تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

السعار العقاري في سوريا بين المضاربة والفوضى

19/06/2026 - طالب عبد الجبار الدغيم

من يضلل من؟ في قضية الذكاء الإصطناعي

12/06/2026 - رزان نعيم المغربي

"الترند" والمشكلة.. وماذا بعد؟

04/06/2026 - مضر رياض الدبس

كتيبة الليث حجو تقطع الحبل السري للثورة

04/06/2026 - د.عبد القادر المنلا


السعار العقاري في سوريا بين المضاربة والفوضى




يجلس أبو فهد، وهو موظف متقاعد تجاوز الخامسة والخمسين، في أحد مقاهي دمشق، يتابع إعلانات العقارات على هاتفه المحمول. وقبل أشهر قليلة كان يفكر جدياً في شراء شقة صغيرة لابنه الذي ينوي تزويجه في حال عودته من كندا بعد غربة طويلة، غير أنه اليوم أصبح يتابع أسعار البيوت والشقق السكنية كما يتابع الناس أخبار الطقس أو أسعار الذهب.


 وفي كل مرة يفتح إعلاناً جديداً يجد العبارة ذاتها تتكرر بصيغ مختلفة: “لا تتردد”، “عقار لقطة”، “فرصة العمر”، “الأسعار في ارتفاع”، “يا بتلحق هل فرصة.. يا ما بتلحق”. وبعد ذلك يغلق هاتفه ويُتمتم بحسرة وحزن: “ما عاد في شي مفهوم … كل يوم سعر شكل، وكل واحد ببالغ في عروضه أكثر من الثاني”. 

في تقديري، تحولت هذه العبارات المتداولة في السوق العقارية السورية إلى جزء من المشهد اليومي الذي يختزل حالة القلق التي يعيشها السوريون اليوم. فهي عبارات لا تبيع عقاراً فحسب، وإنما تبيع شعوراً بالخوف؛ الخوف من الغد، ومن موجة غلاء جديدة، ومن فرصة يعتقد الناس أنها إذا ضاعت فلن تعود. ومع تكرار هذا الخطاب صباحاً ومساءً، يجد المواطن نفسه أمام سوق لا تمنحه فرصة كافية للتفكير أو المقارنة، وإنما تدفعه دفعاً إلى اتخاذ قرارات مصيرية تحت حالة القلق والاستعجال والخشية من أن يصبح ما هو بعيد المنال اليوم أكثر بعداً غداً.

ومن خلال متابعة المشهد العقاري السوري خلال الأشهر الأخيرة، يبدو واضحاً أن الحديث عن العقار أصبح حديثاً عن استقرار الأسرة السورية نفسها، أي عن زواج الأبناء، وعودة المغتربين، وقدرة الناس على البقاء في وطنهم بحد أدنى من الاستقرار والأمان. فالبيت الذي كان في الوعي السوري ثمرة سنوات طويلة من العمل والكفاح والادخار، ها هو بالنسبة لكثيرين حلماً يتراجع كلما اقتربوا منه. 

وأما الشقة الصغيرة التي كانت هدفاً واقعياً لأبناء الطبقة المتوسطة، نجد تكلفتها اليوم تثقل كاهل الأسر ويعجز عنه كثير من أصحاب الدخل المحدود، وبصورة عامة، بدا التملك العقاري في سورية الجديدة أقرب إلى الامتياز منه إلى الحق الطبيعي في السكن.

في دمشق والمناطق القريبة منها، وصلت أسعار المتر المربع في بعض الأراضي العقارية والشقق السكنية إلى أكثر من 1500 دولار أمريكي، وكما تجاوزت ذلك في مناطق ومواقع عديدة. وهذا الرقم، حين يقارن مع دخل موظف أو عامل أو صاحب مهنة بسيطة، يكشف مقدار الهوة بين السوق وحياة الناس. فكيف يستطيع شاب في بداية حياته أن يشتري منزلاً؟ وكيف يمكن لأسرة عائدة من المهجر أن تبدأ من جديد إذا كانت مدخرات سنوات طويلة تذوب أمام أسعار تتغير كل شهر وربما كل يوم؟

صحيح أن الظروف الاقتصادية العالمية، وآثار الحرب في سورية تركت آثاراً صعبة الواقع العقاري في سوريا. فقد تضررت أحياء مدن وبلدات ومزارع وقرى، وتغيرت الخريطة السكانية، وارتفعت تكاليف البناء والترميم، وفقدت العملة جزءاً كبيراً من قدرتها الشرائية. وكما أن كثيراً من الناس اتجهوا إلى العقار بوصفه وسيلة لحفظ ما تبقى من أموالهم. 

غير أن هذه الأسباب، على أهميتها، لا تفسر وحدها هذا السُّعار المتواصل في الأسعار. فالمشكلة الأعمق اليوم أن السوق العقارية دخلت في دائرة من المضاربة والفوضى والاستغلال. فالعديد من المشترين لا يسألون هذه الأيام عن المردود الحقيقي للعقار بقدر ما يسألون: هل سيرتفع سعره لاحقاً؟ والعديد من البائعين لا يحددون السعر استناداً إلى موقع العقار أو خدماته أو وضعه التنظيمي، وإنما استناداً إلى ما يعتقدون أن السوق قد يستوعبه في المستقبل. 

وهكذا يدخل السوق في دائرة مفرغة؛ ارتفاع يولد ارتفاعاً آخر، وتوقع يجر توقعاً جديداً، وبين هذا وذاك يبقى المواطن السورية المسكين خارج هذه المعادلة، فهو يراقب الأسعار وهي تبتعد عنه يوماً بعد يوم.

إن الأخطر هو غياب التنظيم، والذي يفتح الباب واسعاً أمام المبالغات والإعلانات المضللة والصفقات غير الواضحة. فلا توجد مرجعية سعرية واضحة يستطيع المواطن الرجوع إليها، ولا مؤشرات منشورة تكشف الأسعار الحقيقية، ولا رقابة كافية على الوسطاء والمسوقين، ولا تقييم مهني موثوق يميز بين السعر العادل والسعر الوهمي، وفي مثل هذا الفراغ يصبح التسويق هو الحكم والفيصل في البيع والشراء. 

إن أثر هذا الواقع لا يتوقف عند تكلفة العقارات، وإنما يصل إلى صميم الحياة الاجتماعية؛ فنجد شاباً يؤجل زواجه لأنه عاجز عن السكن، وأباً يبيع ما يملك ليساعد ابنه في شراء غرفة صغيرة ومنتفعاتها، وعائلة عائدة من الخارج تكتشف أن العودة تحتاج إلى ثروة جديدة، وموظف أمضى عمره في العمل، ولكنه يجد أن مدخراته لا تكفي إلا لمشاهدة الإعلانات. 

ولذلك تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة تنظيم السوق العقارية بصورة أكثر جدية ووضوحاً، ووضع قوانين حكومية ناظمة لها. فالمطلوب بناء منظومة حكومية رسمية شفافة (دائرة عقارات) توفر المعلومات الدقيقة، وتنظم عمل الوسطاء العقاريين، وتمنع الإعلانات المضللة، وتحارب البيوع الصورية والتزوير العقاري، والذي يرفع ترفع الأسعار بصورة جنونية، وكذلك تضع أسساً مهنية واضحة للتقييم العقاري. فضلاً عن وجود رؤية إسكانية وطنية تعيد التوازن بين حق المواطنين في السكن، وحق المستثمر في الربح المشروع. 

وبنهاية الأمر يمكن القول: العقار في سوريا اليوم هو أحد أهم مؤشرات الاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي للسوريين. وعندما يشعر المواطن أن امتلاك منزل بات أبعد من متناول يده مهما اجتهد وعمل وادخر وساوم وكافح، فإن القضية تتجاوز حدود السوق لتغدو قضية ثقة بمستقبل سورية الجديدة. 

وربما تنجح عبارة “يا بتلحق فرصتك يا ما بتلحق” في بيع شقة أو أرض اليوم، غير أنها لا تستطيع أن تؤسس لحالة تسويقية عادلة، ولا أن تحفظ حق الناس في السكن، ولن تمنح جيلاً كاملاً شعوراً بالأمان. وستكون الفرصة الحقيقية في إنقاذ السوق من الفوضى قبل أن تتحول أزمة السكن في سوريا إلى كابوس لكل من يعيش في سورية أو يرغب بالعودة إليها. 
-----------
صحيفة الثورة


طالب عبد الجبار الدغيم
الجمعة 19 يونيو 2026