عن يساره وقف مواطنه جون كارلوس مستعرضا ميداليته البرونزية، وعن يمينه وقف الأسترالي بيتر نورمان، ولم يكن معروفا حتى تلك اللحظة، متوجا بالفضية عن جدارة بعد أن حقق زمنا قياسيا وقدره 06ر20 ثانية. في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) قال ابن شقيقه مات نورمان "كانت هذه البطولة سباق حياته".
عندما عزف السلام الوطني وسط الاستاد، حدث ما لم يكن يتوقعه أحد سواء من الجمهور، أو الصحفيين أو المسؤولين الإداريين، حيث لوح كلا من سميث وكارلوس بقبضتيهما المضمومتين لأعلى وكانتا موضوعتين في قفازين بلون أسود. كانت هذه اللفتة إشارة احتجاجية ضد التمييز ضد السود في الولايات المتحدة، سياسيا واجتماعيا وحتى رياضيا، لتصبح منذ ذلك الحين بداية لانطلاق حركة الحقوق المدنية التي كان من قياداتها مارتن لوثر كينج ومن نشطائها حاليا النجم صامويل ل. جاكسون ونجمة الإعلام أوبرا وينفري.
وبالفعل أصبح نورمان، الرياضي الوحيد على المنصة، جزءا من الحركة الاحتجاجية، وإن كان على استحياء، حيث علق على الجانب الأيسر من قميصه شارة تحمل شعار "المشروع الأوليمبي من أجل حقوق الانسان". وهي منظمة غير حكومية لمحاربة العنصرية في الألعاب الأوليمبية، وكانت تخطط لمقاطعة الأوليمبياد، ولكن مبادرتها لم تفلح، إلا أن الفكرة نجحت في تثبيت هذا التوجه.
قبل مراسم التتويج، كان الرياضيون الثلاثة قد قرروا انتهاز الفرصة للتعبير عن احتجاجهم، على الرغم من أن اللجنة الأوليمبية الدولية كانت تحظر كافة أشكال الاحتجاج، ولكنهم لم يهتموا. كانت لحظة حاسمة، وفقا لما رواه نورمان بعد سنوات على مرور الحدث في شهادته على العصر من خلال الفيلم الوثائقي "سالوتي"، من إعداد ابن شقيقه، موضحا "اجتمعنا نحن الثلاثة في ذلك اليوم لإعلان احتجاجنا".
يذكر أن الولايات المتحدة مرت خلال الستينيات بفترة مضطربة، وكذلك كان الحال في أستراليا، حيث ساد توجه سياسي لبناء دولة يحكمها الرجل الأبيض، وفي نفس الوقت ترفض الاعتراف بأي حقوق مواطنة للجالية السوداء، بما في ذلك حق السكان الأصليين في الممارسة السياسة من أي نوع. انتزع أطفال السكان الأصليين من أحضان عائلاتهم، لكي يتربوا وسط عائلات بيض، وهو ما عرف لاحقا بعصر "الجيل المسروق".
نشأ نورمان وسط عائلة متدينة من العاملين بضواحي ملبورن العشوائية، وتعرف منذ نعومة أظفاره على ثقافات مختلفة وأساليب حياة متنوعة. في مقابلة معه قبل وفاته عام 2006، قال البطل الأوليمبي الاسترالي "لم استوعب مطلقا لماذا يمكن أن يكره انسان إنسانا إلى هذا الحد لمجرد أن لون بشرته مختلف".
بعد لحظات من الإعلان عن الإشارة الاحتجاجية لحركة "القوة السوداء" المطالبة بالحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة، أخذ الجمهور يصفر بقوة، ويعلق سميث /74 عاما/ في مقابلة أجراها مؤخرا مع صحيفة سويدتشن زايتونج "كانت لحظة فارقة في كل ما حدث لحياتي بعدها. ضحيت بحياتي من أجل تلك اللحظة".
كشفت صافرات الجمهور إلى أي مدى كان الجو العام مضطربا في تلك الفترة، ومع ذلك تلقى كلا من سميث وكارلوس استقبال الأبطال في الولايات المتحدة، على العكس من ذلك زاد هذا الموقف من صعوبة حياة نورمان بعد عودته إلى بلاده.
بعد ذلك بسنوات علق كارلوس "لا اعتقد أننا استوعبنا جيدا ما كان ينتظر نورمان عقب عودته إلى بلاده". وعلى الرغم من تأهله في أكثر من بطولة لأوليمبياد ميونيخ 1972، لم يتمكن من المشاركة مطلقا... مسيرته كعداء انتهت وفقا لما رواه في فيلم "سالوتي"، وكان متأكدا أن السبب في ذلك كان احتجاجه ضد سياسات التمييز التي تتبعها بلاده.
يقول ابن شقيقه مات نورمان "اعتقد أن أروع ما في شخصية نورمان أنه لم يغضب مطلقا ولم يتملك الحنق منه". وبالفعل لم يعلق بيتر مطلقا على قرارات المسئوليين الرياضيين الاستراليين باستبعاده بالرغم من التأهل في أكثر من مناسبة. ولكنه بسلوكه هذا أصبح مثالا يحتذى، حيث يوضح مات نورمان "اعتقد أنه من المهم اليوم أن يتبنى الرياضيون الشبان مواقفا لمناهضة الظلم، خاصة الواقع على فئات مهمشة لا صوت لها".
بعد سنوات من رحيله، ردت اللجنة الأوليمبية الأسترالية اعتبار نورمان، ومنحته وسام الاستحقاق أعلى تكريم تمنحه المؤسسة الرياضية، موضحة وفقا لقرارها "أنها بالإضافة إلى تقدير الإنجاز الرياضي للبطل الأوليمبي الراحل، تقدر دعمه لاحتجاج سميث وكارلوس ضد التمييز الذي كان ساريا في الولايات المتحدة في ذلك الوقت.
|
عيون المقالات
|
خمسون عاما علي أول مشاركة لرياضيين سود في الملاعب الأمريكيةواشنطن – عمّ الصمت بعد انتهاء السلام الوطني الأمريكي على مدرجات الاستاد الأوليمبي بمدينة مكسيكوسيتي، في ذلك اليوم السادس عشر من تشرين أول/ أكتوبر قبل خمسين عاما، وحملقت مئات الآلاف من العيون باندهاش في ثلاثة من أبطال ألعاب القوى كانوا قد اعتلوا المنصة، بمناسبة التتويج في بطولة 200 متر، وهي اللحظة التي ظل الرياضيون الثلاثة ينتظرونها لسنوات، وكانت أكبر إنجاز يحققونه في مسيرتهم الرياضية، دون أن يدركوا أن تلك اللحظة سوف تخلد للأبد. كان العداء الأمريكي ذو الأصول الأفريقية تومي سميث قد فاز بالميدالية الذهبية محققا زمنا قدره 83ر19 ثانية، ليصبح بذلك أول بطل أوليمبي يكسر حاجز العشرين ثانية.مجدالينا تروندل
السبت 17 نوفمبر 2018
إقرأ المزيد :
|
|
|
|
||


الصفحات
سياسة









