زمن "أبو عمشة"




رداً على الانتقادات الموجهة إلى الضامن التركي، إثر سقوط مناطق واسعة من منطقتي خفض التصعيد في ريفي حماة وإدلب بأيدي قوات الأسد والحليف الروسي، ينشر محمد جاسم "أبو عمشة" قائد لواء "سليمان شاه" على حسابه في تويتر رسماً يُظهر فيه ساعداً أسود عليه العلم التركي في مكاسرة مع أربعة سواعد مقابلة هي الإيراني والروسي والأمريكي والاتحاد الأوروبي، ويُرفق الرسم بتعليق يشكر فيه الأتراك جيشاً وشعباً ورئيساً "مؤمناً". في شكره هذا لا يخرج أبو عمشة عن محاولات إسلاميين سوريين إيجاد شتى الأعذار لسياسة أردوغان السورية، بما فيها التي لا تتناسب مع مصالح السوريين، وما يمتاز به أبو عمشة أنه يفعل ما يفعله الإسلاميون من موقع التابع الواضح المخلص قليل الثقافة، والذي لا يرى حرجاً في أي شطط من نوع أن ينشر قبل ثلاثة أيام صورة للسلطان التركي محمد الفاتح مدّعياً أن النبي محمد قد بشّر به. على صعيد غير منفصل، كان بشار الأسد يطالب نائباً روسياً "نائباً فحسب" بوضع حل لمشكلة عدم وجود مدرسين للغة الروسية في سوريا!


 

بعد بروز اسمه وشططه في الفترة الأخيرة، صار أبو عمشة محل تندر من ناشطين سوريين على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن وجود الرجل يتعدى النكتة والسخرية فهو يسيطر فعلاً على قسم من منطقة عفرين برعاية تركية، وقبل يوم يكتب متوعداً الميليشيات الكردية في شرق الفرات. ومن دون شطط مقابل نستطيع القول أن أبا عمشة وأمثاله يجسدون الفئة المطلوبة تركياً، لأنهم يؤدون المهام الموكلة إليهم على الأرض وهذا هو الأهم حالياً، من دون أن نبخس نظراءه في المقلب الأيديولوجي حقهم.
 

ألم تعثر أنقرة على واجهة سورية أقل ابتذالاً من أبي عمشة؟ السؤال نفسه يصح بصياغة مختلفة: ألم تعثر موسكو على واجهة محلية أقل ابتذالاً من سهيل الحسن "النمر"؟ ويصحّ أيضاً بصياغة أقدم: ألم تعثر طهران على واجهة أقل ركاكة وابتذالاً من بشار الأسد؟ والأخير سؤال متجدد لا يبقى برسم طهران وحدها. وكي لا نبقى في الشق العربي، علينا أن نتذكر تندر نشطاء أكراد، ولو كانوا قلائل، على مسؤولي الإدارة الذاتية وتهافتهم، رغم أن طبيعة تنظيم الميليشيات الكردية الهرمية المنضبطة لا تسمح ببروز أبي عمشة كردي، فضلاً عن وقوعها تحت القيادة الخفية لنخب جبال قنديل الأكثر خبرة وتمرساً.
 

ولأننا نتحدث عن قوى خارجية متمرسة تشرف على "الأبي عمشات" جميعاً، يجوز أن تقفز إلى الذهن تساؤلات من قبيل: إذا كانت الواجهات المحلية ركيكة حقاً، ألا يمكن تأهيلها بما يتناسب مع صورة مشغّليها؟ أو على الأقل، ألا يمكن لجم مظاهرها المبتذلة وضبط حضورها الإعلامي تجنباً للفضيحة؟ على نحو متعيّن؛ ألا تستطيع الحكومة التركية تشذيب العثمانية التي يظهرها مرتزقتها؟ وأولى من ذلك ألا تستطيع ردعهم عن ممارسة الانتهاكات اليومية في حق الأكراد في عفرين مثلاً؟ ألا تستطيع الإدارة الأمريكية الحد من الانتهاكات الميليشيات الكردية في حق العرب شرق الفرات، بما فيها مؤخراً اعتقال نشطاء مدنيين يعملون مع وكالات دولية بتهمة الانتماء إلى داعش؟ ألا تستطيع روسيا الإيعاز إلى سهيل الحسن بالتواري عن الإعلام لئلا يكون في كل ظهور نموذجاً للسخرية؟ وكذلك هو الأمر بالنسبة لبشار الأسد وخطاباته ولقاءاته الصحافية التي إن وجد من يعدّها له فهو لا يقل ركاكة؟
 

كأننا إزاء سوريا قاحلة تماماً من الكفاءات، وليس فيها سوى أمثال أبي عمشة هنا وهناك، بحيث يبدو بشار نوعاً من أبي عمشة أسوة بغيره أو يمتاز عن غيره، وهذه وصفة ناجعة لتعويمه. لكن التوقف عند الفرضية الأخيرة، فوق ما يحمله من إدانة للقوى الخارجية المشغِّلة، يقود إلى أن الابتذال الحالي هو من طبيعة تلك القوى، ولن تكون التسوية في سوريا "إذا حصلت" سوى توليفة من أولئك الوكلاء المحليين الصغار. إن سؤال البديل عن الأسد يعود ليطل برأسه بعد انقضاء زمن التخويف بداعش وأمثاله، ليكون البديل المنتظر توليفة من الانحطاط.
 

التسليم بأن الرثاثة قدرٌ قد يستهوي كثر، بخاصة مع بروز قادة لها من اليمين الشعبوي في معاقل الديموقراطية الغربية. وفق هذا التصور، لم لا يبرز أحط ما في سوريا إذا كانت دول متقدمة عظمى يحكمها أمثال ترامب وجونسون؟ إلا أن هذا التصور العالمي يغفل أمرين؛ أولهما أن صعود موجة الشعبوية العالمية ضمن الديموقراطيات العريقة ليس قدراً نهائياً، وثانيهما أن الوضع السوري الحالي ليس مؤبداً بدوره.
 

نحن في سوريا، حتى بروز تطورات نوعية مغايرة، إزاء حالة حرب خارجية قذرة، تحتاج أطرافها جميعاً إلى وكلاء محليين على مثال الحرب ذاتها، ولا يكترث أي طرف منها سوى بالوظيفة التي يؤديها الوكيل المحلي لحسابه ومدى نجاحها في تأديتها. القوى الخارجية جميعاً تعرف أكثر منا انحطاط وكلائها المحليين خارج دورهم في الحرب، وتعرف بالطبع الانتهاكات التي يمارسونها في حق الأهالي إذا لم تكن ترعاها مباشرة، وغير قليلة مثلاً هي المناسبات التي توالى فيها الإيراني والروسي على توجيه الإهانات لبشار الأسد تكريساً لتصغيره على مرأى من العالم.
 

لعل وضعية الحرب تجيب على العديد من الأسئلة، وقد واظب سوريون على القول أن بقاء بشار في السلطة وصفة لاستمرار الحرب، بمعنى أنه وصفة لتجددها مستقبلاً إذا أُخمدت اليوم. غير أننا من جهة أخرى نستطيع القول أن وجود بشار والنمر وأبي عمشة وبقية الرهط هو أفضل تمثيل لحالة الحرب الحالية، ويصعب الجزم بأن هؤلاء الوكلاء سيتم اعتمادهم في حال الوصول إلى تسوية خارجية للملف السوري. بلا رفع لسقف التوقعات عن البديل، من المنطقي أكثر أن تحرق القوى الخارجية أوراقاً في الحرب لتدفع بأوراق أخرى بدلاً منها في حالة السلم، ومن الأسهل عليها حرق أوراق غاصت في الارتزاق والتبعية للخارج والتسلط والوحشية على الداخل إذا لن تجد قوى محلية "بالمعنى المجتمعي الحقيقي" للدفاع عنها. إن زمن أبي عمشة والنمر وبشار وسواهم هو زمن هذا الطور من الحرب، ويعطي كل منهم لنفسه أكثر من حقها إذا شعر بالاستياء من وضعنا لهم في سلة واحدة.
---------
المدن


عمر قدور
الجمعة 30 غشت 2019