عرقلة مسار العدالة الانتقالية.. أولى الرسائل

أعاد التفجير الأخير في دمشق النقاش حول مستوى التحديات الأمنية التي تواجه سوريا، بعدما شهدت العاصمة وعدد من المحافظات فترة من الاستقرار النسبي.
وبين من يربط العملية بالتحولات الإقليمية، ومن يقرأها بوصفها خرقًا أمنيًا يستهدف مسار العدالة الانتقالية، تتباين زوايا النظر إلى الحدث.
الكاتب السياسي درويش خليفة، يرى أن سوريا شهدت خلال الفترة الماضية حالة استقرار أمني جيدة، إلا أن التحولات الإقليمية المتسارعة، والحرب الإيرانية- الإسرائيلية، وتدخل حزب الله فيها، إلى جانب التصريحات الأميركية التي طالبت السلطات السورية بالتدخل في لبنان، كلها عوامل يمكن أن تنعكس على أمن واستقرار أي دولة في المنطقة.
ويلفت إلى أن الاستهداف لم يوجَّه إلى شخصيات سياسية، وإنما طال موقعًا يرتبط بمنظومة العدالة والقضاء، في وقت تشهد فيه سوريا محاكمات لرموز النظام السابق، معتبرًا أن أطرافًا إقليمية وقوى فاعلة، من بينها حزب الله والميليشيات الولائية العراقية، تضررت من سقوط نظام الأسد، ما يجعل احتمال تكرار مثل هذه العمليات قائمًا.
ويضيف أن العملية تحمل طابعًا استخباراتيًا واضحًا، إذ تشير إلى وقوف جهات تمتلك خبرات أمنية ومخابراتية وراء التخطيط والتنفيذ، بهدف توجيه رسالة بأنها قادرة على اختراق المنشآت المرتبطة بالمحاكمات، وزعزعة الأمن والاستقرار، وعرقلة المضي في مسار العدالة الانتقالية، ليخلص إلى أن المسألة، في جوهرها، قضية أمنية واستخباراتية أكثر منها سياسية.

رسالة تتجاوز البعد الأمني

من جانبه، يرى الباحث الأول في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، الدكتور سمير عبد الله، أن التفجير يحمل رسالة تتجاوز البعد الأمني المباشر.
ويعتبر أن المنطقة تشهد إعادة تشكيل للتحالفات والسياقات، وأن هناك من يسعى إلى ضرب المسارات الجديدة المتعلقة بسوريا، سواء في علاقاتها العربية والدولية، أو في جذب الاستثمارات، أو في مسارات بناء الدولة والعدالة الانتقالية.
ويضيف أن رسائل التفجير لا تقتصر على إيقاع الضحايا، بل تشمل إثارة الفوضى، وضرب الثقة بالأمن، وإخافة المستثمرين، وإبطاء التعافي الاقتصادي، لأن استمرار الفقر والبطالة واليأس يوفر بيئة مناسبة لاستقطاب عناصر جديدة، مؤكدًا أن مواجهة الإرهاب لم تعد أمنية فقط، بل أصبحت أيضًا معركة استقرار اقتصادي، وبناء مؤسسات، وتعزيز ثقة السوريين بالدولة.

 ماذا يقول توقيت التفجير؟

جاء التفجير في توقيت سياسي لافت، تزامن مع زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى لبنان، وترقب انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب يوم الاثنين 6 من تموز، إلى جانب الحديث عن زيارة مرتقبة للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ما فتح باب التساؤلات حول الرسائل التي يحملها هذا التوقيت.
وهنا، يستبعد درويش خليفة وجود صلة مباشرة بين العملية وزيارة وزير الخارجية إلى لبنان، معتبرًا أنه لا يوجد رابط منطقي بين الزيارة واستهداف المقهى الواقع في محيط العدلية، والذي يرتاده عادة محامون ومعقبو معاملات.
ويرجح أن ترتبط العملية بعوامل داخلية أو بجهات متضررة من عودة الاستقرار الأمني، ولو بصورة نسبية، إلى محافظات مثل دمشق وحلب وحمص وحماة وإدلب، معتبرًا أن الهدف يتمثل في إرباك المشهد الأمني وتوجيه رسالة مفادها أن الاستقرار لا يزال هشًا وقابلًا للاختراق.

 من المستفيد؟

يطرح التفجير تساؤلات حول الجهات المستفيدة من زعزعة الاستقرار، خاصة وأنه لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن تبني الحادثة حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
في وقت حظيت فيه الحكومة السورية بموجة واسعة من الإدانات والتضامن العربي والدولي، الأمر الذي يفتح النقاش حول انعكاسات ذلك على المرحلة المقبلة.
ويرى الكاتب السياسي درويش خليفة أن المستفيدين من هذا الخرق الأمني متعددون، ومن بينهم شخصيات موقوفة تخضع للمحاكمة على خلفية ارتباطها بالنظام السابق، ودول كانت تدعم نظام بشار الأسد، إلى جانب تيارات لا تزال تنشط في الخفاء وتسعى إلى إرباك المشهد الأمني.
ويضيف أن تنظيم “الدولة”، يعد أيضًا من المستفيدين من أي حالة فوضى أو تراجع أمني، حتى وإن لم تتوافر حتى الآن مؤشرات تؤكد وقوفه وراء العملية.
ويشير إلى أن المعلومات المتداولة من داخل قصر العدل في دمشق تفيد بأن الخطة كانت تقوم على ثلاث مراحل، تبدأ باستهداف المقهى، ثم التسلل عبر الجهة اليسرى، وصولًا إلى تنفيذ أعمال إرهابية وتفجيرات داخل قصر العدل، معتبرًا أن المنفذين نجحوا في تحقيق جزء من أهدافهم عبر توجيه ضربة للثقة بالوضع الأمني، بينما أخفقوا في استكمال كامل المخطط.
أما الدكتور سمير عبد الله، فيعتبر أن أطرافًا عدة قد تستفيد من زعزعة الاستقرار في سوريا، من بينها تنظيم “الدولة الإسلامية”، وبقايا النظام السابق، وأطراف إقليمية وشبكات مرتبطة بها.
ويعتقد أن المؤشرات المتاحة ترجح بدرجة كبيرة وقوف تنظيم “الدولة” وراء الهجوم، في ضوء نشاطه خلال الفترة الماضية في الرقة وريف حلب، موضحًا أن التنظيم يسعى إلى تأكيد أنه ما يزال قادرًا على تنفيذ هجمات في العمق السوري.
كما يحاول استثمار حالة السخط لدى بعض الفئات الرافضة لانفتاح الحكومة السورية على الغرب وتحالفاتها الإقليمية الجديدة، بهدف إعادة بناء شبكات التجنيد والاستقطاب، وفقًا لعبد الله.
وأشار إلى التضامن العربي والدولي الواسع مع الحكومة السورية عقب التفجير، يعكس وجود مصلحة إقليمية ودولية في استقرار سوريا ومنع عودتها إلى الفوضى.
ويرى أن هذا الموقف يعزز موقع الحكومة سياسيًا ويمنحها دعمًا أكبر في مواجهة التحديات الأمنية، لكنه في الوقت نفسه يضاعف مسؤوليتها في حماية الاستقرار وتسريع بناء مؤسسات الدولة.

حادثة أمنية أعقبت التفجير

بالتوازي مع تفجير دمشق، أصيب ثلاثة عناصر من قوى الأمن، صباح يوم الجمعة 3 من تموز، في هجوم استهدف حاجزًا أمنيًا عند مدخل مدينة جرمانا بريف دمشق، قبل أن يُقتل المهاجم بانفجار قنبلة يدوية كان يحاول إلقاءها.
ونقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن مصدر أمني أن عناصر الحاجز أوقفوا شخصين كانا يستقلان دراجة نارية للتثبت من هويتيهما، قبل أن يبادر أحدهما إلى سحب مسدس وإطلاق النار، ثم إلقاء قنبلتين يدويتين باتجاه الحاجز، ما أسفر عن إصابة ثلاثة عناصر بجروح.
وأضاف المصدر أن المهاجم حاول إلقاء قنبلة يدوية ثالثة، إلا أنها انفجرت به، ما أدى إلى مقتله على الفور.
وبحسب ما نقلت قناة “الإخبارية السورية”، تبيّن بعد التعرف إلى هويته أنه يدعى دانيال رياض داوود، وهو مطلوب في قضايا قتل والاتجار بالمواد المخدرة، فيما ألقت القوى الأمنية القبض على الشخص الذي كان برفقته، ولا تزال التحقيقات مستمرة لكشف ملابسات الحادثة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
---------
عنب بلدي اونلاين