وقال مسؤولون أمريكيون إن السفينة كانت تحمل معدات مخصصة للقاعدة الجوية الروسية في حميميم بريف اللاذقية، مشيرين إلى أن هذه العملية تمثل أول مهمة إعادة إمداد معروفة للمنشآت العسكرية الروسية في سوريا، منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024. 
وأضاف المسؤولون أن السفينة “سبارتا” تخضع لعقوبات أمريكية، وترتبط بشركات تعمل ضمن شبكة لوجستية تابعة لوزارة الدفاع الروسية، تستخدم لنقل المعدات والإمدادات إلى المواقع العسكرية الروسية خارج البلاد.
ووفقًا للتقرير، لم تثر العملية مخاوف لدى الإدارة الأمريكية، إذ نقلت الصحيفة عن مسؤولين في واشنطن قولهم، إن العلاقة بين الحكومة السورية الجديدة وروسيا ليست مفاجئة، كما أن المعدات المنقولة لا تمس المصالح الأمريكية بشكل مباشر.
وأظهرت صور أقمار صناعية تجارية عمليات تحميل للمعدات في ميناء سانت بطرسبرغ، قبل أن ترصد السفينة أثناء تفريغ حمولتها في ميناء طرطوس في 11 من أيار، بالتزامن مع وجود سفن دعم وسفن حربية روسية في المنطقة.
كما رافقت السفينة خلال رحلتها في البحر المتوسط فرقاطة روسية من طراز “الأدميرال كاساتونوف” إلى جانب سفينة حربية أخرى، ما يعكس الأهمية التي أولتها موسكو لهذه المهمة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول استخباراتي أمريكي أن مئات العسكريين الروس لا يزالون متمركزين داخل الأراضي السورية، رغم التغيرات السياسية التي أعقبت الإطاحة بالنظام السابق وتولي إدارة جديدة الحكم في دمشق.
ويرى مسؤولون أمريكيون أن استمرار روسيا في استخدام قاعدتي حميميم وطرطوس يؤكد تمسكها بموطئ قدم استراتيجي على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، لما يوفره من قدرة على دعم العمليات العسكرية واللوجستية الروسية في الشرق الأوسط والقارة الأفريقية.
وتُعد قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية من أبرز مواقع الانتشار العسكري الروسي خارج الأراضي الروسية، وقد لعبتا دورًا محوريًا في دعم العمليات العسكرية الروسية في سوريا خلال سنوات الحرب.
ويشير استمرار عمليات الإمداد العسكري إلى أن روسيا لا تنظر إلى وجودها في سوريا بوصفه ملفًا مؤقتًا، بل كجزء من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى الحفاظ على نفوذها العسكري والسياسي في منطقة الشرق الأوسط، وضمان استمرار حضورها على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

مناورات بحرية

ذكر موقع “The Maritime Executive ” المتخصص في الشؤون البحرية، في تقرير نشره في 27 من أيار، أن عملية الإمداد الروسية لم تقتصر على نقل معدات إلى سوريا، بل رافقتها إجراءات أمنية وتمويهية معقدة.
وبحسب التقرير، انطلقت سفينة الشحن الروسية “سبارتا” وسفينة نقل المشتقات النفطية “جنرال سكوبيليف” وسفينة الإمداد العسكرية “أكاديميك باشين” من موانئ روسية مختلفة خلال شهري آذار و نيسان، قبل أن تتجمع في بحر البلطيق وتتجه نحو البحر المتوسط تحت حماية الفرقاطة الروسية “الأدميرال كاساتونوف”.
وأشار التقرير إلى أن القافلة خضعت لمراقبة من قوات بحرية تابعة لدول حلف شمال الأطلسي خلال عبورها بحر البلطيق وبحر المانش (القناة الإنجليزية)، قبل أن تلجأ بعض السفن إلى تعطيل أنظمة التتبع الآلي (AIS) أو بث إشارات مضللة بشأن مواقعها الفعلية.
ورصد الباحثون حالات ظهرت فيها السفن على أنظمة التتبع في مواقع بعيدة عن مسارها الحقيقي، بما في ذلك ظهور سفينة “سبارتا” قرب كالينينغراد بسرعة غير واقعية، في حين كانت صور الأقمار الصناعية تؤكد وجودها في البحر المتوسط.
وأظهرت صور أقمار صناعية التُقطت في 11 من أيار الماضي، وصول القافلة إلى ميناء طرطوس، حيث رُصدت عمليات تفريغ حمولات لم يُعلن عن طبيعتها.
كما أظهرت الصور وجود سفن دعم عسكرية روسية أخرى داخل الميناء، في مؤشر على استمرار النشاط اللوجستي الروسي في الساحل السوري.
واعتبر التقرير أن استخدام روسيا مزيجًا من إطفاء أجهزة التتبع، والتلاعب ببيانات الملاحة، وتوفير مرافقة عسكرية للسفن التجارية يمثل تطورًا في أساليب ما يعرف بـ”الجسر البحري السوري”، الذي استخدمته موسكو على مدى سنوات الحرب لنقل المعدات والإمدادات إلى قواعدها في سوريا.

إعادة تموضع للقواعد الروسية

مع التحولات الجذرية التي شهدتها سوريا منذ نهاية عام 2024، دخل الوجود الروسي مرحلة إعادة تموضع عميقة، بعد سنوات من الانتشار الواسع الذي كرّس حضورها كأحد أبرز الفاعلين في المشهد السوري، منذ التدخل العسكري المباشر إلى جانب النظام السابق في أيلول 2015.
بحلول منتصف عام 2024، بلغ عدد القواعد والنقاط العسكرية الروسية نحو 114 موقعًا، توزعت على مختلف المحافظات السورية، مع تركّز ملحوظ في حماة واللاذقية وطرطوس والحسكة والقنيطرة وحلب، إضافة إلى انتشارها في الرقة ودير الزور ودمشق وريفها.
وشمل هذا الانتشار قواعد رئيسة ونقاطًا عسكرية وأمنية ولوجستية، من أبرزها قاعدة “طرطوس” البحرية، وقاعدة “حميميم” الجوية، إلى جانب قواعد في مطارات “حماة” و”الشعيرات” في حمص، و”كويرس” في حلب، ومطار “القامشلي الدولي” في شمال شرقي سوريا، ما عكس حجم السيطرة الميدانية الواسعة التي تمتعت بها موسكو خلال تلك المرحلة.
إلا أن هذه الخريطة بدأت تتغير بشكل متسارع مع معركة “ردع العدوان” التي انطلقت في أواخر تشرين الثاني 2024، وانتهت بسقوط النظام في 8 من كانون الأول من العام نفسه، لتدخل بعدها البلاد مرحلة جديدة أعادت رسم موازين القوى.
وخلال عام 2025، تقلّص عدد القواعد الروسية إلى ثلاث فقط، قبل أن ينحسر أكثر مع تطورات مطلع العام الحالي، حيث انسحبت القوات الروسية، في كانون الثاني الماضي، من مطار “القامشلي الدولي” في محافظة الحسكة، بالتزامن مع تغيّر خريطة السيطرة في الشمال الشرقي.
وبحلول شباط الماضي، أصبح الوجود العسكري الروسي منحصرًا في موقعين فقط على الساحل السوري، هما قاعدة “حميميم” الجوية وقاعدة “طرطوس” البحرية.
وتباينت التصريحات السورية والروسية حول طبيعة الدور الذي تلعبه القواعد الروسية على الأراضي السورية، إذ أشارت تصريحات المسؤولين الروس في أكثر من مناسبة عن تحويل القواعد الروسية في سوريا إلى مراكز إنسانية لنقل المساعدات إلى القارة الإفريقية.
بالمقابل، تحدث الرئيس السوري، أحمد الشرع، خلال مشاركته في جلسة حوارية عقدها المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” في العاصمة البريطانية لندن، في آذار الماضي، عن وجود ترتيبات لتحويل القواعد الروسية في سوريا إلى مراكز لتدريب الجيش السوري.
وحافظت الحكومة السورية الجديدة على علاقات جيدة مع روسيا، بالرغم من الدعم الطويل الذي قدمته الأخيرة لنظام الأسد خلال سنوات الحرب السورية، وأجرى الرئيس الشرع زيارتين إلى موسكو خلال الفترة الماضية، بالإضافة إلى زيارات أخرى للمسؤولين السوريين على المستوى السياسي والعسكري

ما قاعدة طرطوس

قاعدة طرطوس أو “المركز اللوجستي البحري الروسي“، أنشئت لأول مرة عام 1971 باتفاق بين الاتحاد السوفييتي وسوريا.
وكانت القاعدة قبلة للبوارج والسفن الحربية الروسية وقاعدة تموين وصيانة خلال الحرب الباردة، واستمر ذلك حتى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991.
وعاد اعتماد الروس على ميناء طرطوس مع إعادة تنشيط العلاقات الروسية- السورية، في مطلع الألفية الثانية.
وبعد التدخل الروسي في سوريا وقعت موسكو اتفاقية مع نظام الأسد، في كانون الثاني 2017، وسعت من خلالها أنشطتها في قاعدة طرطوس.
ونصت الاتفاقية على السماح بوجود 11 سفينة حربية، إضافة إلى غواصات نووية لمدة 49 عامًا.
كما أتاحت إمكانية التجديد التلقائي لفترات بمدة 25 عامًا، وأن يسلّم النظام لروسيا الأراضي والمياه في منطقة ميناء طرطوس للاستخدام المجاني طوال مدة الاتفاق.