تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة


"طادروم" الأمازيغية تفتح مغاورها الجبلية للباحثين عن عطلة مختلفة




تونس - تبدأ فاطمة منذ الساعات الاولى للصباح مثل كل يوم، بإعداد إحدى الأكلات الأمازيغية بعد أن تكون تقلت إشعارا من وكالة أسفار متعاونة تخبرها بقدوم وفد سياحي لقضاء بضعة أيام في المغاور الجبلية، حيث تقطن مع عائلتها منذ ولادتها.


تعيش فاطمة الطالبي /53 عاما/ هي وشقيقتها التي تصغرها بسنتين ومعهما والدتها في منزل ملاصق لسفح جبل صخري في قرية "طادروم" الأمازيغية بولاية تطاوين الواقعة بأقصى جنوب تونس، وهو مكون أساسا من مغاور وكهوف محفورة في الجبال. وعائلة فاطمة هي من بين 15 عائلة فقط ذات أصول أمازيغية بقيت في القرية الصغيرة التي تتبع مدينة الدويرات على أطراف الصحراء التونسية، وهي تبعد نحو 30 كيلومترا جنوبا عن وسط مدينة تطاوين، المدينة الرئيسية في الولاية. تقول فاطمة لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) "هاجر أغلب الأهالي إلى المدن والعاصمة للعمل والدراسة والاستقرار هناك. نحن لا نملك مكان آخر لنذهب إليه لا نريد مغادرة طادروم. على العكس من ذلك راودتنا الفكرة بأن نفعل شيئا من أجل الاستثمار هنا وتغيير حياتنا للأفضل". امتهنت فاطمة وشقيقتها عدة أعمال حرفية مثل النسيج وغزل الصوف، كما قامتا برعي الأغنام لكن فكرة الاستثمار في القطاع السياحي راودتها بعد أن تمكن ابن عمها في تشييد نزل صغير في قرية محاذية ونجح في استقطاب السياح من المدن السياحية القريبة. بعد ذلك نجحت فاطمة في الحصول على دعم مالي من مؤسسة "لمسة" المحلية وأخرى سويسرية "كونتاكت سويس" المتخصصة في دعم الشركات الناشئة وقامت بإدخال تحسينات على المغاور وتهيئتها لتتحول إلى إقامة سياحية فريدة من نوعها. توضح فاطمة قائلة "أنهيت القسط الأول من الاقامة وهي مكونة من مقصورتين وقاعة جلوس ونحن بصدد التوسع للإنهاء من تحضير مقصورة ثالثة". تملك تطاوين أكبر ولايات تونس، قصورا ومغاور جبلية ذات شهرة عالمية من حيث معمارها وبناءاتها، كما تختص بحضور قويا للثقافة الأمازيغية بجانب الحضور العربي، حيث تستخدم اللغة الامازيغية على نطاق واسع في القرى النائية كما يحتفظ السكان حتى اليوم بعاداتهم القديمة في الطبخ والسكن في تلك القصور. بالإضافة لقرية "طادروم" تنتشر القرى الامازيغية قرب جبال "الظاهر" المعروفة والتي تشمل ولايات تطاوين وقابس ومدنين، مثل قرى تامازريت وقصر حدادة وقصر اولاد دباب وشنني وتوجان. ويعتقد المؤرخون ان المنطقة تعد من بين اقدم التجمعات البشرية حيث عثر الباحثون في العديد من الكهوف الصخرية رسوما على جدرانها وأسقفها تعود إلى أكثر من خمسة آلاف عام قبل الميلاد، وتشير الرسوم بوضوح إلى الحياة اليومية لسكان الكهوف، وتعبر عن المعتقدات السائدة في المنطقة خلال تلك الحقبة الزمنية. وتطاوين تعد أيضا وجهة مهمة لعلماء الجيولوجيا لأن تضاريسها شاهدة على تحولات بسطح الأرض منذ ملايين السنين كما كانت موطنا للديناصورات، تدل على ذلك الاكتشافات الحديثة لهياكل عظمية تعود لهذه الحيوانات. ويفسر المؤرخون اقبال السكان القدامي على العيش في المناطق الجبلية الوعرة والقرى الصحراوية البعيدة برغبتهم في الابتعاد عن الغزاة والقوى التي ترغب في إخضاعهم. وعلى هذا الأساس تحمل كلمة الامازيغ معنى "الرجل الحر" بالعربية. ويوضح رئيس المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات، أحمد عصيد أن اختيار الأمازيغ السكن في الجبال يرجع إلى تاريخهم المليء بالمقاومة ضد الإمبراطوريات والغزاة في شمال افريقيا. ويضيف عصيد "تعرض الأمازيغ للغزو والاستعمار من طرف البيزنطيين والفينيقيين والوندال والرومان ثم العرب والعثمانيين، وصولا إلى الاستعمار الأوروبي الحديث. اختاروا الجبال لأنها تحميهم من العدو، وتوفر لهم تضاريسها الوعرة ظروفا مواتية للمقاومة ". لكن من مزايا العزلة في المغاور والكهوف الجبلية بحسب عصيد أنها مكنت الأمازيغ من الحفاظ على لغتهم وهويتهم وثقافتهم على مدى قرون طويلة بسبب ندرة الاختلاط وتماسك المجتمعات الصغيرة. فحتى اليوم تحرص فاطمة مثل باقي العائلات الأمازيغية، على إحياء رأس السنة الأمازيغية وإعداد الطبيخ الذي يليق بالمناسبة مثل الكسكسي الأمازيغي والملوخية وطبق "الهريسة" المكون من الشعير المطحون في الصلصة واللحم المقدد. وهذه الاحتفالات بدأت تكتسب زخما أكبر في تونس منذ ثورة عام 2011 وبداية الانتقال الديمقراطي، في ظل الانفتاح الاعلامي وأنشطة الجمعيات المدافعة عن الأقليات ما مكن من كشف النقاب عن الثقافة الأمازيغية بشكل أكبر في المناطق المعزولة في الجنوب. وتمثل تلك العادات والخصوصيات الثقافية عنصر استقطاب اضافي للسياح الذين يتدفقون على جبال تطاوين وقصورها والاقامات عبر وكالات الأسفار في المدن السياحية الشهيرة بالجنوب التونسي مثل جزيرة جربة وجرجيس. ولا تقدم المغاور الخدمات ذاتها في فنادق جرجيس وجربة الفاخرة غير أنها توفر الراحة والهدوء وتمنح المقيمين تجربة حياة طبيعية مختلفة في المرتفعات وعمق الجبال الصخرية، كما توفر فرصة نادرة لرؤية مشاهد خلابة لغروب الشمس في الصحراء. بالنسبة لفاطمة فإن التحدي الأساسي في اقامة المغاور يكمن في اتاحة الفرصة كاملة للزوار بأن يعيشوا المغامرة بكل تفاصيلها، وهي تشير إلى ذلك قائلة "يأتي السياح إلى هنا لأنهم يملون من الاقامة في الفنادق. إنهم يبحثون عن شيء مختلف في الطبيعة ونحن نحرص على أن نعد لهم الاكلات البيولوجية. عندما يقيمون هنا يتعلقون بالمكان ويصعب عليهم المغادرة". تستقطب إقامة فاطمة اليوم 15 زائرا في أقصى الحالات لكن تتوقع صاحبة المشروع أن يرتفع العدد في مرحلة لاحقة إلى أكثر من عشرين زائرا في الليلة الواحدة مع انتهاء أشغال التوسع والتهيئة في مقصورة جديدة. وتقول فاطمة بنغمة متفائلة "لن نتوقف عند هذا الحد. سنستمر تدريجيا في تحقيق أحلامنا والأفكار التي تراودنا. هناك الكثير مما يمكن الاستمتاع به هنا في طادروم".

طارق القيزانى
الاربعاء 1 مايو 2019