هذا ما يلغو به بعض الناطقين باسم بعض المعارضات المتكاثرة التي أظهرت عداءها مبكراً للوضع الجديد، من دون قوة مؤثرة سوى التعويل على الفوضى أداةً سياسية، والهدف منع أي مشروع من النجاح. ولهذا طالعنا على الدوام خطاباً يهاجم كل خطوة مهما كانت صغيرة، ويصور أي تعثر باعتباره انهياراً كاملاً، ويطالب بمعايير مثالية يستحيل تحقيقها في ظروف ما بعد سنوات الثورة والحرب. ليس المقصود هنا النقد الطبيعي، فالنقد ضروري، بل تحويل النقد إلى عملية نزع مستمر للشرعية والأمل.
ما أوقع هذه المعارضة في خديعة وهن السلطة كحقيقة قائمة، فدخلت في عملية إنهاك مستمر للثقة بها اعتقاداً منها أن سقوطها سيخلق فراغاً يمكنها ملؤه سياسياً، مع أن الأمر لا يحتاج إلى كثير ذكاء لمعرفة أن الفراغ لا تملؤه النخب الفكرية أو الأحزاب الضعيفة تنظيمياً، بل القوى الأكثر خشونة وقدرة على السيطرة الميدانية. والمتوقع أن بعض القوى المرتبطة بالنظام السابق قد تستفيد من التناقضات التي تزج بالتيارات المختلفة في صراع مبكر على الديمقراطية والعلمانية والدستور قبل تثبيت الدولة، ويصبح من السهل اختراق هذا الانقسام وتغذيته. المفارقة الخطيرة: اعتقادهم أنهم يخوضون معركة ضد السلطة الجديدة، بينما النتيجة العملية لتصرفاتهم هي خدمة القوى الأكثر تنظيماً وخبرة، أي بقايا النظام القديم وشبكاته.
في المقابل، يجب الانتباه إلى مسألة مهمة جداً: ليس كل نقد أو تشاؤم أو خوف في المرحلة الانتقالية هو بالضرورة مؤامرة أو رغبة في عودة النظام السابق. المجتمعات الخارجة من الاستبداد تكون شديدة الحساسية تجاه أي سلطة، وكثيرون يخشون بالفعل إعادة إنتاج القمع تحت أسماء جديدة. الخطر هنا أن يتحول منطق حماية الدولة إلى تهمة جاهزة ضد أي معارضة، لأن ذلك قد يؤدي إلى إغلاق المجال العام وإعادة إنتاج الاستبداد. لهذا تبدو هذه المخاوف في صميم التفكير في ما يحدث في سورية اليوم: ليس فقط من يحكم، بل كيف يمكن منع الخلخلة في النظام الجديد، وكيف يُعاد تعريف العلاقة بين الدولة والسياسة والمجتمع بعد كل هذا الخراب.
كيف تُبنى معادلة تسمح بالاستقرار من دون خنق السياسة
في الوقت نفسه، لا تعني حماية الدولة منح أي سلطة حصانة مطلقة أو شيكاً على بياض. التحدي الحقيقي هو كيف تُبنى معادلة تسمح بالاستقرار من دون خنق السياسة، وبالنقد من دون تدمير الشرعية. هذه هي العقدة التي قد تفشل فيها المراحل الانتقالية.
تكمن المأساة السورية في أن الجميع يخشى عودة الاستبداد، لكن بعض السلوكيات قد تقود، من حيث تدري أو لا تدري، إلى ما هو أخطر: تفكك المجال الوطني نفسه، بحيث تصبح فكرة "الدولة السورية" مجرد اسم فوق خرائط نفوذ متصارعة.
-----------
العربي الجديد


الصفحات
سياسة








