عقوبات بريطانيا بحق السعودية لن تعفيها من دماء الأبرياء







انتقد الكاتب البريطاني، بيتر أوبورن، العقوبات البريطانية الأخيرة، ضد السعودية، وميانمار، بسبب ما يجري بحق اليمنيين وأقلية الروهينغا المسلمة، من جرائم وانتهاكات واسعة. وقال إنها لن تفعل شيئا لوقف القتل.

وقال أوبورن، في مقال بموقع "ميدل إيست آي " البريطاني، ترجمته "عربي21"، إن بوريس جونسون، "لم يبد اهتماما حقيقا، في الدفاع عن حقوق الإنسان طيلة عامين" مشددا على أنه وطيلة تسلمه للخارجية البريطانية، كان مؤيدا لتوريد السلاح للسعودية.

ولفت الكاتب، إلى أن "الأسوأ من كل ذلك أن جونسون، هو الذي ضمن قيام بريطانيا بشكل فعال، بقطع الطريق على جهود الاتحاد الأوروبي لفتح تحقيق دولي مستقل في جرائم الحرب السعودية في اليمن".

وفيما يلي النص الكامل للمقال:


  عندما كان بوريس جونسون وزيراً لخارجية بريطانيا لمدة عامين لم يبد اهتماماً حقيقياً في الدفاع عن حقوق الإنسان. بل على العكس تماماً.

وقعت كارثتان حقوقيتان تحت سمعه وبصره ولم يرفع إصبعاً ليوقف أياً منهما. كانت الأولى الكارثة الإنسانية في اليمن حيث يعتقد بأن ما يزيد عن مائة ألف قضوا نحبهم.

لم يفعل جونسون شيئاً لوقف القتال. بل بدلاً من ذلك صب الزيت على النار المشتعلة فيه.

عظة أخلاقية

لا يمكن نسيان أنه طوال فترة وجوده على رأس وزارة الخارجية استمرت بريطانيا في توريد السلاح إلى المملكة العربية السعودية، المحرض الأساسي على الحرب.

وكانت الكارثة الكبيرة الأخرى هي الإبادة العرقية لمسلمين الروهينغيا في ماينمار. هنا كان سلوك جونسون فظيعاً من الناحية الأخلاقية، فقد دافع مارك فيلد، أحد الوزراء الصغار في وزارته، عن النظام في ماينمار بينما كانت عمليات القتل مستمرة.

ففي خطاب معيب في مجلس العموم في سبتمبر 2017 ندد فيلد بالروهينغيا لإثارتهم العنف، بينما لم تفرض أي عقوبات على الجنرالات الذين أمروا بارتكاب المجازر.

كان سلوك جونسون ملاماً بشكل خاص لأن بريطانيا طوال تلك الفترة كانت حاملة القلم في الأمم المتحدة بخصوص ماينمار واليمن، وذلك حمل بريطانيا مسؤولية خاصة – ومنحها فرصة فريدة – لوضع حد للعنف الدائر في المكانين. ولكن جونسون فعل النقيض من ذلك.

والأسوأ من كل ذلك أن جونسون هو الذي ضمن قيام بريطانيا بشكل فعال بقطع الطريق على جهود الاتحاد الأوروبي لفتح تحقيق دولي مستقل في جرائم الحرب السعودية في اليمن.

قليل جداً ومتأخر جداً

إذن يتوجب علينا أن ننظر بعين الريبة إلى الإعلان هذا الأسبوع من قبل وزير الخارجية دومينيك راب أن بريطانيا ستفرض نظام عقوبات صارماً. وكان راب، الذي عين وزيراً للخارجية عندما أصبح جونسون رئيساً للوزراء في يوليو / تموز من العام الماضي، قد أعلن يوم الاثنين عن عقوبات جديدة ستفرض بحق من ينتهكون حقوق الإنسان.

آن لذلك أن يحصل.

شملت قائمة العقوبات تسعة وأربعين فرداً ومنظمة، وهي القائمة الأولى فيما يسمى "نظام عالمي للعقوبات بشأن حقوق الإنسان"، وهو نظام جديد من نوعه. وتتضمن القائمة خمسة وعشرين مواطناً روسياً متهمين بالضلوع في قتل سيرجي ماغنيتسكي، المدقق الذي كشف النقاب عن فساد روسي على نطاق واسع.

كما شملت العقوبة عشرين مواطناً سعودياً ضالعين في وفاة الصحفي جمال خاشقجي.

وأنزلت العقوبات كذلك بحق اثنين من كبار القادة العسكريين الضالعين في الإبادة العرقية للروهينغيا.

وشملت كذلك منظمتين اثنتين ضالعتين فيما وصفته وزارة الخارجية "العمل القسري والتعذيب والقتل الذي يحدث في معسكرات العمل العقابية في كوريا الشمالية."

وقال راب: "إذا كنت كليبتوقراطياً أو جزءاً من الجريمة المنظمة فسوف لن تتمكن من غسيل أموالك المغموسة بالدم في هذا البلد."

لغة قوية، والقائمة فيما تؤول إليه مرحب بها.

من الحق أن يعاقب جميع من ورد ذكرهم آنفاً وأن ينالهم تنديد المجتمع الدولي. ولكن هذا قليل جداً وجاء متأخراً جداً. كانت بريطانيا في وضع يؤهلها لأن تخفف، إن لم تمنع، الإبادة العرقية في ماينمار. أما فرض عقوبات على اثنين من الجنرالات فيشعرك بأنه إجراء يقصد منه حفظ ماء الوجه.

حليف موال

أكثر العقوبات لفتاً للأنظار هي تلك الموجهة ضد المملكة العربية السعودية. تضم القائمة رئيس المخابرات السابق أحمد العسيري، وسعود القحطاني، المستشار السابق لولي العهد الأمير محمد بن سلمان. يواجه كلا الرجلين المحاكمة غيابياً بتهمة تزعم أنهما أمرا بقتل خاشقجي في تركيا.

منذ عقود وبريطانيا هي أكثر حلفاء السعودية قرباً منها وولاء لها. وكانت مبيعات السلاح السابقة إلى المملكة قد وفرت عشرات الآلاف من الوظائف داخل بريطانيا. وتبقى المملكة العربية السعودية حليفاً استراتيجياً في الشرق الأوسط، وحسبما تقول الحكومة البريطانية، فقد ساعدت السعودية قوات الأمن البريطانية في إحباط الهجمات الإرهابية داخل البلاد.

وبالمقابل فقد غضت بريطانيا الطرف عن كثير من الفظائع التي ترتكبها المملكة العربية السعودية.

أوردت صحيفة الغارديان أن بريطانيا زودت المملكة بصادرات عسكرية بقيمة 10.3 مليار جنيه إسترليني (أي ما يزيد عن 12.9 مليار دولار أمريكي) ما بين عام 2008 وعام 2018. وكشف برنامج ديسباتشيز على القناة التلفزيونية الرابعة تفاصيل حول دور المعدات والتقنيين من شركة السلاح البريطانية بي إيه إي في إنجاز الغارات الجوية السعودية على اليمن.

عقوبات متأخرة

فقط قبل ما يزيد قليلاً عن عام مضى، حظرت محكمة النقض تصدير الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية لأن الوزراء لم يجروا تقييماً سليماً لمخاطر سقوط ضحايا بين المدنيين. إلا أن وزيرة التجارة الدولية ليز تراس أعلنت يوم الثلاثاء، أي بعد يوم واحد فقط من إعلان العقوبات البريطانية، أن مبيعات السلاح إلى المملكة العربية السعودية سوف تستأنف.

وتضمن بيانها زعماً مثيراً للدهشة، مفاده أن المراجعة الرسمية خلصت إلى أن الغارات الجوية على اليمن، والتي تنتهك القانون الإنساني، كانت "حوادث معزولة".

إذن، بعد يوم واحد من إطلاق بريطانيا لنظام جديد خاص بحقوق الإنسان، تمت الدعاية له على نطاق واسع، ها هي الحكومة تعلن استئناف بيع السلاح إلى البلد المسؤول عما وصفته الأمم المتحدة بأسوأ أزمة إنسانية في القرن الحادي والعشرين. وفي قضية جريمة قتل جمال خاشقجي قامت بريطانيا بالحد الأدنى الضروري للزعم بأنها قلقة بشأنها، وذلك حرصاً منها على ألا تغضب عليها محمد بن سلمان.

لقد تلطخ سجل جونسون بعدد غير قليل من البقع. كان أحدها تعامله الأخير مع وباء كوفيد-19 حيث ارتكب أخطاء مريعة وأثبت أنه مهمل. وفيما يتعلق بسمعة بريطانيا الدولية، إن أسوأ ما في تركته هو سلوك بريطانيا تجاه اليمن، حيث تصر بريطانيا على تزويد النظام السعودي بالسلاح.

نرحب بالعقوبات التي تفرض على المجرمين الدوليين حتى لو جاءت متأخرة، ولكن لا ينبغي أن يلفت ذلك النظر بعيداً عن تواطؤ بريطانيا في موت المدنيين الأبرياء في اليمن.
---------------
 ترجمة عربي ٢١- MEE

بيتر أوبورن
الجمعة 10 يوليوز 2020