تحرير ترهونة.. سقوط أكبر تهديد لطرابلس بالمنطقة الغربية




إذا كان سقوط المطار القديم المفتاح الذي أدى لانهيار كامل مليشيا الجنرال الانقلابي خليفة حفتر في جميع محاور القتال بالعاصمة الليبية طرابلس خلال ساعات فقط، فإن سقوط مدينة ترهونة، الجمعة، هو مفتاح سيطرة القوات الحكومية على كامل المنطقة الغربية.


فترهونة (90 كلم جنوب شرق طرابلس) آخر مدينة كبيرة بين مدن غلاف طرابلس التي تم تحريرها؛ مما يعني تأمين العاصمة من أي هجمات قريبة.
وكانت ترهونة نقطة الارتكاز الرئيسية لمليشيا حفتر في المنطقة الغربية، خاصة بعد تحرير مدينة غريان (100 كلم جنوب طرابلس)، في 26 يونيو/حزيران 2019، التي احتضنت قبل هذا التاريخ غرفة العمليات الرئيسية للعدوان على طرابلس.
كما انتزعت ترهونة من مدينة الزنتان (170 كلم جنوب غرب طرابلس) قيادة مليشيا حفتر في المنطقة الغربية، بعد أن انقسمت كتائب الزنتان في 2016، بين مؤيد للحكومة الشرعية في طرابلس بقيادة أسامة جويلي، وبين مناصر لحفتر بقيادة إدريس مادي، الذي خسر قاعدة الوطية الجوية الاستراتيجية (140 كلم جنوب غرب طرابلس)، في 18 مايو/أيار الماضي.
** كيف سقطت ترهونة؟
لم يكن أحد يتصور أن تسقط ترهونة بهذه السرعة في يد القوات الحكومية، خاصة أنها تمثل قاعدة رئيسية لمليشيا حفتر في المنطقة الغربية، وأخفقت عدة عمليات عسكرية للجيش الليبي في اقتحامها سواء من الشرق عبر منطقة الداوون أو من الشمال عبر مناطق العبانات وسوق الجمعة.
وامتلاك ترهونة لمنظومات دفاع جوي "بانتسير" صعّب في السابق مهمة اقتحامها، قبل أن تتمكن الطائرات المسيرة للقوات الحكومية من تدميرها في مايو الماضي.
لكن أهم سبب وراء الانهيار السريع لدفاعات ترهونة، يتمثل في تحرير طرابلس بالكامل، الخميس، وفرار مليشيا حفتر القادمة من الشرق ومعها مرتزقة من تشاد والسودان باتجاه مدينة بني وليد (180 كلم جنوب شرق طرابلس) وقاعدة الجفرة الجوية (650 كلم جنوب شرق طرابلس).
وزلزال تحرير العاصمة وصلت ارتدادته إلى ترهونة في نفس اليوم؛ حيث انهارت دفاعات مليشيا حفتر في بلدات النواحي الأربعة (سوق السبت، السبيعة، سوق الخميس امسيحل، سوق الأحد)، والتي كانت تمثل خط الدفاع الأول عن ترهونة بعد سقوط طرابلس.
بل إن طلائع القوات الحكومية وصلت مساء الخميس، إلى منطقة فم ملغة، المدخل الغربي لترهونة، لأول مرة منذ بداية العدوان، واقتربت إلى مسافة غير بعيدة عن وسط المدينة، بحسب ناشطين إعلاميين موالين للحكومة الليبية.
لكن حسابات موالية للواء التاسع ترهونة، قالت إنها صدت هجوم القوات الحكومية واستعادت فم ملغة وحتى معسكر في سوق الخميس امسيحل، الذي يضم مهبطا لطائرات عمودية ومسيرة في منطقة مشروع أبو عائشة الزراعي.
كما أن الجبهات الشمالية لترهونة بقيت صامدة، رغم أن هجوم القوات الحكومية بدأ هناك بالتزامن مع عملية تحرير مطار طرابلس القديم، الأربعاء، بهدف منع اللواء التاسع من إرسال تعزيزات لمليشيا حفتر بالعاصمة.
وحشدت مليشيا اللواء التاسع أنصارها، مساء الخميس، وسط ترهونة استعدادا لمواجهة عنيفة مع القوات الحكومية، التي تقدمت فجر الجمعة، من أربع محاور، لكن المحور الشرقي القادم من مدينة مسلاتة (100 كلم شرق طرابلس) كان أكثر تقدما من وسط ترهونة.
وتمكنت القوات الحكومية من السيطرة على الداوون (5 كلم شرق ترهونة)، البوابة الشرقية للمدينة، بدون مقاومة شديدة.
قبل أن تنسحب مليشيا اللواء التاسع بالكامل من ترهونة بأسلحتها الثقيلة نحو مدينة بني وليد، بعد أوامر من قادتها ودعوات من أعيانها ومثقفيها لتجنيب المدينة دمارا وخسائر في الأرواح والممتلكات في معركة خاسرة مسبقا، حسب ناشطين إعلاميين ليبيين.
كما سيطرت القوات الحكومية، الجمعة، على بلدة العربان (130 كلم جنوب طرابلس) والواقعة بين غريان وترهونة، والتي كانت نقطة تحشيد لمليشيا حفتر لاستهداف غريان من الجهتين الشرقية والجنوبية.
** ماذا تبقى في المنطقة الغربية خارج سيطرة الحكومة؟
بعد تحرير مدن الساحل الغربي، وقاعدة الوطية الجوية، والعاصمة وترهونة، وبلدات النواحي الأربعة، ومدينة و3 بلدات بالجبل الغربي، لم يعد خارج سيطرة القوات الحكومية في المنطقة الغربية (إقليم طرابلس) سوى أجزاء في الشرق والجنوب ومناطق متأرجحة بالجبل الغربي.
وتمثل مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس) مركز تحشيد رئيسي لمليشيا حفتر، والمنطقة الممتدة بين الوشكة (غرب سرت) وأبو قرين (جنوب شرق مدينة مصراتة) تجري فيها اشتباكات منذ أسابيع، بعد استيلاء مليشيا حفتر عليها، في يناير/كانون الثاني الماضي.
أما بني وليد، رغم أنها تعتبر نفسها مدينة محايدة، إلا أن مليشيا حفتر تسيطر على مطارها المدني وتستخدمه لأغراض عسكرية، وكقاعدة خلفية لها للإمداد والعبور نحو قاعدة الجفرة الجوية (وسط)، رغم رفض أعيان المدينة تواجد مسلحي حفتر بها.
وفي الجبل الغربي، ما زالت مدينتا الزنتان والرجبان، منقسمتا الولاء بين حفتر والحكومة الشرعية، تحتضنان أعدادا كبيرة من مسلحي المليشيا الفارين من قاعدة الوطية الجوية، والذين يمثلون تهديدا مستمرا لمدن وبلدات الجبل، خاصة وأنهم انسحبوا من الوطية بأسلحتهم الثقيلة، وقد يتم احتواؤهم عبر الحوار الاجتماعي داخل القبيلة الواحدة.
واتضح ذلك بعد إعادة سيطرتهم على مدينة الأصابعة (120 كلم جنوب طرابلس) في 1 يونيو/حزيران الجاري، بعد 10 أيام من تحريرها، وكذلك في منطقتي القضامة وغوط الريح جنوب غريان.
المنطقة الرابعة، التي يتركز فيها مسلحو حفتر بإقليم طرابلس، تتمثل في المنطقة الجنوبية، وبالأخص مدينتا مزدة (180 كلم جنوب طرابلس) والشويرف (415 كلم جنوب طرابلس)، واللتين تمثلان نقطتي عبور مهمتين لمليشيا حفتر من قاعدة الجفرة نحو بني وليد وترهونة.
لكن الشويرف تكتسي أهمية استراتيجية أكبر بالنسبة للحكومة الليبية، إذ بها صمام لمياه النهر الصناعي الذي يغذي سكان طرابلس، وطالما استُخدم هذا الصمام في ابتزاز الحكومة عبر قطع المياه عن العاصمة، خاصة وأن المدينة غالبية سكانها من قبائل المقارحة الموالين لنظام القذافي السابق، والمتحالفين مع حفتر.
ومن المتوقع أن تسيطر القوات الحكومية على مزدة والشويرف في المرحلة المقبلة، إذا لم يتمكن سكان المدينتين من طرد مسلحي حفتر المتواجدين بها، وحينها لن يكون بإمكان مليشيا حفتر إرسال إمدادات إلى المنطقة الغربية أو حتى الانسحاب منها.
** ما هو الهدف القادم لقوات الحكومة الليبية؟
قد تلجأ القوات الحكومية إلى مطاردة عناصر حفتر الفارين إلى بني وليد، وإنهاء سيطرتهم على مطارها، خاصة وأنهم ينسحبون بشكل فوضوي وغير منظم نحوها.
كما تمثل سرت أقرب هدف للقوات الحكومية في المرحلة المقبلة، ومن المتوقع أن تبدأ قريبا عملية تحرير المدينة، بحسب ما أعلن عنه في وقت سابق قائد غرفة عمليات سرت - الجفرة العميد إبراهيم بيت المال.
باعتبار أن مليشيا حفتر في سرت تمثل أكبر تهديد لمدينة مصراتة (200 كلم شرق طرابلس).
والسيطرة على سرت سيفتح الطريق نحو تحرير قاعدة الجفرة الجوية، والبلدات الخمس للمحافظة التي تحمل نفس اسم القاعدة (هون، ودان، سوكنة، الفقهاء، زلة).
والمعروف أن قاعدة الجفرة تعتبر مفتاح لتحرير كامل إقليم فزان في الجنوب الغربي، لتنطلق بعدها مرحلة السيطرة على إقليم برقة بداية من الموانئ النفطية.
ورغم انسحاب أغلب مليشيا حفتر القادمة من الشرق إلى قاعدة الجفرة، فإن مسلحيها خاصة من ترهونة والزنتان، ومن أنصار نظام القذافي والمدخليين، ما زالوا يشكلون تهديدا حقيقيا للحكومة الشرعية في المنطقة الغربية، ويتحينون الفرصة للعودة إلى المدن التي كانوا يسيطرون عليها.

مصطفى دالع / الأناضول
السبت 6 يونيو 2020