هذه الأسئلة وغيرها يحاول الإجابة عنها الكاتب الهندي بانكاج ميشرا في مقال نشره في عدد أكتوبر 2026 من مجلة (هاربرز) الأمريكية ـ تصدر منذ عام 1850 وهي أقدم مجلة شهرية ما زالت تصدر في الولايات المتحدة ـ واختار له عنوانًا من كلمة واحدة هي (Disenchantment)، وهي كلمة تحمل معنى زوال الوهم وانكسار السحر في آن واحد، كأن الغرب كان واقعًا تحت أسر تعويذة صهيونية لعقود طويلة ثم أفاق منها فجأة. ميشرا المولود عام 1969 واحد من أهم كتّاب المقال السياسي في العالم الناطق بالإنجليزية، اشتهر بكتابه (من أنقاض الإمبراطورية) عن المفكرين الآسيويين الذين واجهوا الاستعمار الغربي، ثم بكتابه (عصر الغضب) الذي صدر عام 2017 وقرأ فيه صعود الشعبويات حول العالم، وأصدر في عام 2025 كتابه (العالم بعد غزة) الذي أثار جدلًا واسعًا لأنه حاول أن يفهم كيف تحولت ذكرى المحرقة النازية من درس أخلاقي كوني إلى غطاء لجرائم دولة بعينها. ويأتي مقاله الجديد بعد شهور من الحرب التي بدأت يوم 28 فبراير 2026 بضربات أمريكية إسرائيلية على إيران قُتل فيها المرشد الأعلى علي خامنئي، وردت عليها إيران بإغلاق مضيق هرمز، واتسعت بدخول حزب الله والحوثيين، ثم تعاقبت فيها الهدنات والاتفاقات والانهيارات، ولا زال العالم يدفع ثمنها في ارتفاع أسعار الوقود والغذاء بشكل يفوق الاحتمال.
أطروحة ميشرا، التي لن يتفق معها الجميع بالتأكيد، ترى أن الدعم الغربي غير المشروط لإسرائيل لم يكن مجرد نتاج لقوة جماعات الضغط كما يقال عادة، بل كان جزءًا من عملية أعمق وأخطر، أعاد فيها الغرب بعد 1945 رسم صورته عن نفسه بوصفه حامي الحضارة والضمير الإنساني، متناسيًا جرائمه الاستعمارية في آسيا وأفريقيا، ومتخذًا من التكفير عن المحرقة النازية شهادة حسن سير وسلوك تعفيه من أي حساب آخر، وأن الحرب على إيران جاءت لتكشف للناس العاديين ما كان مسكوتًا عنه، وجعلتهم يتساءلون بغضب: كيف منحت نخبنا كل هذه الشرعية لدولة تخوض حربًا بلا نهاية دون أن يؤخذ رأينا في هذه الحرب أو تكون مرتبطة بمصالحنا؟
يرى ميشرا في مقاله أن واقع السلوك الإسرائيلي بدأ أخيرًا يؤثر على إسرائيل. فحتى وقت غير بعيد، كان من السهل على الحكومات والنخب الغربية أن تتجاهل تدمير المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة، بل وأن تؤيده أحيانًا، وأن تتجاهل معه قصف إسرائيل لبلدان عديدة، واغتيالها لقادة أجانب، واستيلائها على أراضٍ لبنانية وسورية، وكان مقتل أكثر من عشرين ألف طفل في غزة بشكل متعمد في أكثر الأحوال، “يجرح الضمائر ولا يمس المصالح” في رأيه، والضمائر يمكن تهدئتها دائمًا ببعض الإدانات الطقسية التي تصدر ضد بنيامين نتنياهو أو ضد زملائه في الحكومة الذين لا يخفون تعصبهم، لكن الهجوم على إيران هو الذي وضع أمام أعين جمهور أوسع بكثير خللًا غريبًا في قواعد وممارسات ما يسمى بالمجتمع الدولي، ولذلك تزايد بسرعة عدد المواطنين في أوروبا وأمريكا الشمالية الذين صاروا يسألون بدهشة عن صك الشرعية الذي منحته نخبهم لإسرائيل، ولماذا يتعاملون معها بكل هذا الكرم غير المفهوم.
يرى ميشرا أن صك الشرعية الدولية هذا قام على قمع منهجي للحقائق بقدر ما قام على جهل عام بالشرق الأوسط. ففي التيار الرئيسي الدولي قُدمت إسرائيل دائمًا بوصفها «الديمقراطية الوحيدة في المنطقة» وصاحبة «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم»، وكان الاعتراض على ذلك يعرّض صاحبه للنبذ، ولم تكن هناك في الغرب عمليات «إلغاء» أشد قسوة وأسرع أثرًا من تلك التي تطلقها اتهامات معاداة السامية سيئة النية، بعد أن أعيد تعريف معاداة السامية بحيث تشمل انتقاد القومية الإثنية الإسرائيلية ذات النزعة الحربية، لكن الحرب الكارثية المتهورة على إيران كسرت هذا السحر في رأيه، وقد ظهر هذا بأشكال شتى، فوفقًا لاستطلاع أجرته صحيفة (نيويورك تايمز) مع كلية سيينا ـ نُشر في مايو 2026، أظهر أن 37 في المئة من الأمريكيين يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر، مقابل 35 في المئة يتعاطفون مع الإسرائيليين أكثر، أما بين من تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا فكانت النسبة 64 في المئة للفلسطينيين مقابل 14 في المئة فقط لإسرائيل ـ بحيث صار عدد الأمريكيين المتعاطفين مع الفلسطينيين أكبر من عدد المتعاطفين مع إسرائيل. ولا ينكر ميشرا أن هذا التحول الدراماتيكي شجع أعضاء في اليمين المتطرف في أنحاء عديدة من الولايات المتحدة على إخراج معاداة سامية حقيقية وشديدة الشراسة من مكامنها، لكنه في الوقت نفسه أدى إلى اتجاهات إيجابية بعد أن اتسع وعي الناس بالفساد العميق في السياسة الأمريكية، فصار سياسيون من مختلف الاتجاهات يكسبون أصواتًا وسط الناخبين لأنهم يعارضون تمويل دولة تخوض الحروب بلا نهاية، وهو أمر لم يغب عن نائب الرئيس جي دي فانس، الانتهازي الدائم كما يصفه ميشرا، الذي قال لإسرائيل علنًا وعينه على انتخابات الرئاسة في 2028: «لا يمكنكم ببساطة أن تقتلوا في طريقكم إلى حل كل مشكلة من مشكلات أمنكم القومي» ـ قال ذلك في حوار مع صحيفة (نيويورك تايمز) نُشر في 18 يونيو 2026، ردًا على هجوم الوزيرين الإسرائيليين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير على اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران ـ.
وفي قطيعة فارقة مع كل من سبقوه في المنصب، اتهم عمدة نيويورك زهران ممداني إسرائيل مرارًا بارتكاب إبادة جماعية، ومع ذلك أظهر استطلاع لوكالة (أسوشيتد برس) ومركز نورك أن نسبة اليهود الأمريكيين الذين ينظرون إليه نظرة إيجابية ـ 44 في المئة ـ أعلى من نسبة من ينظرون إلى نتنياهو نظرة إيجابية ـ 32 في المئة ـ. وفي ولاية ميشيغان، هزم الطبيب عبدول السيد، الذي خاض حملته واعدًا بإنهاء المساعدات العسكرية غير المشروطة لإسرائيل، النائبة هايلي ستيفنز المؤيدة لتلك المساعدات، في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي على مقعد الولاية في مجلس الشيوخ، التي جرت في 4 أغسطس 2026.
ولا يقتصر الأمر على أمريكا، فإعادة تقييم إسرائيل تتسارع بين حلفائها الذين كانوا يومًا من أشد المتحمسين لها. فقد وجدت إيطاليا نفسها في صف واحد مع إندونيسيا وباكستان في إدانة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، بعد أن نشر في مايو 2026 مقطع فيديو يسخر فيه من ناشطي «أسطول الصمود» المؤيدين للفلسطينيين وهم راكعون وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم، وهو ما دفع وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إلى مطالبة الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على بن غفير. أما في بريطانيا، فقد اختار آندي برنهام، قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء في يوليو 2026 خلفًا لكير ستارمر الذي أطاحت به أزمة داخل حزب العمال، أن يعتذر علنًا في مقطع مصور على وسائل التواصل الاجتماعي عن موقف حزبه من الحرب على غزة، ذلك الموقف الذي شمل تأييد ستارمر للأسلوب الإسرائيلي في خنق غزة بقطع الماء والكهرباء عنها ـ كان ستارمر قد قال في حوار إذاعي في أكتوبر 2023، حين كان زعيمًا للمعارضة، إن لإسرائيل الحق في ذلك، قبل أن يحاول التراجع عن كلامه ـ.
يرى ميشرا أن التحولات الأعمق التي أحدثها انكشاف إسرائيل أمام العالم لم يُلتفت إليها بعد بالقدر الكافي. لم تكن إسرائيل، في رأي ميشرا، أقل من روسيا الثورية أو الصين أو غيرهما من الدول صاحبة المشاريع الطوباوية في إعلانها منذ زمن طويل عن أخلاقيتها الخاصة، تلك الأخلاق المتفوقة التي يمنحها لأنفسهم من يرون أنهم منخرطون في مشروع نبيل، في الوقت الذي كانوا فيه يقتلون شعوبًا ضعيفة ويسلبونها ممتلكاتها. لكن السياسة الصهيونية حظيت، أكثر من غيرها من القوميات العابرة للحدود كالقومية الأيرلندية والهندوسية والأرمنية والتبتية، بمناصرين نافذين في أوروبا والولايات المتحدة منذ السبعينيات، وهو ما يسمح لنتنياهو اليوم ولسابقيه بالأمس بتقديم إسرائيل بثقة على أنها الطليعة التي تدافع عن الحضارة الغربية في مواجهة «البرابرة»، فقد كانت إسرائيل ملجأ لأقلية تعرضت للاضطهاد داخل الغرب نفسه، لكنها تحولت تدريجيًا، عبر سلسلة من المناورات، إلى عنصر حاسم في إحساس النخب الغربية بقيمتها الذاتية. وقد اعتادت التفسيرات التقليدية لنفوذ إسرائيل الهائل أن تركز على جماعات الضغط في عالم المال والسياسة والإعلام، لكن ميشرا يقترح تفسيرًا أكثر تاريخية وأعمق كشفًا، وهو أن عملية إعادة تشكيل متعجلة لصورة الغرب عن نفسه بدأت من نقطة الصفر في عام 1945.
كان هتلر، كما لاحظت الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل عام 1943، يمثل «تطبيق ألمانيا على القارة الأوروبية، وعلى العرق الأبيض عمومًا، لأساليب الغزو والسيطرة الاستعمارية». وكان جورج أورويل، الذي عمل في شبابه ضابطًا في الشرطة الاستعمارية البريطانية في بورما، قد رأى من هذه الأساليب في آسيا ما جعله يتساءل حتى عام 1940 عما إذا كان عليه أن يؤيد الإمبراطورية البريطانية في مواجهة منافستها النازية. أما نزعات ونستون تشرشل إلى ما يشبه الهتلرية في نظرته إلى إبادة الشعوب، فقد أشار إليها عام 1944 أحد وزرائه، بعد أن أسهمت سياسات تشرشل في وقوع مجاعة البنغال التي راح ضحيتها ملايين الهنود. ولم يكن ألبير كامو يبالغ حين وصف الهتلرية عام 1946 بأنها سم غربي حديث نجا من الحرب. فكراهية اليهود لم تختفِ من البلدان التي تعاون سكانها مع النازيين، حتى إن مذابح ضد اليهود وقعت في بولندا عام 1946 أي بعد انتهاء الحرب، بل إن محرري أوروبا أنفسهم، بريطانيا والولايات المتحدة، أبقوا حواجز عالية أمام دخول الناجين اليهود من المحرقة إلى بلادهم. أما الإبادة النووية لمدينتين يابانيتين، التي سبقها تصوير اليابانيين على هيئة قرود حتى في مجلة (النيويوركر) وصحيفة (نيويورك تايمز)، وأعقبتها حملات وحشية لقمع حركات التحرر في المستعمرات البريطانية والفرنسية، فقد أكدت أن عقلية تفوق البيض بقيت حية لدى دول الحلفاء التي انتصرت على النازية.
ومع ذلك فإن اندلاع حرب جديدة ضد الاتحاد السوفييتي، وُصفت بأنها «باردة» رغم أنها كانت ساخنة بلا شك من كوريا إلى أفغانستان، استلزم أن يبني الغرب لنفسه صورة أكثر إطراء ورضا عن النفس. فأصبحت فكرة أن «العالم الحر» يخوض معركة ضرورية ضد الشمولية، النازية أولًا ثم السوفييتية والبعثية وأخيرًا الإسلامية، هي الإطار الذي تفكر به أجيال متعاقبة من أبناء الطبقات المتعلمة البيضاء في أمريكا الشمالية وأوروبا. وأعيد تصوير الحرب العالمية الثانية نفسها على أنها معركة وجودية خاضتها الديمقراطية ضد الطغيان، مع أن هتلر استلهم في الأصل بعض أفكار علماء تحسين النسل الأمريكيين، وكان ينافس الإمبرياليين البريطانيين ويحسدهم، ومع أن الانتصارات الأكثر حسمًا على النازية حققها السوفييت لا غيرهم.
لم تكن إسرائيل (التي أسسها إلى حد كبير اشتراكيون معلنون، وسلحها ستالين في البداية عبر صفقات الأسلحة التشيكية التي كانت حاسمة في حرب 1948) منسجمة تمامًا مع هذه الصورة التي صنعها «العالم الحر» لنفسه بعد الحرب. بل إن الدولة الجديدة زادت الأمور التباسًا حين شاركت عام 1956 في عملية نهب إمبريالية من الطراز القديم، هي محاولة بريطانيا وفرنسا الاستيلاء على قناة السويس بعد أن أممها جمال عبد الناصر، وهي الحرب التي نعرفها في مصر باسم (العدوان الثلاثي). كما أن وجود أعداد كبيرة من اليهود ذوي البشرة الداكنة القادمين من البلدان العربية لم يساعد كثيرًا على تعزيز عضويتها في النادي الغربي، حتى إن المفكرة البارزة حنة أرندت وصفت الحشود اليهودية التي كانت تنتظر خارج المحكمة في القدس، أثناء تغطيتها لمحاكمة أدولف أيخمان عام 1961، بأنها «جموع غوغاء شرقيين». ثم جاء الانتصار الإسرائيلي السريع والمباغت في حرب 1967 ليثير حماسة كثير من اليهود الأمريكيين الذين كانوا قبل ذلك ينظرون بريبة إلى الوطن المفترض ليهود العالم، لكنه دفع في المقابل الرئيس الفرنسي شارل ديغول إلى وصف اليهود في مؤتمر صحفي شهير بأنهم «شعب نخبوي، واثق من نفسه، ومهيمن». يرى ميشرا أن آراء ديغول كانت مؤشرًا، لم يلتفت إليه كثيرون حتى السبعينيات، على أن طبيعة التحيز السائد جعلت فرنسا، لا ألمانيا، المكان الأكثر قابلية لوقوع إبادة لليهود، ومن المؤشرات الأخرى أن المحرقة لم تحظ باهتمام حقيقي في فرنسا طوال عقود بعد تحرير معسكرات الموت عام 1945، ولم تصبح مواجهة ذلك الماضي وإعادة بناء الهوية الوطنية أمرًا لا مفر منه إلا بعد أن كشف المؤرخ الأمريكي روبرت باكستون في أوائل السبعينيات عن حجم تعاون فرنسا مع النازية، ثم جاءت بعد ذلك سلسلة من محاكمات مجرمي حكومة فيشي. وقد ساعد الاتحاد السوفييتي، دون أن يقصد، في عملية إعادة صياغة الصورة الغربية، حين تحول اضطهاده لليهود فجأة إلى قضية شهيرة في أنحاء «العالم الحر»، وصار أنصار اليهود السوفييت المنشقين يعلنون تفوقهم الأخلاقي باسم هؤلاء اليهود، فتحولت حقوق الإنسان، كما يقول المؤرخ صمويل موين في كتابه (اليوتوبيا الأخيرة)، من مطلب نشأ بين الضعفاء إلى سلاح في يد الأقوياء.
وكما يضيف ميشرا، فقد جاءت عملية أخرى بارعة لإعادة تصميم الأيديولوجيا، إذ تحول إحياء ذكرى المحرقة منذ الثمانينيات، مصحوبًا باستعراض واضح للندم، إلى عنصر مركزي في الهوية الجماعية لمن أسهموا بقوة في وقوع المحرقة أصلاً. وظهر ذلك بأوضح صورة في ألمانيا، التي كان مستشارها في منتصف الستينيات النازي السابق كورت غيورغ كيزينغر، والتي بدأت بعد إعادة توحيدها، وبقدر من معاداة السامية اللامبالية، تساوي بين يهود العالم ودولة إسرائيل، فجعلت حماية إسرائيل جزءًا مما يسمى في ألمانيا «مصلحة الدولة العليا». أما دول أوروبا الشرقية، التي كانت المسرح الرئيسي للمحرقة، فقد خرجت من الحكم الشيوعي في التسعينيات لتكتشف أن الاعتراف النادم بالمذابح التي ارتكبت بحق اليهود أصبح بمثابة «تذكرة الدخول» إلى نادي جيرانها الأثرياء في أوروبا الغربية، كما لاحظ المؤرخ توني جَدْت في كتابه (ما بعد الحرب)، الذي كتب فيه أن أوروبا الجديدة حمّلت نفسها مسؤولية ضمان الانتباه إلى الفظائع التي ارتكبت ضد اليهود، وصار تعريف «الأوروبيين» أنهم الذين «ينتبهون بالفعل» إلى تلك الفظائع، لكن المخاطر كانت كامنة دائمًا في ذلك «الحضور التعويضي في كل مكان» كما يسميه جَدْت، والذي جعل الأوروبيين يعترفون بخسارة يهودهم ويعلّمونها ويخلّدونها، ويجعلون تذكر جرائمهم هو «التعريف والضمان ذاتهما لإنسانية القارة المستعادة». ففي المقابل لم يكن مطلوبًا من أحد أن يبدي القدر نفسه من الاهتمام الأخلاقي بالجرائم الكثيرة التي ارتكبها الأوروبيون بحق شعوب أخرى: ملايين الكونغوليين الذين قتلهم المستعمرون البلجيكيون أو قطعوا أيديهم، وعشرات الملايين الذين التهمتهم مجاعات أواخر العصر الفيكتوري في الهند والصين والبرازيل، بل وحتى نحو سبعة وعشرين مليون إنسان قُتلوا بسبب الغزو النازي للاتحاد السوفييتي، فقد تراجعت كل هذه المآسي عن الأنظار في مخيلة غربية عامة هيمنت عليها فظائع المحرقة ومعسكرات «الغولاغ» السوفييتية، أما الضحايا الكثيرون للإمبريالية الغربية في آسيا وأفريقيا فقد قيل لهم أن يكفوا عن تحميل الماضي مسؤولية محنتهم، وأن يتحملوا هم مسؤولية فشلهم في الحاضر. وفي الوقت نفسه، قدمت إسرائيل نفسها في توقيت مثالي باعتبارها الضمانة الأساسية ضد تكرار الإبادة في المستقبل، وتمكنت من ركوب موجة الحرب الباردة، فأصبحت المستفيد الأول من الصورة الغربية الجديدة.
في الفترة نفسها تقريبًا تواصل صعود سياسات الهوية في الولايات المتحدة، التي جعلت من التعرض التاريخي للاضطهاد علامة على الفضيلة الأخلاقية، فساهم في «أمركة» المحرقة، ووضع إسرائيل فوق مستوى اللوم. وبالنسبة لكثير من اليهود الأمريكيين الذين ازداد انشغالهم بالمحرقة، كان هناك، كما لاحظ الناقد روبرت ألتر، «نوع خاص من الإثارة» في أن يعيشوا بشكل غير مباشر تجربة ما لا يمكن وصفه، وهم محاطون بكل ما توفره لهم حياتهم الأمريكية من رفاهية وأمان. وتصادف في رأي ميشرا أن إسرائيل حصلت على عضويتها الشرفية في «العالم الحر» في اللحظة نفسها التي كانت تمضي فيها بخيلاء على الطريق المؤدي إلى ما يمكن أن نسميه «البن غفيرية». وكان الروائي سول بيلو واحدًا من الأمريكيين الذين تأخروا في الاهتمام بالمحرقة والصهيونية ثم عوّضوا تأخرهم بحماسة زائدة، لكنه مع ذلك حذّر في رسالة خاصة عام 1978 من أن إسرائيل تدفع نفسها إلى «درجة خطرة من التعصب». أما الناقد ألفريد كازين، الذي ظل ينتقد في يومياته «الوحشية المتزايدة للإسرائيليين» وافتتان اليهود الأمريكيين المتنامي بإسرائيل، فقد انتهى عام 1988 إلى أنه «لن يكون هناك سلام أبدًا مع إسرائيل»، مضيفًا: «لطالما اشتبهت في أنه ستكون هناك صراعات بلا نهاية بين إسرائيل والعالم الإسلامي، وشكّي الأعمق أن الحرب العالمية الثالثة قد تبدأ من هناك».
في العقود الأربعة التي تلت ذلك، تمتعت دولة يصفها ميشرا بشجاعة بأنها “عنصرية وإمبريالية، تمتلك أسلحة نووية وتزداد اقترابًا من القوميين البيض والفاشيين الجدد في الغرب”، بتقدير بين السياسيين والمثقفين الغربيين أوسع وأعمق مما حظي به أي نظام شيوعي من قبل. ولم يكن الفيلسوف البريطاني آيزايا برلين حالة شاذة حين اعترف للكاتبة سوزان سونتاغ بأنه يجد نفسه يفكر في إسرائيل بهوس وحنان يشبهان الطريقة التي كان الشيوعيون يفكرون بها في الاتحاد السوفييتي، ولم يكن برلين استثناء حين أعفى الصهيونية من تحليله الذي امتد طوال حياته لأمراض القومية والاستبداد، فأعمال عدد من أبرز المثقفين الغربيين، من الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس إلى الفيلسوف الأمريكي مايكل والزر، ومن المؤرخ تيموثي سنايدر إلى المفكر فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية «نهاية التاريخ»، تحمل في رأي ميشرا نفس الإغفال والتجاهل المعيبين. وكانت تلك في رأيه «خيانة للمثقفين» على نطاق واسع شارك فيها حاملو رايات الليبرالية الغربية جنبًا إلى جنب مع كتّاب صحف روبرت مردوخ، وأسهمت في صناعة واقع بديل لدولة يصفها ميشرا بأنها “دولة فصل عنصري”، ويمكن قياس نجاح هذه «الديمقراطية البوتيمكينية» ـ نسبة إلى القرى الوهمية التي يقال إن الأمير الروسي بوتيمكين بناها من واجهات خشبية ملونة ليبهر بها الإمبراطورة كاترين الثانية في رحلتها إلى القرم ـ بحجم الغضب الذي يشعر به كثيرون اليوم وهم يستيقظون على حقيقة الدعم غير المشروط الذي قدمته النخب الغربية لمجتمع يرى ميشرا أن نزعات الإبادة قد اجتاحته.
يرى ميشرا في مقاله المهم أن الفكرة التأسيسية لإسرائيل، أي فكرة أن اليهود الإسرائيليين ينبغي أن يتمتعوا بحقوق تفوق حقوق الفلسطينيين، كانت دائمًا كما وصفتها الروائية الإيطالية ناتاليا غينزبورغ، فكرة «وحشية»، فلا يمكن لأي قدر من معاناة الماضي أن يبرر سياسة العنف والظلم المنظم في الأراضي المحتلة، كما أن الافتراض الضمني لدى أنصار إسرائيل بأن التعرض للاضطهاد يمنح صاحبه فضيلة دائمة لم يكن افتراضاً منطقيًا في أي لحظة، ويضرب ميشرا مثلًا بالناجين من المذابح التي وقعت خلال الحرب الأهلية الروسية بين عامي 1917 و1921، والذين سرعان ما تحولوا إلى منفذين لسياسات النظام البلشفي، يشرفون على مذابح واسعة ومجاعات جماعية وأعمال سخرة. وهو ما يذكر بما كتبه الروائي في. إس. نايبول ذات مرة: «اكره الاضطهاد، واخشَ المضطهَدين»، في تلخيص واقعي لعصر التطرف الذي أثبت مرارًا أنه لا توجد جماعة بشرية، من أوكرانيا إلى إندونيسيا، محصنة ضد إفساد السلطة والأيديولوجيا. والصهيونية في رأي ميشرا لم تكن استثناء من تلك القاعدة القاتمة التي تقول إن المثالية السياسية المولودة من المعاناة القصوى تحمل في داخلها بذرة انحرافها، وإن ضحايا الكوارث التاريخية، حين تحركهم المخاوف والرغبة في الانتقام، يمكن أن يتحولوا بسرعة مخيفة إلى جلادين، ويرى ميشرا أننا يمكن أن نرى في الحزب الديمقراطي الأمريكي وغيره من التشكيلات السياسية المؤيدة لإسرائيل في الغرب ما كانت تعنيه غينزبورغ حين قالت إن الفكرة الوحشية التي «تنمو وتتكاثر جنبًا إلى جنب مع أفضل دوافعنا وتعطشنا إلى العدالة والمساواة» تنتهي بتحويل تلك الدوافع النبيلة إلى «كومة من القش المبتل».
يعتقد ميشرا أن هناك إدراكا متزايدا في الغرب بأن الولاء المطلق لإسرائيل قد أفسد العقول والأرواح، وأن هذا الولاء سيواجه مقاومة شرسة، وهو ما يجعل الكثير على المحك بالنسبة لأنصارها، فقد صارت هناك طريقة كاملة في الحياة لم تخضع للفحص من قبل، يمجد فيها الإنسان ذاته، ويبني أفكاره ومشاعره تجاه نفسه والآخرين، ويتصرف بلا رحمة وهو يشعر أنه فوق المساءلة. ومع بدء انهيار هذا البناء، أصبح الابتزاز الأخلاقي، كما يصفه ميشرا، هستيريًا بالفعل، وأصبحت الأسئلة الفخ من نوع «هل تعترف بحق إسرائيل في الوجود؟» أكثر توترًا، وباتت اتهامات معاداة السامية أكثر انفلاتًا، ولذلك يرى ميشرا في التعامل القمعي مع الجامعات بتمويل من الشركات، وفي المحاولات الفجة لتحويل شبكتي (سي بي إس) و(سي إن إن) إلى ما يشبه صحيفة (برافدا) السوفييتية، دليلًا على أن التستر على الحقائق الأساسية المتعلقة بإسرائيل لم يعد ممكنًا فرضه بالوسائل الناعمة.
لكن نتائج هذا الدعم المنظم بشكل هائل لمجتمع ملتزم بالحرب والتدمير بلا نهاية أصبحت، في رأي ميشرا، واضحة أكثر مما ينبغي في جوانب عديدة من الحياة الغربية: من قيادات سياسية في الوسط وقعت تحت الابتزاز، إلى الاستغلال الخبيث لكراهية اليهود من جانب اليمين المتطرف، مرورًا بعشرات الجامعات التي أضعفتها اتهامات معاداة السامية، والمؤسسات الصحفية التي حطّت من قدرها أكاذيبها وتعبيراتها الملطّفة عن الإبادة الجماعية. وبعد أن أصابهم دمار روحي من طول مشاهدة هذه الفظائع، وطاردهم الإحساس بأنهم ربما كانوا متواطئين فيها، ليصل عدد متزايد من الناس في الغرب إلى خلاصة مفادها أن التعريف الحقيقي لإنسانيتهم المستعادة، والضمان الحقيقي لها، يكمنان في الرفض الحاسم لما يصفه ميشرا بالأفعال الوحشية التي ترتكبها إسرائيل.
هل تعتقد أن ميشرا متفائل أكثر من اللازم؟ هل تظن أنه بالغ في قراءته لما يحدث، ربما لأنه يكتب وهو جالس على “كرسي مريح” ـ عنوان المقال الافتتاحي للمجلة الذي كتب فيه هذا الكلام ـ؟ ربما، لكن المؤكد أن المؤشرات التي قرأها ميشرا ليست شيئاً يمكن تجاهله مهما بلغ بك اليأس والتشاؤم، وأن البناء على هذه المؤشرات لن يتحقق بالانفعالات والمشاعر، بل بالعمل الدؤوب والجاد، وتلك هي المشكلة.


الصفحات
سياسة










