"قطار الثورة" يصل نهايته إيذانا بـ"فرح السودان"

17/08/2019 - عادل عبد الرحيم / الأناضول


"جرينفيلد"خياط الرؤساء..إيزنهاور وكلينتون وأوباما ارتدوا تصميماته



نيويورك – يحمل مارتن جرينفيلد على ساعده الأيسر وشما برقم (A-484406)، كان يعبر عن اسمه طوال فترة طويلة، ويرمز حرف الألف إلى معسكر (أوشفتز) النازي للاعتقال الذي كان به في بولندا، وهو المكان الذي رأى فيه عائلته لآخر مرة. نجح جرينفيلد في البقاء على قيد الحياة بعد الهولوكوست، واستفاد من تلك الفترة العصيبة لكي يحقق النجاح في الولايات المتحدة، ويمضي قدما في الحياة برغم المآسي التي عانى منها، ومازال يتذكرها برغم سنوات عمره التي ناهزت التسعين. اشتهر جرينفيلد بأنه خياط الرؤساء، وارتدى تصميماته من سادة البيت الأبيض كلا من دوايت إيزنهاور وبيل كلينتون وباراك أوباما.


ينحدر جرينفيلد واسمه الحقيقي ماكسميليان جروينفيلد من عائلة يهودية من بافلوفا في الاتحاد التشيكوسلوفاكي السابق، وهو الأخ الأكبر لثلاثة أشقاء، وتصلح قصته لسيناريو فيلم سينمائي. يحكي أنه قبل أيام من بلوغ الخامسة عشرة، اجتاحت قوات النازي قريته الصغيرة، وفي غضون أقل من ساعة، كان يتعين على أسرته أن تحزم كل ما لديها من متاع الدنيا في حقيبة سفر صغيرة والصعود على متن عربة قطار رحلت بهم صوب الجحيم.
فصل عن عائلته في معسكر الاعتقال، حيث يتذكر "كانت هذه آخر مرة آراهم فيها. مازلت أتذكر كلمات والدي: بانفصالك عنا سوف تتاح لك فرصة النجاة". ومع ذلك إلى اليوم مازال من الصعب على جرينفيلد استيعاب لماذا اضطر للانفصال عن عائلته، ومازالت الذكرى مؤلمة بالنسبة له. ويضيف "قال لي والدي: مهما حدث، لا تفكر سوى في النجاة. لا تبك وعش حياتك بصورة تشرفنا بها".
يحكي جرينفيلد عن تجربة معسكر الاعتقال "كل يوم تشرق فيه الشمس عليك وأنت على قيد الحياة في أوشفتز، كان معجزة في حد ذاتها. كان الألمان يقتلون لأتفه الأسباب". وقد سجل جرينفيلد هذه التجربة في مذاكراته بعنوان "مقاسات رجل: من النجاة من أوشفتز إلى خياط الرؤساء"، والتي سرد فيها "لم يكن مجديا التفكير في منطق وراء ما يحدث، لأنه لم يكن هناك أي منطق. لو تعكر مزاج النازي فمن الممكن أن يقتلك بكل سهولة، ولو كان سعيدا أيضا فمن الممكن أن يقتلك، كان الأمر سيان في كلتا الحالتين".
ويقول جرينفيلد عن الحياة في أوشفتز بأنه كان الاستغلال الجنسي والأذى النفسي والعاطفي من أمور الحياة العادية وكانت قاسية على الجميع. وسط هذا الجحيم تفتحت عيونه، وأمسك بأول إبرة وخيط لكي يحيك غرزته الأولى. ويصف التجربة قائلا "عينت في قسم المغسلة، لسبب لا أعلمه، ومن كثرة تنظيف أحد القمصان، انفرط أحد أزراره، فصرخ بي المشرف وألقى بالقميص في سلة المهملات، فتناولته واحتفظت به، كانت أول مرة ألضم إبرة في خيط لإصلاح القميص".
وقاه القميص الذي ارتداه أسفل الزي الموحد من الموت بردا، مثلما حدث مع الكثير من زملائه، حيث يتذكر "حملنا الألمان إلى مسيرة الموت ولقى الكثيرون حتفهم من شدة البرد، ولكني نجوت". ولأول مرة أدرك جرينفيلد أهمية الثياب بالنسبة للإنسان، مؤكدا "الثياب أنقذت حياتي". ومن بعدها أصبحت محور حياته لسنوات طويلة لاحقا.
نقل جرينفيلد عام 1944 إلى معسكر بوشنفالد، ومنه أطلق سراحه بعد عام على يد الروس. وطوال هذه المدة لم يفقد الأمل في العثور على عائلته على قيد الحياة، ولكن هذا الأمل لم يتحقق مطلقا. بعد عامين توجه إلى الولايات المتحدة على ظهر مركب، ولم يكن يملك من حطام الدنيا سوى عشرة دولارات، كانت نقطة انطلاقه نحو حياة جديدة في نيويورك عام 1947.
عن الانطباع الأول يقول "عندما نزلنا من على سطح المركب، أصبحنا بالفعل رجالا أحرار لأول مرة". أحب جرينفيلد أمريكا لأنها استقبلته بأذرع مفتوحة، ولهذا أحب أن يكون جزءا منها، فسارع بتغيير اسمه ليصبح مارتن جرينفيلد وهو الاسم الذي مازال يستخدمه إلى الآن.

بدأ العمل في مصنع شركة (GGG) للملابس بحي بروكلين، لينتقل من نجاح لنجاح، وبعد سنوات قرر مالك الشركة ويليام ب. جولدمان بيعها لجرينفيلد الذي غير اسمها لتصبح "مارتن جرينفيلد للملابس"، ومنذ ذلك الحين بدأ مشواره كخياط للرؤساء. وكان أول سادة البيت الأبيض الذين ارتدوا تصميماته الرئيس الـ34 دوايت إيزنهاور، ومن بعده بيل كلينتون ثم باراك أوباما، وبعضهم زاره في محل عمله. وعن علاقته بالرؤساء يقول "بعضهم لم يكن ارتدى بدلة كاملة في حياته، وبعضهم لم اضطر حتى للذهاب إلى البيت الأبيض مثل أوباما"، مبرزا صوره معهم والتي ضم الكثير منها في كتابه.
بالرغم من شهرته، مازال جرينفيلد يتحلى بتواضعه الجم ودأب واجتهاد من بدأ مشواره من الصفر، ومازال يذهب للعمل كل يوم ويمد يد العون لجميع الغرباء الذين يطرقون بابه، وفي الوقت الراهن توفر شركته عملا لأكثر من 120 مهاجرا. ويحتفظ في مكتبه بصور مع رؤساء ومشاهير من عالم الفن والسياسة، إلا أن أكبرها جميعا صورة عائلته، الذين مازال يتذكرهم ومازلوا حاضرين في وجدانه كأن شيئا لم يحدث على الإطلاق.

(د ب أ) ط ز/ ب ت

د ب ا
الجمعة 26 أكتوبر 2018