عيون المقالات

عن كذبة حب الثقافة

03/03/2021 - ياسر الأطرش

نساء في غرفة فرجينيا وولف!

03/03/2021 - طالب الرفاعي

شهادة ميلاد بوذا

02/03/2021 - د.نجم عبدالكريم

مرونة الدماغ وعاداتنا

02/03/2021 - د. محمّد النغيمش

محمد بن سلمان يخذل الشعب السعودي.. لقد حان أوان رحيله

01/03/2021 - سارة لي ويتسن وعبد الله العودة

اللاواقع السوري

26/02/2021 - فوّاز حدّاد

حل قريب في سورية؟

24/02/2021 - ميشيل كيلو

محمد الماغوط.. شاعر الفرادة

22/02/2021 - بشير البكر

في الأدب الإريتري المكتوب باللغة العربية

22/02/2021 - عبد العزيز بركة ساكن


رغم التسوية ومراسيم العفو: "إعدام مؤجل" يلاحق المنشقين وعناصر المعارضة سابقاً






عمّان - بعدما أغلقت جامعة دمشق أبوابها بوجه يوسف الحمد؛ إذ كان يحاول العودة إلى كلية الهندسة المدنية فيها بعد إتمامه عملية التسوية (المصالحة) في تموز/يوليو 2018، أجبر الحمد (27 عاماً)، كما حال الكثير من شباب جنوب سوريا بعد سيطرة قوات دمشق على المنطقة بموجب اتفاق المصالحة صيف العام 2018، على الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية أو الاحتياطية


 وكان الحمد انقطع عن الدراسة منذ منتصف العام 2013 للالتحاق بأحد الفصائل العسكرية التابعة للمعارضة شمال درعا. ليتنقل بعدها بين العديد من الفصائل منتهياً به المطاف مع "جبهة النصرة" حتى أواخر العام 2016، حين قرر مغادرة "النصرة" التي صارت تُعرف بـ"جبهة فتح الشام" في تموز/يوليو 2016، والتوجه لحياته الخاصة.

إبان توقيع التسوية، حاول الحمد الحصول على "تأجيل دراسي" من "شعبة التجنيد" في مدينة الصنمين، شمال درعا، لاستكمال دراسته الجامعية بعد انقطاعه خمس سنوات. إلا أن طلبه قوبل بالرفض، ما يعني سوقه للخدمة العسكرية الإجبارية عند أول مرور له بنقطة عسكرية أو أمنية تابعة لدمشق. 

هذا الخوف دفع الحمد إلى أن يذهب من تلقاء نفسه للخدمة العسكرية، أملاً في استكمالها والعودة بعد ذلك "لمتابعة دراسته الجامعية ومستقبله، كما إلى محله الصغير الذي يعتاش وأسرته منه"، كما قال مصدر مقرب من الحمد لـ"سوريا على طول"، شريطة عدم كشف هويته.

أمضى الحمد ما يقارب سنة وتسعة أشهر في القوات الحكومية متنقلاً بين الخطوط الأمامية على جبهات ريفي إدلب وحماة والبادية السورية، كما أضاف المصدر، قبل أن تأتي دورية عسكرية، تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، إلى القطعة العسكرية التي يتواجد فيها وتسوقه إلى مكان مجهول.

منذ ذلك الحين، بدأت عائلة الحمد رحلة البحث عن ابنها الذي "لا أحد يعلم سبب اعتقاله". إذ لجأ والده مراراً إلى القطعة العسكرية التي كان يتواجد فيها ابنه، لكن الضابط المسؤول فيها أكد "أنه لا يعلم سبب الاعتقال، ولا يعلم إلى أي فرع مخابرات تم أخذه". مضيفاً للأب: "لو كان الاعتقال بسبب مخالفة عسكرية، فإنه سيكون لدى الشرطة العسكرية، وبهذه الحالة يتم معرفة مكانه، ويسمح لكم بالزيارة". موضحاً أن الابن "لم يرتكب أي مخالفة عسكرية تتيح للشرطة العسكرية اعتقاله". 

ذلك يعني أن على العائلة متابعة البحث عن ابنها في الأجهزة الأمنية والعسكرية الأخرى، وبالتالي اللجوء إلى "واسطات" ودفع "رشاوى"، لكن دون جدوى حتى اللحظة. 

وترجح العائلة أن يكون سبب الاعتقال هو انضواؤه في صفوف "المعارضة وجبهة النصرة، رغم أنه اعتزل ذلك قبل التسوية بسنوات"، لاسيما وأن ابنهم هو واحد من عشرات عناصر المعارضة (سابقاً) جنوب سوريا الذين التحقوا بالخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية وحتى الطوعية في القوات الحكومية، وباتوا في عداد المختفين قسرياً بعد ذلك. 

وفيما يقدر عدد المختفين قسرياً من الفئات السابقة كما المنشقين سابقاً عن قوات النظام، بحوالي 92 شخصاً منذ توقيع التسوية في جنوب سوريا وحتى الآن، بلغ عدد الذين قتلوا تحت التعذيب في الفترة ذاتها وتبلغ ذووهم بوفاتهم نحو 31 شخصاً، بحسب ما قال عمر الحريري، مدير مكتب توثيق الشهداء في درعا، لـ"سوريا على طول".

التغييب القسري والموت لعناصر المعارضة

في آب/أغسطس الماضي، فقدت عائلة أسامة (34 عاماً) الاتصال به، بعد تسعة أشهر من سوقه للخدمة العسكرية الاحتياطية على جبهات ريف إدلب الشرقي. للوهلة الأولى ظنت العائلة أن "مشاكل تتعلق بتوفر الإنترنت، أو مهمة عسكرية، منعته من الاتصال بهم"، كما روى شقيقه لـ"سوريا على طول" شريطة عدم كشف هويته. لكن بعد مضي عشرة أيام على اختفائه "شعرت العائلة أن مكروهاً قد حلّ به"، ما دفعها إلى الاتصال بالضابط المسؤول عنه، كما روى الشقيق، فأخبرهم أن أسامة اعتقل من قبل "مكتب أمن الفرقة الرابعة" لأسباب لا يعلمها الضابط.

ويعتقد شقيق أسامة أن سبب اعتقاله "قد يكون مرتبطاً بعمله سابقاً في الجيش الحر"، إذ عمل لأكثر من خمس سنوات عنصراً في أحد فصائل المعارضة شمال درعا، حتى انخراطه وفصيله في عمليات المصالحة في تموز/ يوليو 2018. 

وأسامة هو واحد من أربعة عناصر في بلدته الواقعة شمال درعا اعتقلوا من قبل جهات مجهولة في نظام الأسد بعد التحاقهم بالقوات الحكومية والأمنية، عقب عمليات التسويات التي حصلت، بحسب ما أكد اثنان من أهالي البلدة لـ"سوريا على طول".

أما الشاب محمد عبد اللطيف، من ريف القنيطرة، كذلك، فقد تم إبلاغ ذويه بوفاته في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بعد نحو عام من اختفائه من قطعته العسكرية جنوب حلب، وفقاً لمصدر مقرب من العائلة.

وكان عبد اللطيف (29 عاماً) عمل قائداً ميدانياً لإحدى المجموعات الصغيرة في فصائل المعارضة بريف القنيطرة، قبل أن ينخرط وفصيله في عمليات التسويات، ويلتحق بالخدمة العسكرية.

وقود حرب

بحسب ما روى لـ"سوريا على طول" اثنان من عناصر المعارضة أجريا تسوية مع نظام دمشق، فإنه زج بهما بعد التحاقهما بالخدمة العسكرية في القوات الحكومية، في الخطوط الأمامية لجبهات القتال ضد المعارضة في ريفي إدلب وحماة، وضد "تنظيم الدولة" (داعش) في البادية السورية.

فبعد نقل أحمد بسام (26 عاماً)  إلى جبهات ريف حلب الغربي ضد المعارضة، "وضعنا في مواجهة فوهتي بندقيتين؛ واحدة من الأمام والثانية من الخلف، إما أن تقاتل أو تقتل". مضيفاً "تركنا مرات عدة في مواجهة القصف التركي ونقص الإمدادات والطعام، وكأننا عناصر التسويات حطب لنيران هذه الحرب يريدون التخلص منا، فنحن بالنسبة لهم دائماً محط شك".

وخلال العام 2020، قتل 76 عنصراً من أبناء محافظة درعا بعد سوقهم للخدمة العسكرية في صفوف القوات الحكومية أثناء مشاركتهم في عمليات العسكرية في مختلف المحافظات السورية، بحسب تقرير صادر عن المؤسسة الإعلامية المحلية المعارضة "تجمع أحرار حوران".

منشقون لا تحميهم "مراسم العفو"

على مدار الفترة الماضية من عمر التسوية، نفذت دمشق عمليات إخفاء وتغييب قسري وتصفية بحق المنشقين عن القوات الحكومية والأجهزة الأمنية ممن أجروا عمليات تسوية في جنوب سوريا. إذ لم تلتزم دمشق بالوعود التي قدمتها في اتفاقيات التسوية، وكذلك مراسيم العفو التي أطلقها بشار الأسد، وتضمنت العفو عن المنشقين وضمان عدم ملاحقتهم واعتقالهم.

ولا يتضمن القانون السوري العسكري مصطلح "انشقاق"، بل يتناول "الفرار" المجرم بعقوبات قد تصل حد الإعدام، إذ "يعاقب بالإعدام كل عسكري ارتكب جريمة الفرار إلى العدو"، بموجب الفقرة 1 من المادة 102 من قانون "العقوبات العسكري السوري" رقم 61 لعام 1950. وبموجب الفقرة 2: "وإذا حصل الفرار أمام العدو فإنه يعاقب بالاعتقال المؤبد. وإذا كان الفار برتبة ضابط يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة ويقضى عليه فوق ذلك بعقوبة الطرد في جميع الأحوال".

وفي إطار عمليات تسوية أوضاع المنشقين بعد سيطرة دمشق على محافظة درعا، "قامت الأفرع الأمنية بجمع حوالي 200 منشق من أبناء المحافظة، بأوقات متفرّقة، وإرسالهم لمبنى الشرطة العسكرية في حي القابون بالعاصمة دمشق، بدعوى أنه سيتم فرزهم مجدداً لقطعهم العسكرية السابقة"، بحسب "تجمع أحرار حوران"، لكن تبين لاحقاً أن "العشرات منهم غيبوا في سجون الأسد، إذ وردت أخبار لعائلاتهم باستشهاد 21 شاباً منهم تحت التعذيب".

وفي العام 2020 وحده، قتل 15 منشقاً سابقاً "تحت التعذيب وفي ظروف الاعتقال غير القانونية بسجون قوات النظام، وذلك بعد تسليم أنفسهم وانضمامهم إلى اتفاقية التسوية"، بحسب مكتب توثيق الشهداء في درعا، والذي وثق خمس رتب عسكرية وأمنية مختلفة للضحايا، توزعت بين: مجند، رائد، عقيد، شرطي، متطوع في الأفرع الأمنية. 

وخلال شهري تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر الماضيين فقط، رصد "سوريا على طول" مقتل ستة منشقين من محافظة درعا اعتقلوا من قبل مخابرات النظام بعد أن بادروا إلى تسليم أنفسهم عقب إتمام عمليات التسوية في محاولة منهم للاستفادة من "مراسيم العفو". إذ أبلغت دمشق ذويهم بوفاتهم، وقامت بتسليم جثامين بعض منهم.

تسليم الجثث

في ما يعد سابقة، سلمت حكومة دمشق، في 21 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، جثة الضابط المنشق عن وزارة الداخلية السورية، معاذ عطا الصمادي، لذويه في بلدة صماد شرق محافظة درعا، بعد عامين من الاعتقال. 

وكان الصمادي الذي يحمل رتبة نقيب، انشق عن جهاز الشرطة في العام 2012. وفي أعقاب "العفو الرئاسي" عن المنشقين الذي صدر بعد عمليات التسوية في جنوب سوريا، سلم الصمادي نفسه إلى فرع الأمن السياسي في درعا، قبل أن ينتهي به المطاف، بحسب ما قالت وسائل إعلام معارضة، في سجن صيدنايا العسكري.

أيضاً في حادثة أخرى، سلمت دمشق جثمان الشاب مهند محمد الأحمد (24 عاماً) لذويه في قرية جملة غرب درعا، في 2 كانون الأول/ديسمبر الماضي، بعد عامين من اعتقاله. إذ اعتقل في أواخر العام 2018 بعد تطوعه في سلك الشرطة، واقتيد أثناء خضوعه لدورة تدريبية في وزارة الداخلية إلى فرع المداهمة 215 في دمشق، وتالياً إلى سجن صيدنايا العسكري.

وتسلمت العائلة جثمان الشاب من مستشفى تشرين العسكري بدمشق، وقد ظهرت عليها آثار حروق وتعذيب. عمل الأحمد قبل اعتقاله في المستشفيات الميدانية التابعة للمعارضة في محافظة درعا قبل سيطرة دمشق على المنطقة. كذلك، بحسب وسائل إعلام محلية معارضة، سلمت دمشق خلال العام 2020 جثامين ثلاثة منشقين لذويهم في محافظة درعا، قتلوا تحت التعذيب، وجميعهم ممن أجروا عمليات التسوية.

وعدا عن معاناة المختفين قسراً وذويهم، يعد إخفاء مصير المعتقلين عموماً مصدر إثراء لضباط نظام الأسد وعناصره. فعائلة أسامة على سبيل المثال، والتي ما تزال تحاول فقط معرفة ما إذا كان على قيد الحياة، دفعت "حتى اللحظة قرابة مليونا ليرة، لكن حتى الآن لا نعرف عنه شيئا"، كما قال شقيقه.
-----------------
سوريا على طول

* تم استبدال الأسماء الحقيقية للمصادر كافة بأخرى مستعارة حرصاً على سلامتهم وسلامة ذويهم.


وليد النوفل
الاربعاء 20 يناير 2021