بل عن إنهائها من خلال بناء الدولة.

إذا نجحت هذه المقاربة، فلن يكون التغيير مقتصراً على سوريا وحدها، بل قد يمتد أثره إلى مجمل التوازنات في الشرق الأوسط، لتبدأ مرحلة جديدة يكون عنوانها بناء الدول ومؤسساتها بدلاً من الصراعات التي أنهكت المنطقة لعقود، وقد تكون هذه هي الفرصة التاريخية التي تستعيد فيها سوريا مكانتها الطبيعية، لا كساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية، بل كدولة مستقرة تسهم في أمن وازدهار المنطقة بأسرها.
----------
صحيفة الثورة


بسام بربندي
الاربعاء 29 يوليو 2026