انصهار الطعوم والنكهات في الحي الإسلامي
محطتنا الأولى شارع العرب (Arab Street)، الشارع الرئيسي بالحي الإسلامي بمنطقة كامبونج جلام، ولا يبدو من ملامحه على الإطلاق أنه يقع في قلب العاصمة، ومع ذلك، يعد بامتياز مكان تجمع كل فنون الطهي وانصهارها، ولكن أهم ما يميزه، تجاور المنازل الصغيرة المنخفضة، والمقاهي والمحلات مع جامع ضخم بمئذنته الشامخة المتألقة. ومع دخول أول مقهى تبدأ أول صدمة ثقافية: تقدم القهوة محلاة بشكل مبالغ فيه ومع وفرة من الحليب المكثف.
ولا تقتصر هذه الوفرة على القهوة فحسب، بل تلاحظ بشكل معتاد في طعام الغداء أيضا: الكثير من الفلفل الحار، الكثير من السكر وهذا يعكس تأثيرات كثيرة في مختلف الأطباق، حيث يوجد على الطاولة الكاري الهندي، وتحتوي معظم الأطعمة على صلصة الصويا المخمرة والسمك المشوي، ويعتبر الأرز القاسم المشترك الأعظم في كل هذه الأطباق وما من سبيل للعثور على بديل له.
يفتح مقهى كامبونج جلام أبوابه كل أيام الأسبوع من الثامنة صباحا وحتى الثانية فجرا من اليوم التالي. يتراوح سعر الوجبة بين ثلاثة إلى ستة دولارات. وعلى الرغم من أن المرشد السياحي يسهب في شرح مكونات كل وجبة والتأثيرات المتداخلة بها، ليس من اليسيير دائما تحديد المنشأ الحقيقي لكل طبق منها على وجه الدقة.
يشار إلى أن تعداد سكان سنغافورة يقدر بنحو 7ر5 ملايين نسمة، أكثر من مليونين منهم لديهم جنسيات أخرى. ويعتبر الصينيون الجماعة العرقية الأكثر كثافة سكانية بجانب عرقيات الملايو والهنود، ونتاجا لهذا التنوع الديموغرافي جاء المطبخ السنغافوري تعبيرا عن انصهار هذه الأعراق المتنوعة.
نكهات وروائح على عربات الطعام في الشوارع: الساتاي
يعتبر الساتاي من أشهر الأطباق وموطنه الأصلي جزيرة سومطرة أو جاوة، بإندونيسيا، ولكنه يحظى بشعبية كبيرة في بلدان جنوب شرق آسيا الأخرى مثل الصين وماليزيا وسنغافورة والفلبين وتايلاند، وكذلك في هولندا التي تأثرت من خلال عهد المستعمرات، وفي ماليزيا يحظى الساتاي بشعبية كبيرة خلال الاحتفالات ويمكن العثور عليه في جميع أنحاء البلاد. يمكن العثور على شبيه وثيق في اليابان، حيث ياكيتوري يشبهه إلى حد كبير. بالإضافة إلى ذلك فهو يشبه الشيش الكباب العربي. تختلف وصفات ومكونات الساتاي على نطاق واسع حسب البلد، لذلك يمكن القول إنها تتكون عادة من قطع من اللحم موضوعة على سيخ من الخيزران أو شوك جوز الهند، وهي مشوية على جمر الفحم. عادة ما يستخدم الكركم لتتبل قطع لحم الساتاي وفي نفس الوقت يعطيه لونًا أصفر غريبًا.
أشهر أنواع الساتاي في سنغافورة تعد من قطع الدجاج متبلة بالكركم، وتنتشر في أكشاك وعلى عربات الطعام في منطقة هوكر سنتر (Hawker Center) وهو سوق ضخم مسقوف. وفي بلد مثل سنغافورة حيث يخضع كل شيء للرقابة تم وضع كل هذه الأكشاك من أجل تحسين الظروف الصحية والنظافة لأماكن إعداد وتقديم الطعام. ويتخصص كل كشك في تقديم صنف معين من الطعام. وتعتبر الحلوى المتنوعة من أكثر الأطعمة غرائبية في السوق بألوانها التي تشبه قوس قزح في صورة كومات متعددة الطبقات أغلبها آيس كريم يقدم بشكل عام مع قرون الفاصوليا الحمراء وحليب جوز الهند.
يتحول شارع لاو با سات المواجه للسوق، بمساراته المتعددة ليلا إلى مهرجان أطعمة ونكهات متنوعة، أما في النهار فيعتبر الشريان الحيوي لحي المال والأعمال الشهير بسنغافورة. يتناول الطعام هنا رجال أعمال بحلاتهم المتميزة، وأبناء بلد بضجيجهم وصخبهم وسياح غرباء، حيث يستمتعون بسيخ لحم دجاج مشوي من الساتاي أو غيرها من الأطباق المحلية في تجربة طعوم مثيرة لا يجب أن تفوتك، أما إذا كنت تفضل تناول الطعام حسب قائمة اليوم، فإن سعر الوجبة بالنسبة لفردين لا يزيد عن 24 يورو (26 دولارا):
شراب السلينج السنغافوري الشهير:
السلينج: مشتقة من كلمة شلينجن الألمانية، وتعني "ابتلاع"، وهو المشروب الشعبي في سنغافورة يقدم في شكله الكلاسيكي، مصنوعا من السكر والماء الساخن أو البارد وجوزة الطيب ومشروبات روحية مثل الجن أو الويسكي أو الروم أو البراندي. في شكله الحديث ، يتم تصنيعه من الجن ، والفيرموث الحلو ، وعصير الليمون ، والشراب المسكر، ومرطبات أنجوستورا ، ومياه الصودا. يقال إن مبتكره في سنغافورة هو البارمان الصيني نجيام تونج بوم، مطلع القرن الماضي ويرتبط بقوة بفندق الرافلز الفاخر في سنغافورة.
شيد هذا الفندق على الطراز الكولونيالي عام 1887، ولطالما كان مقرا لاجتماعات الطبقات النافذة، ويعتبر اليوم من المعالم القومية. ويقال إن شراب السلينج السنغافوري ابتكر في حانة فندق الرافلز (Long Bar) عام 1915. وعندما بدأت الطبقة الراقية تعتاد على إقامة تجمعاتها ولقاءاتها في المكان، مطلع القرن العشرين، كان الرجال يحتسون مشروبات روحية مثل "الخنيبرا" أو الويسكي، في حين تحتسي السيدات الشاي وعصائر الفاكهة وكان ذلك لزوم الإتيكيت وقواعد الذوق الرفيع.
أدرك البارمان الصيني نجيام تونج بوم هذه الملحوظة فتراءى له تضييق الفجوة بين الجنسين من خلال مزج المشروبات الروحية بالشاي والعصائر، مضيفا إلى المزيج أعشابا محلية وثمار جوز الهند مع الكرز الأحمر، الذي يعطي المشروب لونه الوردي. ومنذ ذلك الحين أصبح السلينج السنغافوري المشروب الأكثر مبيعا في الفندق، وبدأ بار الرافلز (Long Bar) يستقبل أعدادا ضخمة من السائحين الذين يقصدون المكان لمجرد تنتاول المشروب الأصلي، ومازال الوضع على هذا الحال إلى الآن، وبالرغم من ارتفاع سعر الكأس منه ليصل حاليا إلى 26 يورو ما يعادل 28 دولارا، إلا أن هذا لا يردع الزبائن ومازال الإقبال مستمرا.
النادلات الطائرات في حانة أطلس
أما من يريدون احتساء الشراب في جو أكثر غرائبية، فيتعين عليهم زيارة حانة أطلس الشهيرة. المبنى مشيد على طراز "الأرت دي كو" المعماري الأوروبي العريق، على هيئة كاتدرائية، تشبه إلى حد بعيد أجواء "الجوثيك" الظلامية في مدينة جوثام الشهيرة في روايات الكوميكس لشخصية باتمان، ويقع المكان في ميدان باركفيو، بحي بوجيس التاريخي.
بالداخل، يغرق الزائر في صالون ضخم مفروش بسجاد شرقي أحمر، ومقاعد وثيرة من القطيفة الخضراء مع أرائك من الجلد. يوجد بالمكان أكثر من 1300 نوع من المشروبات الروحية الثقيلة، بخلاف العديد من المشروبات الخفيفة معروضة في فتارين زجاجية ضخمة، ولا تنتهي الإثارة عند هذا الحد، فالنادلات الطائرات مشهد خرافي آخر. ترتدين ثياب جنيات الحواديت الخرافية، وتتدلين من السقف بالحبال، وتتحركن في الأرجاء وكأنهن تحلقن في الفضاء وتقدمن المشروبات للزبائن على هذا النحو.
كوكري ماجيك: مدرسة روكسانا للطهي
مؤسستها مهندسة عمرها 56 عاما، بدأت هذا النشاط في سن مبكرة لكي تنهي احتكار الرجال لفن الطهي وتسعى لتعليم السيدات أصول الطهي والاعتزاز بما يقدمن، تبلغ قيمة الدورة 280 دولارا. تعطي زيارة واحدة لمدرسة روكسانا فازانوالا للطهي، انطباعا جيدا عن كيف تصنع الأطباق التقليدية في سنغافورة. أقامت روكسانا مدرستها في منزلها الصغير بحي لا يشبه على الإطلاق ما يأمل الزائر رؤيته حين يأتي إلى سنغافورة، فلا يوجد في الأرجاء أية مباني مرتفعة على مرمى البصر، كما يوجد أمام باب المدرسة سيارة فولكس فاجن موديل البيتلز الشهير الذي يطلق عليه "الخنفسة".
تعلم روكسانا الطالبات كيفية إعداد طبق اللاسكا، وهو من الوجبات التقليدية الشهيرة في سنغافورة ومنشأه جزر الملايو، وهو عبارة عن حساء الكاري مضاف إليه حليب جوز الهند مع الفلفل الحار، تضاف إليه شعيرية من دقيق الأرز، والخضروات والسمك والروبيان.
تجمع سنغافورة بين العديد من الثقافات وتعكس هذا التنوع في الأطباق التي تقدم على الطاولة، قد يبدو بعضها غريبا بالنسبة لأذواق بعض المعتادين على عادات غذائية مختلفة، إلا أنها لن تبدو لهم مملة أو خالية من الغرائبية.
|
عيون المقالات
|
سنغافورة: احتفالية الطعوم لمختلف انواع الطهي الآسيوي والإسلاميسنغافورة - يتجمع المدخنون عقب رحلة طيران تمتد لأربع عشرة ساعة داخل مربع صغير مرسوم على الأرض أمام مبنى المطار في سنغافورة، ليبدأوا حفل تدخين شره باستمتاع وعن إرادة. ليس من السهل الحفاظ على متعة عادة التدخين التي تعد من المساوئ التي يرتكبها البشر في مثل هذا البلد، ولكن يمكن الاستمتاع بملذات أخرى، حيث تعتبر سنغافورة صندوق مفاجآت فيما يتعلق بفنون الطهي والطعوم المثيرة المختلفة.ماري فون دير تان
الاربعاء 18 مارس 2020
إقرأ المزيد :
|
|
|
|
||


الصفحات
سياسة









