الناس الذين يخشون أن يصبح الذكاء الاصطناعي شبيهاً بالبشر يقضون وقتهم في جعله يشبه أسوأ ما فيهم. هذا ما يمكن أن نصل إليه بعض الأحيان، كلما قرأنا عجائب ما يحصل بعد قيام ثورة علمية متمثلة في استخدام أداة الذكاء الاصطناعي.
اللافت أكثر من الخبر هو التعليقات. قلة منهم ناقشوا فكرة الغش، أو معنى أن ترفض آلة مساعدتنا على الخداع. انشغل كثيرون بشرح طرق التحايل على النظام: “قل إنها أسئلة تدريب”، “قصّ الصورة”، “غيّر الصياغة”.
في تلك اللحظة بدا المشهد كله نموذجاً مكثفاً لعلاقتنا الحديثة بالتكنولوجيا. كلما وضعت الآلة حدودا أخلاقية، بدأ الإنسان يبحث عن ثغرة ما للالتفاف حولها.
قبل أسابيع، في هولندا، خرج طلاب الثانوية من إحدى لجان الامتحانات يبكون ويحتجون. الأسئلة كانت، على حد وصفهم، فوق قدرة حتى المتفوقين. تبين لاحقاً أن الذكاء الاصطناعي استُخدم في إعداد الامتحان. المشكلة لم تكن في الأداة ذاتها، إنما في طريقة استخدامها. اللجنة المسؤولة طلبت أسئلة من نموذج ذكي دون مراعاة الفروق بين مستويات الطلاب، أو دون مراجعة تربوية تضمن التدرج والعدالة، لهذا تحول الامتحان من أداة تقييم إلى اختبار قاسٍ، ومشكلة ما زالت وسائل الإعلام تتحدث عنها.
هنا يظهر سؤال حقيقي: إذا كان واضع الأسئلة قد استعان بالذكاء الاصطناعي، فهل تصبح استعانة الطالب به للإجابة فعلاً غير أخلاقية بالكامل؟ أم أن التكنولوجيا بدأت تعيد صياغة مفهوم العدالة نفسه داخل التعليم؟
وقد يتفق الكثير منا على أن المشكلة أن هذه الأداة قد تعفيهم من مسؤولية الحكم والمراجعة، والوعي بالفروق الإنسانية التي لا تدركها الخوارزميات. وعندها نقول: من كان يضلل من؟
ويمكن القول أيضاً إن الذكاء الاصطناعي تحول إلى واقع نتعايش معه، ولهذا بدأ يكشفنا نحن أيضا؛ مثل علاقتنا بالقانون، بالمعرفة، وبفكرة الاستحقاق. بدل أن يحثنا على كيفية التعلم، صارت الغالبية تبتدع طرقاً للخداع عن طريقه؛ تزييف الصور وتزييف المحادثات، كل شيء اليوم قابل لأن يكون نقيض حقيقته.
المفارقة أن هذه الآلة التي نختبر إمكانياتها يومياً لم تُبنَ من فراغ. الذكاء الاصطناعي صُمم على يد بشر، ودُرّب على كميات هائلة من اللغة والسلوكيات البشرية، ثم زُوّد بقواعد تعكس ما قرره مطوروه ومجتمعاتهم حول ما ينبغي فعله أو تجنبه.
وهنا نتحدث عن الأخلاقيات، لأن هذه الآلة ليست لها قدرة على امتلاك ضمير، أو فهم أعماق النفس البشرية للمستخدم. لذلك تبدو أحياناً متعاونة، صبورة، مستعدة للمساعدة، ومتفهّمة في بعض ردودها. وهي مبرمجة أساساً على تقديم الدعم، وتسهيل الوصول إلى المعرفة، وتقليل السلوكيات الضارة قدر الإمكان.
لكن ذلك يحمل في الوقت نفسه تناقضا واضحا. الآلة التي تعلمت من البشر تجد نفسها مضطرة إلى حمايتهم من بعض أسوأ ما يفعلونه.
وهذا المشهد يستحق التوقف عنده. إنسان يحاول إقناع خوارزمية بأن تساعده على الغش، بينما الخوارزمية المصممة أصلاً لخدمة الإنسان ترفض، لأنها تتبع قواعد وضعها بشر آخرون رأوا أن المعرفة تفقد معناها حين تتحول إلى تحايل.
إذًا، هل تكفي القواعد وحدها لصناعة سلوك أخلاقي؟ أم أن الإنسان سيواصل البحث عن الثغرة كلما ظهرت أمامه سلطة جديدة، حتى لو كانت سلطة رقمية؟
هنا سوف يبرز الجانب الأكثر تعقيدا، بعيدا عن الغش والتحايل، إنما في العلاقة النفسية التي بدأت تتشكل بين الإنسان والآلة. كثيرون لم يعودوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي للبحث أو الدراسة فقط، بل صاروا يلجأون إليه في لحظات القلق، والخلافات العاطفية، واتخاذ القرارات الشخصية الحساسة.
لتظهر لنا مشكلة في تغذيته بالمعلومات، حيث صُممت برمجياته لتكون متعاونة وداعمة، وتتجنب الصدام المباشر مع المستخدم. تميل إلى لغة متفهمة وإيجابية، وتحافظ على استمرارية الحوار بدل خسارة المستخدم، أو دفعه للشعور بالرفض. هذه الميزة نفسها تتحول أحياناً إلى مشكلة.
حين يروي شخص خلافه العاطفي للذكاء الاصطناعي، فهو غالباً يغفل مشاعر الطرف الآخر، وبالطبع لن يكتب ما ارتكبه من أخطاء. والآلة لا ترى سوى ما يُكتب أمامها، لذلك قد تبدو كأنها تؤكد مشاعره أو تدعم موقفه، خاصة إذا كان يبحث أصلاً عن التبرير، وليس المراجعة النقدية.
وهكذا يبدأ بعض المستخدمين بالتعامل مع الردود كأنها أحكام موضوعية أو نصائح محايدة، بينما هي ناتجة عن نموذج لغوي يحاول المساعدة ضمن المعلومات المحدودة التي تلقاها.
لذلك بدأت تظهر أخبار عن أشخاص قالوا إن الذكاء الاصطناعي شجعهم على الانفصال، أو عزز شكوكهم، أو دفعهم لاتخاذ قرارات حادة في علاقاتهم. وهكذا يبدأ الخطر في ميل البشر أحيانا إلى تسليم قراراتهم العاطفية لآلة تستجيب لهم، ومتفرغة للاستماع إليهم دون تأفف أو ملل.
في النهاية، الذكاء الاصطناعي، بما تم تغذيته من أساليب للتعامل مع البشر، سلّط ضوءا أقوى على ما نخفيه نحن: رغبتنا في الاختصار، وخوفنا من المواجهة، وحاجتنا الدائمة إلى من يؤكد روايتنا. لهذا تبدو المعركة القادمة أقل تقنية مما نتصور، وأكثر ارتباطا بوعينا نحن كبشر.
----------
العرب


الصفحات
سياسة








