لا يمكن أن ينتهي العتب في مسائل كهذه، لكن المشكلة الأساسية برأيي لا تكمن في الأسماء، بل في المعايير. القسم الأكبر من المدعوين هي أسماء يتكرر حضورهم في كل مناسبة، ما يعني أن هناك قائمة ثابتة يفضل مسؤولو العلاقات في القصر الجمهوري أو باقي الوزارات دعوتها. وهذا يعني بالتالي أن الدولة تتجه لصنع أذرعها الإعلامية، سواء من خلال "مؤثري" السوشيال ميديا، أو من خلال من عملوا مراسلين حربيين مع هيئة تحرير الشام عندما كانت في إدلب، أو من لف لفيفهم.
هذه العقلية التي يتم الاستدلال عليها بالوقائع الملموسة على الأرض، لا بالتصريحات الواضحة التي يندر أن تصدر، تقول لنا شيئا خطيرا وفادحاً: إن الدولة التي جاءت ثمرة التحرير، والتي رأى كثير من السوريين أنها تمثلهم وطنيا قبل أن تمثلهم إدارياً ووظيفياً، تتجه لتعزل نفسها عن الشرائح الواسعة من السوريين، وتقول لهم، بشكل أو بآخر، إنني في الإعلام لدي فريق أو أسماء مفضلة، إذا أردت أن أتواصل مع الإعلاميين، سأدعوها دون غيرها، وسأطلق عليها "النخب" رغم أن بعضها لا يعرف أن يحرر خبرا، وبعضها الآخر لا يحسن التحدث بلغة عربية سليمة أمام الكاميرا، رغم أنه يسمي نفسه صحفيا ومراسلا. وطبعا من ذا الذي يستطيع ألا يقر بأنهم "نخب" إذا قال الرئيس عنهم ذلك؟!
وَضَح من خلال المقاطع المصورة التي بثتها وكالة سانا لاحقاً من أجواء اللقاء، أن الاستماع لما قاله الزملاء الذين حضروا، وبعضهم قال كلاما مهماً وصادقاً يشكر عليه، لم يكن هو هدف اللقاء بحد ذاته، بل على العكس تماما، كان الهدف تحميل هؤلاء رسائل لإيصالها إلى الناس. وسواء طلب منهم ذلك صراحة، كما جاء في المقاطع المصورة، أو تبرع آخرون بإيصال تلك الرسائل لأنه يرى نفسه جزءا من المجموعة الإعلامية التي تفضل الدولة التواصل معها، ولا ينبغي الخروج منها، فإن النتيجة هي واحدة: وهي أن المطلوب الاجتهاد في شرح المسائل التي تثير امتعاض عامة الشعب، وتبريرها واتهام من يتحدث بها بأنه يفعل ذلك لأنه لم يحصل على منصب، بعد أن ثبت أن تبريرات المسؤولين لتلك الأخطاء التي تتراكم، باتت لا تلقى آذانا صاغية، ولا تجد هوى في نفوس الناس، بعد انكشفت عورات هذه الحكومة وانخفاض مستوى كفاءتها ووقوعها في براثن المحسوبية وتعيين الأقارب والأصدقاء.
ما جرى في اجتماع الرئيس الشرع مع الإعلاميين هو صورة عما يجري في البلد، وعما كرستة الإدارة الشللية لبعض الوزارات الأخرى: نحن لدينا مجموعتنا التي نفضل أن نتواصل معها، وندعوها، ونحتفل وإياها بانجازاتنا، فتصفق لنا وتمتدحنا وتحول عيوبنا إلى مزايا كبرى وغير مسبوقة... أما سوى ذلك فهؤلاء خارج دائرة اهتمامنا، وإذا كنا نمتعض مما يكتبون، فإننا لا يهمنا رضاهم ولا رضا سواهم في قليل أو كثير.
نحن إذا أمام دولة تحشر نفسها في دائرة ضيقة، تعزل نفسها عن الشرائح الأوسع من المواطنين، تناصبهم العداء، تطبق عليهم حظرا معنوياً، ثم تتباهى بإنجازاتها لوحدها مع ثلة من الرفاق والمحظيين والمرضى عنهم... وكأن مشكلة السوريين مع البعثيين المرضى عنهم والراضين على نظامهم تتكرر مرة أخرى!
هل هذا في مصلحة بناء سوريا الجديدة؟ هل هذا يسهم في تحصينها من الداخل؟ هل هذا يجعلها أقوى وأصلب عوداً، وأكثر التحاما مع مواطنيها؟!
أعتقد أن الإجابات عن هذه التساؤلات تقودنا إلى حقيقة مرة: وهي أن خيبة أمل السوريين في هذه الحكومة، لا ينبع من تعثرها في تقديم أداء أفضل على صعيد الخدمات والتنمية والثقافة والإعلام، في بلد خارج من نصف قرن تدمير ولا أقول (14) عاما فقط، فلدى السوريين الكثير من الواقعية ليعرفوا حال بلدهم من الداخل، وما عاشوه خلال حكم الأسدين من مصائب وكوارث... لكن خيبة الأمل تنبع من حالة الإقصاء والتهميش لحقوق المواطنة، التي باتت مؤسسة على كم من الغطرسة والاستعلاء. فمعظم وزراء الحكومة وإداراتها الذين يفشلون في أبسط الاختبارات المهنية الملزمة لاختصاصات وزاراتهم، هم وكثير من مدراء إداراتهم الفرعية، باتوا يتعاملون مع أهل الاختصاص بفوقية وعنجهية، فقد خيل لهم أن استقرارهم على كراسي الإدارة، وحمل لقب وزير أو مدير عام، سينسي الناس ماضيهم المهني المتواضع، ما داموا قد ظهروا في كم من اللقاءات والاحتفالات وألقوا كلمات، ووقعوا أوامر توظيف، وأعادوا إطلاق منابر، يعتورها الكثير من الأخطاء والفشل والقصور، لكن مع ذلك سميت "إنجازات" ألم تنشر الكثير من الصور والتقارير والكلمات الرنانة عنها؟ ومدحها الموظفون الذين يعملون فيها، فماذا يهم إن كان هذا "العرس" سيكون عنوانا لزيجة فاشلة بعد أن
تخفت الأضواء، وينصرف المدعون إلى بيوتهم؟!
----------
الأحوال
تخفت الأضواء، وينصرف المدعون إلى بيوتهم؟!
----------
الأحوال


الصفحات
سياسة








