تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

الأسدية: ولادة المجرم السفاح

10/05/2026 - أحمد برقاوي

في أهمية مدوّنة

10/05/2026 - عمر كوش

حُفرة التضامن... حيث سقطت النخب

10/05/2026 - عالية منصور

إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى

07/05/2026 - عبد الرحمن الراشد

"الحزب" يرفض دخول تفاوض لن يُدعَى إليه

29/04/2026 - عبدالوهاب بدرخان

في التيه العلوي

27/04/2026 - حسام جزماتي


تجربة الأرجنتين السيئة من الصويا المهندسة وراثيا بعد عشرين عاما من المعاناة





بوينوس آيرس -
كلوديا ريجينا مارتينيز

- في واحدة من أسرع مرات تمرير القوانين، تمكن وزير الزراعة الأرجنتيني السابق فيليبي سولا في آذار/ مارس 1996، بعد 81 يوما فقط من طرح الموضوع، من السماح بإنتاج وبيع الصويا المهندسة وراثيا في الأرجنتين، وهو القرار الذي غير الهيكل الانتاجي للبلاد بشكل جذري.


 
ولم يكلف المسؤول الجهات المعنية أو المستقلة بإجراء الدراسات الملائمة حول الآثار المترتبة على هذا الأمر سواء على البشر أو على البيئة، بل استند في قراره على الخطط التي قدمتها شركة مونسانتو الأمريكية العالمية، والتي كانت من ضمن الأطراف المستفيدة نظرا لكونها الشركة التي تتاجر في الحبوب المهندسة وراثيا ومبيد راوند آب الذي يستخدم معها.

ومنذ ذلك الحين شهدت البلاد طفرة اقتصادية ضخمة انتفع منها منتجون للمواد الزراعية والغذائية وعدة حكومات حيث شعر الجميع بالامتنان من سيول الأموال التي جلبتها عمليات التصدير، ولكن الآثار المدمرة التي نجمت عن هذا القرار على صحة سكان مناطق زراعة الصويا المعدلة وراثيا بدأت في الظهور بعدها بـ20 عاما.

ومن ثم على هذا النحو لم يظهر أي شيء بخصوص الموضوع إلا العام الماضي، حينما اعترفت منظمة الصحة العالمية بأن الجليفوسات، المكون الرئيسي لمبيد راوند آب ، الذي يستخدم مع الصويا المعدلة وراثيا والأكثر شيوعا على الصعيد العالمي يعد من ضمن المواد المسرطنة. ويلخص الطبيب الألماني داميان فيرزينياسي، الذي يحقق في الموضوع منذ سنوات بجامعة روساريو للعلوم الطبية، الوضع بالصورة التالية: "كانت الأراضي في وقت سابق منتجة للغذاء فأصبحت في الوقت الحالي منتجة للأمراض". وتعد الصويا المعدلة وراثية مقاومة للجليفوسات، وبالتي فإنه يمكن رش الحقل بأكمله حيث لن يقدر سواها على الحياة. في الوقت الحالي ووفقا لوزارة الزراعة والماشية والصيد فإن 60% من الأراضي القابلة للزراعة في الأرجنتين مغطاة بالصويا المعدلة وراثيا، والتي انتشرت بدلا من المزروعات التقليدية بل وتسببت في تراجع تربية الماشية.

وعلى عكس ما وعدت به دراسة الشركة الأمريكية فإنه عاما تلو الأخر أصبح من الضروري زيادة جرعة الكيماويات الزراعية المستخدمة لمقاومة الأمراض. وفي الوقت الحالي يستخدم أكثر من 300 مليون لتر سنويا لرش حقول الصويا، وفقا لبيانات شبكة أطباء الشعوب ضحايا الرش بالمبيدات.

ولا تزال مونسانتو تؤكد على موقعها الالكتروني أن الجليفوسات "ليس له آثار ضارة على الحيوانات أو الكائنات المجهرية أو صحة الإنسان أو البيئة حينما يستخدم بالشكل المناسب وللأغراض الموضحة على ملصق العبوة".

وبدأت الكثير من المجموعات والمنظمات منذ سنوات حملات للفت الانتباه للآثار المحتملة لعمليات رش الحقول على سكان المناطق الموجودة بها ومن ضمنها منظمة "أمهات ايتوزاينجو" و"شبكة أطباء شعوب ضحايا الرش" وحملة "اوقفوا رش منطقة لاس اسكويلاس".

بعدها جاءت الدراسات العلمية ومن ضمنها تلك الرائعة التي أجراها الطبيب أندريس كاراسكو والتي أظهرت الآثار السلبية للجليفوسات على نمو الفقاريات.

ويمتلك زميله فيرزينياسي قاعدة بيانات تضم معلومات صحية تخص 25 بلدة من المنطقة المنتجة للصويا والمنتشرة بالأخص في مقاطعات سانتا فيه وكوردوبا وانتري ريوس وبوينوس آيرس.

وحصل الطبيب على هذه البيانات استنادا إلى الحملات الصحية التي يرسل إليها الطلاب الذين أوشكوا على الحصول على شهادة التخرج وذلك لكشف المشكلات الصحية التي قد تعاني منها بلدة بعينها.

وتمكنت هذه الحملات المستمرة منذ ست سنوات من جمع بيانات لأكثر من 85 ألف شخص وتتضمن استطلاعات من منزل إلى منزل للتعرف على مشاكل الصحة العامة وأسباب الوفاة في أخر 20 عاما.

وتوصل فريق عمل الباحث الألماني لبيانات حاسمة مفادها أنه "إذا كان السبب الرئيسي للوفيات على الصعيد الوطني هو أمراض القلب وبعدها في المركز الثاني الحوادث، فإن هنا كانت الصدارة للسرطان أو الأمراض القلبية يليها بفارق ضئيل للغاية المرض الخبيث".

وعقب الحصول على البيانات الكافية، تم إجراء تحليل إحصائي مدهش حيث قال الطبيب في حوار مع وكالة الأنباء الألمانية(د. ب. أ) "تمكنا من إثبات أن زيادة حالات السرطان لكل 100 ألف مواطن لم يكن نموا أفقيا بل رأسيا، بل وإنه خلال السنوات الخمس الأخيرة تساوى كم حالات السرطانات مع إجمالي السنوات العشر السابقة".

وعثر الباحثون على حالات إصابة كثيرة بسرطان الرئة والكبد والمعدة والثدي، بل وأيضا الدم والغدد الليمفاوية بل وسرطان الأعصاب، حيث أن كل تلك الأنواع الأخيرة لم تكن موجودة سابقا.

واكتشف الفريق الطبي أيضا أن القصور الدرقي أصبح مرضا مزمنا شائعا، هذا بخلاف زيادة نسبة الأمراض المرتبطة بالجهاز التنفسي والأمراض الجلدية، فيما أن مؤشرات زيادة الوزن ارتفعت لدى الأطفال عن المتوسط الساري في باقي أنحاء البلاد، بخلاف ارتفاع معدلات الإجهاض المفاجئ وأيضا الأمراض العصبية مثل الشلل الرعاش والزهايمر، بالنسبة للأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 55 عاما.

وتكررت هذه البيانات في كل البلدات التي شملتها الدراسة. ما الذي يحدث؟ يجيب الطبيب "في الفترة التي قيمنا فيها الأمر تغيرت أشكال المرض والوفاة في تلك المناطق السكنية ولكن أيضا شكل الانتاج تغير بشكل جذري، فكل هذه المناطق التي شملتها الدراسة كانت وسط أماكن ترتبط بالإنتاج الزراعي القائم على الهندسة الوراثية".

بمعنى أخر أن كل هذه المناطق كانت تتواجد في أماكن زراعة الصويا المعدلة وراثيا حيث يتم رش الحقول أربع مرات سنويا على الأقل بالجليفوسات.

يضيف الباحث "بدأنا في البحث ورأينا الكيماويات الكثيرة التي تستخدم وأصبح ثابتا أنها مرتبطة بالتغيرات في الوظائف البيولوجية التي تتعرض لها وظائف أجهزة الجسد".

ومنذ 1996 وحتى 2013 زادت مبيعات الكيماويات الزراعية بنسبة 848%، وفقا لفيرزينياسي، كما أن مساحة السطح المزروع زادت بنسبة 50% وهو الأمر الذي يجعل الطبيب لا يرى مجالا للشك في وجود علاقة بين المبيدات الزراعية للصويا المعدلة جينيا والأمراض.

ويرى الطبيب أن ما يحدث عبارة عن خلل في النظام الغددي المسؤول عن عمل وظائف جسم الانسان حيث يقول "سرطانات اليوم ليست بسبب السموم الزراعية التي استخدمت بالأمس. إنها بسبب عملية تراكمات لآثار مضرة على الصحة وعلى أجسادنا في آخر جيلين، ولكن على وجه الخصوص في أخر 25 عاما".

ويتساءل الباحث "ما الذي سيعنيه الأثر الدائم لهذه الكيمياء المسممة جينيا على البنية الخلوية بالنسبة لأبنائنا، إذا تمكننا من امتلاك أبناء، أو أحفادنا إذا ما تمكن أبناؤنا من انجابهم؟ سيعني حضورا وثقلا أكبر للأمراض داخل المجتمع".

ويعد فيرزينياسي من أكثر الأصوات التي تحظى بالاحترام داخل المؤتمرات والندوات العلمية المتعلقة بالموضوع، لدرجة أنه لفت انتباه الباحثة ومخرجة الأفلام الوثائقية الفرنسية ماري مونيك روبين صاحبة فيلم (العالم وفقا لمونسانتو)، والتي تسجل في الوقت الحالي أنشطة حملة صحية جديدة في باسافيلباسو بمقاطعة إنترى ريوس.

ويرى منظم المؤتمر الدولي للصحة الاجتماعية البيئية والشريك في تأسيس اتحاد العلماء الملتزمين بالمجتمع والطبيعة في أمريكا اللاتينية أن أهم شيء في كل هذه الدراسة هو إثارة نقاش حول شيء لم يكن محلا للنقاش منذ سنوات، هذا بخلاف زيادة توعية الشعب.

وظهرت مؤخرا حملات مثل "مالا سانجرى" أو (الدم السيء) التي تدعو لضرورة عدم العيش في الريف للابتعاد عن أضرار الكيماويات الزراعية، فيما عثرت دراسة على الجليفوسات في مياه الأمطار بعيدا عن مناطق الرش، ثم ظهرت مؤخرا أنباء عن العثور على المبيد الزراعي في القطن والفوط الصحية النسائية.

يقول فيرزينياسي "إذا ساروني شك حيال توافر وقت كاف للقيام بشيء ما، لما كنت فعلت ما فعلته. صحيح أننا في وضع سيء للغاية ولكن أعتقد أن الوقت لا يزال يسمح بإيقاف الأمر. علينا فقط استعادة انسانيتنا والتخلي عن براجماتية السوق".

كلوديا ريجينا مارتينيز
الثلاثاء 12 يوليو 2016