خلال عقود ومنذ انتشار الفكر القومي وصعود المد القومي العربي الذي غذته خطابات عبد الناصر والقضية الفلسطينية التي اعقبت نكبة ١٩٤٨، هذا المد والذي تزامن مع موجة اسقاط الملكيات لصالح إقامة الجمهوريات العربية، وشعارات الوحدة العربية التي تبنتها الأحزاب القومية شعاراً لها، كل هذا جعل من القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية إضافة لبعدها الإسلامي، ومع صعود منظمة التحرير الفلسطينية والانقسام الدولي إلى معسكرين شرقي اشتراكي وغربي رأسمالي، وتغير تبعيات الدول العربية وانقسامها بين المعسكرين وتبني كل طرف أهداف الطرف الآخر ظهر بشكل واضح الانقسام حول معظم القضايا مع الابقاء على الموقف من القضية الفلسطينية في حده الأدنى دون خلاف بما سمي التضامن العربي، والذي جاء بعد لاءات قمة الخرطوم الشهيرة.
لم يتغير جوهر القضية الفلسطينية في وجدان الشعوب العربية حتى في وقت انقسام المواقف الرسمية العربية، والتي تسببت في صدام مع الفصائل الفلسطينية كما حدث في ايلول الأسود والمجازر التي لحقت بها في لبنان. مما تسبب بتراجع المقاومة الوطنية الفلسطينية لمصلحة ظهور مد إسلامي كرد فعل على مواقف الحكومات العربية، ساهم في ذلك صعود الثورة الاسلامية في إيران، وعلى الرغم من ذلك احتفظ ياسر عرفات برمزية وشعبية كبيرة، كانت سبباً في الانقسام الفلسطيني الفلسطيني .
كان العام ١٩٩٠ حاسماً بالنسبة للموقف من القضية الفلسطينية فقد شهد والعامين اللذين سبقاه سلسلة متغيرات دولية وإقليمية تسببت بانقسام واضح في المواقف العربية من القضية الفلسطينية.
فمن الغزو العراقي للكويت والذي كان نتاجاً لحرب الثمان سنوات بين العراق وإيران،، إلى سقوط الاتحاد السوفيتي وظهور ماسمي سياسة القطب الواحد إلى مؤتمر مدريد للسلام الذي حضرته عدد من الدول العربية، إلى توقيع اتفاقيات منفردة بين الدول العربية وإسرائيل، حينها أطلقت هذه الدول شعار الدولة أولاً وهذا ما أسس لمحور الاعتدال العربي والذي جعل من القضية الفلسطينية قضية قابلة للتفاوض ضمن إمكانيات الدول وقدراتها ومصالحها، بالمقابل ظهر تيار آخر سمي تيار المقاومة وكان بقيادة إيرانية صريحة فتح الطريق لسيطرة إيران على المنطقة من خلال أذرعها الممتدة داخل البلدان العربية، وأيضاً من خلال التعاون مع بعض الفصائل الفلسطينية، حيث استغلت إيران حاجة هذه الفصائل للدعم من أجل الاستثمار في علاقاتها معها،
كانت سوريا خلال فترة حكم نظام الأسد ضمن تيار ماسمي المقاومة بزعامة إيران والتي استخدمت هذا التيار ذريعة للتمدد داخل محيطها الاقليمي العربي، حاولت الدول العربية استعادة نوع من التعاون وإن كان بالحد الأدنى فيما أطلق عليه المبادرة العربية في قمة بيروت ٢٠٠٠، إلا أنها فشلت في ذلك لعدة أسباب أهمها تنامي الدور الإيراني وتراجع قوة التيارات الفلسطينية المؤيدة لها، مقابل تيارات مدعومة من محور المقاومة، جلب الاستثمار في القضية الفلسطينية فوائد مؤقتة وعلى المدى المتوسط لنظام الأسد تمثلت في دعم إيراني وعربي بذريعة خدمة المعركة،
بعد انطلاق موجة الربيع العربي وخروج ملايين الشباب إلى الشوارع كانت شعاراتهم التغيير والبحث عن حياة كريمة فيما تراجعت الشعارات القومية بصورة كبيرة مع بقاء القضية الفلسطينية كقضية وجدانية لكن دون المتاجرة بها على حساب أبناء البلد الواحد.
بعد انطلاق الثورة السورية وانكشاف المشروع الإيراني وأدواته بدا واضحاً أن القضية الفلسطينية استخدمت كذريعة للإبقاء على نظام الأسد وتمدد المشروع الإيراني ، والذي بدأ بالانحسار لاحقاً خاصة بعد فشلهم في دعم حماس في ماحدث بعد السابع من أكتوبر ٢٠٢٣،
الآن وبعد خسارة إيران لمشروعها الاستيطاني وتراجع دور أذرعها بدأت البحث عن استثماراتها السابقة لعلها تخفف من الضغط المفروض عليها،
إن محاولة الاستفادة من احقية القضية الفلسطينية باعتبارها قضية وجدانية في الضمير العربي واعتبار الحرب على إيران هي استهداف للقضية وتصفية لها، سوف تجر هذه البلدان إلى مخاطر هي في غنى عنها خاصة تلك التي خرجت منهكة من حروب محلية. وبالتالي فإن الأولوية هي لتقوية هذه الدول من خلال إعطاء الأولوية لمسائل الاستقرار والتنمية والابتعاد عن الشعارات والتي لم تنتج أي تغيير خلال عشرات السنوات،
إن اختيار شعار سوريا أولاً لايعني التخلي عن القضية الفلسطينية أو القضايا العربية أو حتى القضايا الانسانية باعتبارها قضايا محقة، وإنما هو محاولة لأن تكون سوريا دولة قوية لها حضورها العربي والاقليمي حتى تستطيع دعم القضايا الأخرى.
فمن غير المنطقي عندما يكون منزلك يحترق أن تحمل ( جردل الماء) لتطفئ حريقاً في الشارع المقابل.
سوريا قوية يعني أن القضايا التي تتبناها سيكون خلفها مدافع قوي ،أما الهتافات والشعارات ومهاجمة البعثات الدبلوماسية والمقاطعة الغير مدروسة كلها ستنعكس سلباً على سوريا الدولة قبل سوريا الحكومة.
الاحتجاجات الشعبية والتظاهرات حق مكفول لكن ضمن مايحقق مصلحة الدولة والسلطة معاً وليس العكس.
-----------
الشرق نيوز


الصفحات
سياسة








