كأن فرنسا، التي أنجبت ديكارت وباسكال ومونتسكيو، قررت في لحظة ما أن تنتقل من بناء العقل إلى تفكيكه، ومن تأسيس المعنى إلى نسفه. الثورة الفرنسية نفسها لم تكن مجرد حدث سياسي. كانت بداية قطيعة كبرى مع أوروبا المسيحية التقليدية المحافظة. للمرة الأولى، لم يعد الله مركز النظام، بل الإنسان. ثم لم يعد الإنسان نفسه مركز النظام، بل الجماعة الثورية. وبعدها أصبحت الدولة الثورية إلهاً جديداً يقرر الخير والشر. هكذا وُلد اليسار الأوروبي الحديث: من محاولة تحرير الإنسان، لكنه انتهى غالباً إلى تحويله إلى مادة داخل مشروع أيديولوجي ضخم انتهى بسحق هذا الانسان. في القرن التاسع عشر، خرج من فرنسا اليسار الجمهوري والعلماني والاشتراكي. ثم جاءت الماركسية الأوروبية التي وجدت في الجامعات الفرنسية بيئة خصبة. وبعد الحرب العالمية الثانية، ومع صدمة النازية وانهيار الثقة بالحضارة الأوروبية التقليدية، بدأت مرحلة جديدة: مرحلة الشك بكل شيء. لم يعد السؤال: كيف نبني مجتمعاً أفضل؟ بل أصبح: هل يوجد أصلاً حقيقة؟ هل توجد هوية؟ هل توجد قيم ثابتة؟ هنا ظهر ميشال فوكو، جاك دريدا، وجيل دولوز. ثلاثة مفكرين بالغوا الذكاء، لكنهم ساهموا في نقل أوروبا من النقد البناء إلى التفكيك الشامل. فوكو اعتبر أن المعرفة ليست بحثاً عن الحقيقة، بل أداة سلطة. المدرسة سلطة، الطب سلطة، السجن سلطة، وحتى اللغة والجنس والدين مجرد آليات هيمنة. أما دريدا فحوّل النصوص إلى متاهة بلا معنى ثابت، حيث يصبح كل شيء قابلاً لإعادة التأويل بلا حدود. ثم جاء دولوز ليحتفي بالسيولة المطلقة: لا هوية ثابتة، لا جذور، لا مركز، لا استقرار، بل إنسان “رحّال” بلا انتماء دائم. هذه الأفكار الخطيرة التفكيكية بقيت في فرنسا نخبوية وصعبة الفهم، لكنها عندما عبرت إلى الجامعات الأميركية في الثمانينيات تحولت إلى شيء آخر تماماً. امتزجت مع عقدة الذنب الغربية، ومع الصراعات العرقية والنسوية والهوياتية، فولد ما يسمى اليوم بـ”الووكيسم”. هكذا انتقل الغرب من الدفاع عن الحريات إلى الشك بالحضارة نفسها وفي معنى الحقيقة. صار التاريخ الغربي يُدرَّس كأنه سلسلة جرائم فقط اقترفها الرجل الابيض المسيحي. وصارت الهوية الوطنية تُعامل كنوع من العنصرية المقنّعة. وأصبحت الحدود، والعائلة، والدين، وحتى البيولوجيا، مواضيع قابلة للتفاوض والتفكيك. المفارقة أن أوروبا التي بنت الحداثة والعلم والتكنولوجيا دخلت تدريجياً في مشروع إنكار ذاتها. مدن كاملة فقدت ثقتها بتاريخها. مدارس لم تعد تعرف ماذا تدرّس. جامعات تحولت أحياناً إلى محاكم أيديولوجية. وأجيال كاملة تعلّمت كيف “تفكك” كل شيء، لكنها لم تتعلم كيف تبني أي شيء. المشكلة ليست في النقد بحد ذاته، فالحضارات الحية تحتاج إلى النقد. المشكلة حين يتحول الشك إلى عقيدة، وحين يصبح الهدم فضيلة بحد ذاته. الحضارة لا تقوم فقط على الحرية، بل أيضاً على المعنى والاتجاه. لا يكفي أن تهدم الكنيسة أو الدولة أو التقاليد؛ يجب أن تعرف ماذا ستضع مكانها. وهذا ما فشل فيه اليسار التفكيكي الأوروبي: لقد أتقن الهدم وفقد القدرة على البناء. اليوم تعيش أوروبا أزمة عميقة تتجاوز الاقتصاد والهجرة. إنها أزمة معنى وأزمة وجهة. قارة لم تعد تعرف إن كانت تؤمن بتاريخها أم تخجل منه، إن كانت تريد الحفاظ على هويتها أم إذابتها، إن كانت تعتبر الإنسان كائناً ذا جذور أم مجرد فرد عابر بلا انتماء. من إلغاء الهوية إلى إلغاء المعنى، ومن تفكيك السلطة إلى تفكيك الإنسان نفسه، دخل الغرب في مرحلة حضارية قلقة، حيث أصبح كل شيء نسبياً، حتى الحقيقة. ومع ذلك، فإن التاريخ لا يتوقف. ففي مواجهة هذا الانهيار الفكري، بدأت تظهر حركات مضادة في أوروبا وأميركا تدعو إلى العودة إلى الواقعية، والهوية، والعمل، والعائلة، والإنتاج، والمعنى. كأن الحضارة الغربية بدأت تدرك أن الإنسان لا يستطيع العيش طويلاً داخل فراغ فلسفي كامل ضمن أنانية الفرد المطلقة. فرنسا التي صدّرت الثورة صدّرت أيضاً التفكيك. لكنها قد تكتشف قريباً أن الأمم لا تعيش فقط بالأفكار التي تهدم، بل بالأفكار التي تسمح لها بالاستمرار.
------------
مواقع التواصل صفحة الكاتب
------------
مواقع التواصل صفحة الكاتب


الصفحات
سياسة








