تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة


فوسفات تونس ثروة مهدورة في تاريخ طويل من الاحتجاجات






تونس - تحت خيمة من الكرتون والستائر البلاستيكية نصبت فوق سكة حديد، يعكف عاطلون حول حطب وجمر للاحتماء من البرد القارس ومناقشة خطواتهم القادمة للضغط على الحكومة.
يخطط هؤلاء العاطلون في مدينة منزل بوزيان التي تبعد عن العاصمة نحو 300 كيلومتر، هذه المرة لقطع الطريق عن امدادات الفوسفات القادمة من منطقة الحوض المنجمي في ولاية قفصة المجاورة والمتجهة إلى مصانع التحويل في قابس وصفاقس.
يأمل العاطلون من هذه الخطوة لدفع الحكومة إلى تلبية مطالبهم من أجل توظيفهم في إحدى الشركات بمنطقة الحوض المنجمي المنتج للفوسفات، بعد سنوات من البطالة والانتظار.


 
يطلق المعتصمون على احتجاجهم بـ"حراك 24 ديسمبر" وهو تاريخ رمزي يوافق سقوط أولى الضحايا من المدينة تحت رصاص الأمن، في ثورة 2011 التي أطاحت بحكم الرئيس زين العابدين بن علي، وهو تاريخ بدء الانتقال السياسي والديمقراطي في البلاد.
وبينما يلقى هذا الانتقال الذي أطلق شرارة الربيع العربي في المنطقة، إشادة دولية فإنه لا يعكس في الداخل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة لا سيما في المناطق الداخلية البعيدة عن العاصمة والمدن الساحلية.
يقول كريم فاضل المنسق في "حراك 24 ديسمبر" لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) "نحن نعتصم منذ ثماني سنوات ونفس المطالب كل عام. المدينة مهمشة وتخضع إلى عقاب مستمر ".
ويتابع كريم من أمام الخيمة وسط باقي المعتصمين "لم يتغير شيء منذ الثورة. لا توجد مؤسسات إدارية. الحكومات المتعاقبة لم تلتزم بأي اتفاقات سابقة".
ومع كريم هناك العشرات من العاطلين يصل عددهم إلى نحو 100 في الاعتصام في منزل بوزيان، ومن بينهم حاملون لشهادات عليا يتطلعون إلى تحصيل فرص عمل، تماما مثل باقي المحتجين في العشرات من الاعتصامات القريبة من منطقة الحوض المنجمي بقفصة أو المدن المجاورة لها.
لكن هذه الاحتجاجات المتواترة منذ 2011 أصبحت تمثل تهديدا لأحد أهم الثروات الطبيعية في تونس والتي تدر مداخيل مهمة للدولة ويتوقف عليها توفير جانب من النقد الأجنبي وتمويل مشروعات وطنية.
منذ عام 2010، الذي شهد بداية الاحتجاجات الشعبية ضد حكم بن علي، تعرض إنتاج "شركة فوسفات قفصة" المملوكة للدولة إلى انهيار وصل إلى أقل من نصف المعدل السنوي بسبب تواتر الاحتجاجات الاجتماعية المطالبة بالتنمية وبوظائف بعد أن كان يدر قرابة 10 بالمئة من اجمالي ايرادات صادرات البلاد.
وبينما بلغ إنتاج الفوسفات في 2010 أكثر من 8 ملايين طن، وهو رقم قياسي آنذاك فإنه لم يتعد في السنوات التالية معدل الإنتاج السنوي وفي أقصى الحالات 4 مليون طن.
ويبدو أن القطاع يدفع حتى اليوم كلفة تاريخ طويل من الاحتجاجات الاجتماعية والعمالية وحتى النقابية والمقاومة للاستعمار الفرنسي منذ بدء الانتاج بصفة رسمية اثر اكتشاف الفرنسيين للفوسفات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومن ثم تأسيس "شركة فوسفات قفصة" في العام 1897.
كانت تونس تصنف كرابع منتج للفوسفات في العالم، لكنها تخلت عن هذا المركز وخسرت الكثير من الأسواق الخارجية وتراجع إنتاجها عام 2016 إلى 6ر2 مليون طن، بخسائر تجاوزت ملياري دولار، قبل أن يرتفع الانتاج إلى 5ر4 ملايين طن عام 2017 ثم يهوى مجددا إلى مستوى 3 مليون طن عام 2018.
ولأنها تعد المشغل الرئيسي في جنوب غرب تونس فإن "شركة فوسفات قفصة" تظل مطمح أغلب العاطلين للحصول على وظيفة، وهذا الطموح أصبح أكثر إلحاحا منذ ثورة 2011 ما يفسر تضاعف عدد العمال إلى ثلاث مرات بين 2010 و2018.
يقول كريم فاضل لـ(د. ب. أ) "مداخيل الدولة من الفوسفات تبلغ مليارات الدولارات لكنهم على مدى عقود لوم يقدموا شيئا للمدينة. لكن عندما يحصل اعتصام يبدأون بالحديث عن خسائر هامشية".
تتكون منطقة الحوض المنجمي المنتج الرئيسي لهذه الثروة في محافظة قفصة، من 4 مراكز إنتاج أساسية، هي المتلوي والرديف وأم العرايس والمظيلة، فيما يعد مركز المتلوي الأهم بسبب استحواذه على 75 بالمئة من الإنتاج.
قال خالد قدور الذي شغل منصب وزير سابق للطاقة والمناجم "لا يمكن للشركة أن تشغل الجميع، حجم الرواتب في الشركة يبلغ سنويا نحو 500 مليون دينار، وهي تشمل حوالي 30 ألف موظف بعضهم يشغل مهنا غير واضحة".
وبسبب الضغوط الاجتماعية اضطرت الحكومة لتأسيس شركات أخرى فرعية لفوسفات قفصة وتنظيم اختبارات وطنية لتوظيف عاطلين لكن نتائج هذه الاختبارات كثيرا ما تؤدي إلى احتجاجات عنيفة بسبب اتهامات بوجود محسوبية وفساد.
وفي كانون ثان/يناير 2019 اضطر عاطلون من مدينة المكانسي إلى قطع مسافة تصل إلى 350 كيلومترا على الأقدام، في مسيرة احتجاج نحو العاصمة للمطالبة بتوظيفهم بعد أن نجحوا في اختبارات وأمضوا عقود عمل منذ عام 2017.
تقول آمنة الزويدي متحدثة باسم "حراك 24 ديسمبر" لـ(د. ب. أ) "سنستمر في الاحتجاج ولن نيأس. لا يزال هناك أمل للتغيير. لن يبقى الوضع على ما هو عليه".
تقول الحكومة إنها تخطط لرفع انتاج الفوسفات إلى 11 مليون طن في مرحلة أولى و15 مليون طن في مرحلة ثانية عبر تجديد البنية التحتية في الحوض المنجمي وشراء قاطرات نقل الفوسفات ذات سعة أكبر مع اكتشاف منجم جديد (صراورتان) شمال غرب البلاد، غير أن هذه الخطط تصطدم بمطالب اجتماعية.
يقول كريم فاضل إن الأمر أشبه بحلقة دائرية مفرغة "إذا وجدت التنمية فلن تكون هناك اعتصامات".

طارق القيزاني
الاربعاء 20 فبراير 2019