حكاية الدكتور والقمر






(1)

في البداية يسير كل شيء على ما يرام، أحصل بسرعة على إقامة طويلة المدى ووظيفة بمشفى متوسط الحجم بمرتب ثابت وكبير، مع رئيس قسم متفهم ومتقبل للأجانب، وفي مدينة صغيرة وودودة عكس ما كان يُشاع عنها، أعيش حياة هادئة خالية من أي تحديات ضخمة، وأحس أني سأخوض أياما تعوضني عما كنت ألاقيه في بلادي ودفعني إلى الرحيل مثل كثيرين من أطباء جيلي.

لم يكن ينقصني سوى تصريح العمل الدائم الذي يضمن لي الاستمرار في المشفى حسب قوانين العمل الألمانية، ولذلك كان التحدي الوحيد أمامي وقتها هو اجتياز اختبار اللغة الطبية الألمانية، وحسب كلام الأصدقاء حينها كان اختبارا من أبسط ما يكون.


(2)
يقرر رئيسي في العمل الرحيل بعد شهر واحد فقط من قدومي بعد خلاف بينه وبين إدارة المستشفى، أحزن جدًّا لفراقه، وقد بات بمثابة الأخ الأكبر والأب الروحي، بولندي الجنسية ومحب للأجانب وخصوصًا العرب، يؤمن بي ويشجعني ويتسامح مع أخطاء الأطباء المبتدئين في بيئة العمل الجديدة تلك.
لم أكن أعلم أن برحيله ستتحول تلك الابتسامات من باقي أعضاء الفريق الطبي إلى نظرات شرسة تكشر عن أنيابها لكل من هو غير ألماني، وربما ساعد في ذلك ضعف لغتي الألمانية، مما زاد الحاجز بيني وبين بقية الزملاء، أو ربما لأنني لست لطيفا بما يكفي كزميلتي الألمانية المستجدة، والتي يستلطفها الجميع ويحاول كسب ودها، أو ربما لأني لا أملك بعدُ التصريح الدائم، لذا أقرر خوض الامتحان في أقرب فرصة .
(3)
ألجأ إلى مُدرسة خصوصية تساعدني في تطوير لغتي بسرعة وقوة، وتؤهلني لاجتياز الامتحان، تلاحظ تطور مستواي بسرعة، تخبرني بذلك وتشجعني، يحل يوم الامتحان، أدخل بقلب فارس لا يهاب التجربة، أبدأ في الإجابة على الأسئلة واحدا تلو الآخر، تفاجئني اللجنة برأيها السلبي في أدائي، حتى إنها لا تسمح لي باستكمال الامتحان، ويخبرونني بأنني قد رسبت.
تصدمني ردة فعلهم، أغادر مسرعا، أستقل قطاري وأعود لبيتي حزينًا لا أعرف ما الذي يتوجب عليّ فعله، خصوصا أن رئيسًا جديدًا للقسم قد التحق بالعمل، وكان واضحا تأثره بآراء الزملاء القدامى وتفضيلهم للبعض على حساب الآخر.
يدعوني إلى الاجتماع في مكتبه، يدور بيننا حديث قصير، ينهيه بإبلاغي قراره بالاستغناء عني، متحججًا بفشلي في اجتياز اختبار اللغة الطبية.
تسودُّ الدنيا أمامي تماما، أغادر مقر عملي، أعود إلى بيتي، أجلس وحيدا في غرفتي، أراجع شريط الأحداث، وأتعجب من تسارعها وقسوتها، تغمرني دموعي حسرةً على ما أصابني بعد أن توهمت في البداية أن الحياة قد ابتسمت لي.
تتصل بي زميلتي الألمانية المستجدة، تطلب مني أن نلتقي في أحد المقاهي، تخبرني أنها تأسف لما حدث لي، وتبلغني أنها قد استقالت تضامنًا معي، تبحث لي عن وظيفة وتساعدني في التقديم لها.
أذهب إلى المشفى الجديد، ألتقي برئيس القسم الذي يبلغني موافقته، أقوم بتسليم الموظفة المسؤولة كل أوراقي، وأبدأ في العمل مجددًا وأنا في قمة سعادتي، رغم أن المشفى الجديد في مدينة تبعد عن سكني ساعتين وأركب لها ثلاث مواصلات يوميًّا مما يرهقني بشدة، لكنني مؤمن بأنها مرحلة انتقالية، وأن الأوضاع سوف تتحسن قريبًا.
(4)
لا يكاد يمر شهر حتى يتم فصلي من عملي الجديد، بحجة أن قوانين صادرة من مكتب الصحة تشترط أن يكون لدي تصريحا دائما، تبوء كل محاولاتي لإقناع رئيس القسم بالاستمرار بالفشل، أخرج من مكتبه وقد عقدت العزم على الذهاب مباشرة إلى مكتب الصحة المسؤول عن الامتحانات، وكان في بلدة على بعد ساعتين بالقطار، أنطلق والأمل يملأ قلبي واليقين يتمكن من روحي.
أقابل موظفة في منتهى الغلظة والجفاء، ترفض منحي موعد جديدا للامتحان، تخبرني أن نقابة الأطباء ترفض منح الراسبين مواعيد مبكرة، بحجة أنهم أخذوا فرصة وأضاعوها.
أخرج من عندها عاقد العزم على الذهاب مباشرة إلى نقابة الأطباء التي تبعد ساعة ونصف ساعة بالقطار، أصل قبل انتهاء الدوام بربع ساعة، أجد الموظفة المسؤولة وهي تستعد للمغادرة، استوقفتها راجيا موعدا قريبا، تبدو ألطف من سابقتها، تمنحني موعدا بعد أربع شهور.
أعود إلى بيتي منهكا، وحيدًا، خائب الرجاء، حزينا من كل قلبي، لا أعرف كيف ستمضي الأيام، ولا أجد تفسيرا حقيقيا لما يجري معي، أنام من شدة التعب والبكاء والحزن.
(5)
أستيقظ في اليوم التالي وأقرر بشجاعة مواجهة مصيري، أتجول في بلدتي الصغيرة باحثا عن مدارس لتعليم اللغات، أشترك في دورتين بإحداها، واحدة للغة العامة، وواحدة للغة الطبية، كما التحق بناد لتبادل اللغات.
استيقظ كل يوم في السادسة صباحًا لحضور الكورسات المكثفة، وبعدها أذهب لقضاء وقت للتحدث مع الألمان للتمرين على الألمانية وتحسينها، أعود في السادسة مساءً لتناول طعامي ولمذاكرة دروسي ولأتحصل على قسط من الراحة لمواصلة جهودي، كان ذلك يوميًّا حتى في أيام رمضان، وما أدراك ما رمضان في ألمانيا، حيث الفجر في الثالثة صباحًا والمغرب في العاشرة مساء؟!.
يحين أخيرا موعد الامتحان، أدخل إلى المقر بكل قوة وأمل، أجيب بثبات على فقرة تلو أخرى، أنال استحسان اللجنة، غير أني ولسوء حظي أجدا عضوا في اللجنة كان موجودا في محاولتي السابقة، يرفض بكل تعنت منحي الدرجة كاملة، يبادر إلى توجيه أسئلة لي لم يكن يشملها بروتوكول التحضير الخاص بالامتحان، ومجددا أرسب.
تماما مثل المرة السابقة أعود إلى بيتي مصدومًا، أرتمي على الأرض، أبكي بحرقة، ثم استسلم للنوم.
(6)
أستيقظ في اليوم التالي، أقرر مرة أخرى ألا أستسلم، وأن أخوض الامتحان للمرة الثالثة، تحدثني نفسي بأن علي أن أنجح مهما كلفني الأمر، لا يستطيع قلبي أن يتقبل معنى الهزيمة والفشل، غير أن مشكلة أكبر تواجهني.
رصيدي يوشك على النفاد، ووضعي المادي يتفاقم، ولا أعود قادرا على دفع إيجار منزلي ولا تحمل تكاليف الامتحان الباهظة، أبدأ في بيع أثاث منزلي قطعة وراء قطعة، حتى لم يعد يتبقى غير الأساسيات، أقرر البحث عن عمل مجددًا حتى ولو خارج المجال الطبي.
أشتغل نادلا ومندوبًا للمبيعات وموزعا للإعلانات في الأسواق والمحلات، والتحق بمسرح المدينة، وأقوم بالتمثيل مع الهواة والكتابة المسرحية مقابل أجر زهيد، أمور لم أكن أتخيل أني سأقوم بها يوما، وبموازاة ذلك أستعد للامتحان بكل قوتي.
تمر خمسة أشهر، أدخل مجددا إلى قاعة الامتحان، يفاجئني وجود نفس الممتحن الذي يبادرني بالقول: "متى ستدرك أن ليس لك مكان بيننا.. ارحل لبلدك"، أدرك مقدما مصير تلك المحاولة، أغادر مقر الامتحان راسبا باكيا بغزارة، أتوجه إلى قطاري وأعود إلى بيتي، أفكر ما العمل؟
في الصباح أتّخذ قراري، لن أعمل بنصيحة الممتحن، لن أرحل إلى بلدي، لكن سأرحل إلى مدينة أخرى وولاية مختلفة لعلها تكون أرفق بي.
(7)
في الولاية الجديدة كل شيء مختلف ومبشر ويبعث على التفاؤل لقلب يتعافى من الخذلان، وقد أرهقته المحاولات.
أستأجر غرفة صغيرة في أحد بيوت الطلبة، أجد وظيفة مؤقتة تكفي قوت يومي وتقضي احتياجاتي وإيجار الغرفة، أقترض من أحد الأصدقاء قيمة رسوم الامتحان لأحاول للمرة الرابعة، أعكف على المذاكرة بكل قوة وتركيز، أثق أن ربي لن يخذلني، وأن لكل شيء سببا وموعدا.
أتوجه إلى مقر الامتحان، أتفاءل بلونها الأخضر، وبأعضائها البشوشين، قلبي المخذول يخشى من الاستسلام للعلامات، ينتهي الامتحان، أجيب على كل الأسئلة بكل ثبات ولغة صحيحة، ورغم أنه ليس من المسموح أن يتم إخبار الممتحن بالنتيجة إلا أن اللجنة اللطيفة تبشرني بأن أستعد للخبر السعيد ، وتتمنى لي حظا موفقا.
(8)
حين وطئت قدماي أرض المطار في فرانكفورت، كانت أقصى أمنية لي أن أجد فرصة عمل ولو في مشفى متواضع في قرية صغيرة في أي طرف من تلك الأطراف المترامية للبلاد، لكن تشاء من الأماني نجمة ويشاء ربك أن يناولك القمر.
أتذكر ذلك كله وأنا أضع على صدري شارة تحمل اسمي كاملا "دكتور محمد حجاب"، وأدخل موظفا جديدا في أحد أكبر مستشفيات العاصمة برلين.
---------------
مدونة المؤلف

أسعد طه
السبت 26 سبتمبر 2020