تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

كي لا نكون شعباً من جُنود

28/02/2026 - مضر رياض الدبس

«شؤون الشباب» في معرض الكتاب

28/02/2026 - حسام جزماتي

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور


سينما السيارات الوحيدة في البرازيل تكافح من أجل البقاء




برازيليا - يصعد الطريق عبر منحدر وعر، نحو شارع لم يرصف منذ زمن ضيق، تملؤه الحفر، وغزت الحشائش البرية الكثير من جوانبه. على تلة مرتفعة قبالة الجانب الحديث من مدينة برازيليا، يمكن أن ترى لوحة إعلانات مضاءة بالأصفر والأحمر، تقف وحيدة في الفراغ، كما لو كانت تنتمي إلى عصر آخر، إنها سينما "درايف إن" او ، آخر سينما سيارات موجودة في البرازيل، بحسب تأكيد مارتا فاجونديز.


تؤكد سيدة الأعمال /57 عاما/ مدى اعتزازها بعملها. وتبدو دار السينما المقامة على مساحة 15 ألف متر مربع كما لو كان قد عفا عليها الزمن، بالرغم من وقوعها في قلب العاصمة برازيليا، والتي لا يكاد يوجد لها مثيل في كل أمريكا اللاتينية، وتحمل بين طياتها الكثير من الحكايات وعبق التاريخ.

كما تقف سينما درايف إن، شاهدا على تاريخ هذه المدينة التي نهضت من العدم على أنقاض الماضي، خلال أقل من خمس سنوات، أثناء حقبة الخمسينيات، وسط بلد شاسع الامتداد مثل البرازيل.

تعود ملكية المبنى إلى أحد أبناء الدكتاتور جواو بابتيستا دي أوليفييرا فيجريدو (1979 حتى 1985)، كما حظيت دار السينما برعاية بطل الفورمولا وان البرازيلي الشهير نلسون بيكيه. يقع بالقرب من المبنى استاد مانيه جارينتشا لكرة القدم، الذي أعيد تجديده بمناسبة إقامة مونديال ريو 2014، وعلى مرمى حجر منه يوجد برج مبنى التليفزيون الشهير. ويجعل تقارب القديم والحديث في العاصمة البرازيلية المدينة تتأرجح بين الطليعية الحداثية في المعمار والإغراق في الشيخوخة المبكرة، وفي المنتصف تقع هذه السينما العجيبة نموذجا حيا على هذه الحالة الفريدة.

"إنه مكان سحري رائع. إنها أكثر سينما رومانسية عرفتها في حياتي"، تؤكد ماريزا بريرا دا سيلفا، المشرفة على العروض منذ عام 1999، موضحة أن مسمى درايف إن، مستوحى من نماذج سينما السيارات التي ظهرت في الولايات المتحدة واكتسبت شهرة خلال حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، مع تحول السيارة إلى منتج شعبي في متناول الجميع، ومن ثم أصبحت سينما السيارات مكانا يقضي فيه الناس وقتا جماعيا للترفيه، خصوصا الشباب مع رفيقاتهن العاطفيات الراغبين حيث يمكثون في مكان محتشم لمشاهدة عروض الأفلام من السيارات.

افتتحت سينما درايف إن برازيليا عام 1973، وبدأت فاجونديز العمل بالمكان بعد ذلك بوقت قصير لمساعدة والدها، وهو عسكري سابق، هاجر من الجنوب ليبحث عن فرصة في العاصمة الإدارية الجديدة. تتذكر فاجونديز "لقد كانت سنوات المجد". في ذلك الوقت لم يكن يوجد في برازيليا سوى اثنتي عشرة دار سينما فقط، وكان بوسع الدار استيعاب نحو 600 سيارة في العرض الواحد، ولكن مع تقدم الزمن، وما صاحبه من تطور تكنولوجي، تراجع جمهور السينما، إلى أن قرر نجل الدكتاتور في النهاية الرحيل عام 1988، إلا أن فاجونديز لم تستسلم، وصممت على مواصلة المشروع بمفردها. عانت فاجونديز منذ ذلك الحين العديد من المشاكل، اضطرت للإغلاق لبعضة شهور خلال عام 1989، كما واجهت العديد من المشاكل مع السلطات بالإضافة إلى مضايقات من جانب رجال أعمال جدد ظهروا في الجوار، أخذا في الاعتبار أن سينما السيارات تتشارك في جزء من مضمار سيارات برازيليا. يذكر أنه في عام 1995، قررت الحكومة عدة إجراءات إدارية لضمان عدم انفصال المشروعين، لدرجة أن بطل الفورمولا البرازيلي الشهير بيكيه، كان يسعى في البداية لإغلاق دار السينما، ولكن بعد أن تعرف على المكان عدل عن رأيه. "لن يضايق أحد سينما السيارات بعد الآن"، تتذكر فاجونديز عبارته الشهيرة، مؤكدة أنه لا يزال يحيط درايف إن سينما بالرعاية بالرغم من أنه اعتزل المضمار في 2005.

ولا يزال وضع السينما غير مستقر ، وهو أمر يعد تقليديا بالنسبة لبلد مثل البرازيل تتحكم فيه البيروقراطية والعشوائية، وعدد لا حصر له من المشاكل التي تبقى بلا حل بسبب عدم كفاءة المسؤولين وتفشي الفساد، لدرجة أن فاجونديز لم يعد لديها في الوقت الراهن رخصة لإدارة وتشغيل السينما، والتي تقع فعليا على أرض مملوكة رسميا للدولة.

وتسعى فاجونديز منذ سنوات لتقنين أوضاعها، ولكن بلا جدوى، حيث تعرب عن أسفها قائلة "لا أدري إلى متى سأتمكن من الصمود على هذا الحال"، مشيرة إلى وجود تحديات وجودية أخرى تتمثل في نقص الأموال اللازمة لاستمرار المشروع.

شاشة السينما عبارة عن جدار أبيض ضخم مقام في الهواء الطلق، تجري له عمليات صيانة دورية باستخدام مواد طلاء خاصة، إلا أنه مع ذلك توجد الكثير من التفاصيل في المكان التي تحتاج إلى إحلال وتبديل، فعلى سبيل المثال، أمام قاعة العرض يوجد مطعم كان يقدم وجبات خفيفة ومرطبات للجمهور، أغلق الآن أبوابه وأصبح مهجورا تماما.

لكن في النهاية، يمكن عمل شئ. منذ سنوات بدا من المحتم إغلاق الدار بسبب استحالة تجديد أجهزة العرض المتهالكة، تلقت سينما السيارات ما يشبه قبلة الحياة من خلال برنامج لدعم صناعة السينما أطلق بمبادرة من الرئيسة السابقة ديلما روسيف، الذي خصص لها مبلغ 100 ألف دولار عام 2013. بعد ذلك بعامين قدم المخرج البرازيلي إيبريه كارفاللو فيلما وثائقيا بعنوان "آخر سينما سيارات"، استعرض فيه أمجاد درايف إن سينما والأحداث التي تعاقبت على المكان، وقد عرض الفيلم في أكثر من مهرجان دولي، مما سلط الأضواء مجددا على أهمية هذا المكان وضرورة الحفاظ عليه.

في الوقت الحالي تكسب فاجونديز قوتها من العمل كإخصائية تغذية، وهي مهنتها الأصلية، إلا أنها مصممة على الحفاظ على سينما السيارات، "بوازع من عاطفة شخصية، ود قديم"، حسب قولها، حيث توضح "في يوم سبت لو كانت الريح مواتية والعمل جيد، يمكن أن نستقبل حتى 100 سيارة على مدار حفلتين في اليوم، حيث يصل سعر التذكرة للفرد إلى 25 ريـالا، ما يعادل ثمان دولارات".

من حين لآخر تنظم الدار احتفاليات ومناسبات خاصة، للعائلات بصفة خاصة احتفالا بأبنائها. "تحظى سينما السيارات عادة بأنها مكان خلوة للعشاق، ولكن في حقيقة الأمر، درايف إن سينما في برازيليا هي مكان للأطفال أكثر من أي شيئ آخر"، توضح فاجونديز، معربة عن قناعتها بأن هذه الدار لن تغلق أبدا وسيمتد عمرها لسنوات أكثر وأكثر.


إيزاك ريسكو
الاحد 11 يونيو 2017