عيون المقالات

هُزم ترمب... هل انتصرت الترامبية؟

19/01/2021 - ممدوح المهيني

قهوة الظّلماوي

17/01/2021 - فهد عافت

كيف دخلت كل هذه الكتب بيتي؟

16/01/2021 - مايكل ديردا

خطاب نصرالله تحت المجهر

15/01/2021 - نزيه دياب

هل يحل البوط مشكلتنا

14/01/2021 - مشيل كيلو

ايها الربيع العربي ترحم معنا على روح ماكبث

14/01/2021 - د.محيي الدين اللاذقاني

"الترامبية" وحفلة وداعية للذكرى

10/01/2021 - حسن أبو هنية


فيصل القاسم يدافع عن دريد لحام وباسم ياخور وبشار إسماعيل





فجأة تفجرت ينابيع الحنان وأنهار الألفة والمودة والرفق تجاه الفنانين السوريين... وفجأة صار هؤلاء الفنانون الفائقو الحساسية، يجرح مشاعرهم ويزعجهم أن تغمز من ثورية أحدهم، أو تأخذ عليه صمته إزاء جرائم النظام.. وكأنهم كانوا يحاولون دخول الثورة من أوسع أبوابها، وهناك من صدهم أو منعهم أو أوصد الباب في وجوههم.


 
وفجأة صار مأمون البني وواحة الراهب ومي سكاف وسمر كوكش ويارا صبري ومكسيم خليل وسميح شقير وعبد الحكيم قطيفان ومازن الناطور وفارس حلو وعبد القادر المنلا ورمزي شقير واحميد الحويج وسواهم ممن أخذوا مواقف صريحة وعلنية وواضحة تجاه جرائم النظام، بمنزلة آخرين صمتوا وتابعوا حياتهم وعملهم وكأن شيئا لم يكن، ثم صار لزاما علينا أن نعترف بثوريتهم التي أخفوها كجمرة الحب بين الضلوع.. وإلا! 
وما بعد (إلا) ليس كما قبلها.. فالمستثنى بإلا ملعون في عقلية الدهماء وليس منصوبا فقط.. فإما أن تمشي مع التيار أو تكون "موتورا" أو "متجنياً" و"تبحث عن الأضواء واللايكات".

وفي ظل حمى هذا الحنان الجارف الذي نعمت به هذه الفئة المظلومة من عامة الشعب، والتي تتعرض للتنمر عن سابق إصرار وترصد... يكتب د. فيصل القاسم في صحيفة (القدس العربي) مقالا تحت عنوان (دفاعا عن الفنانين السوريين) فيسأل من أخذوا على المخرج حاتم علي صمته المطبق إزاء جرائم النظام: "كيف تريدون منا مثلاً أن نهاجم المخرج الكبير الراحل حاتم علي لأنه لم يقل أي كلمة ضد النظام ولم يقل أي كلمة لصالح الثورة؟ هل تريدون منا أن نشطبه ونشيطنه ونخرجه من الملة لهذا السبب؟ لماذا ننسى أعمال حاتم العظيمة التي كل حلقة منها تساوي آلاف المظاهرات وآلاف المنشورات وآلاف الشعارات الثورية؟ "

طبعا لم يطلب أحد شطب مخرج مبدع رحل في ريعان عطائه، والسؤال عن سر صمته لا يعني بالضرورة شيطنته ولا شطبه ولا إخراجه من الملة ولا المس بأعماله العظيمة التي تبقى لها ما لها وعليها ما عليها بالمعيار النقدي والفني لا المعيار الثوري.. ولكن هذه المبالغات التهويلية هي لزوم استفزاز الرأي الآخر بلغة (الاتجاه المعاكس)، وليتها توقفت هنا، لكان بالإمكان احترامها من وجهة نظر القليل أو الكثير، لكنها تبلغ مداها في مقال الدكتور فيصل الذي تصل به مشاعر التعاطف والرفق والتحنان إلى حد الدفاع عن دريد لحام (غير الصامت) والذي ظهر بالصوت والصورة، ليطلب القداسة من روح خامنئي والأمل من عينيه والعمل من يديه، (وقد رأى السوريون أي عمل خرج من يدي خامنئي حقيقة ومجازا)  وبشار إسماعيل الذي تفاخر بحمل السلاح والتقاط الصور مع جزار بانياس وقاتل أطفال وشباب قرية البيضا ومرتكب مجزرتها البشعة معراج أورال... أو باسم ياخور الذي بح صوته في مقابلاته التلفزيونية وهو يؤكد أنه مع "الدولة" السورية، ومع بشار الأسد متجاهلا الكيماوي والبراميل والسكود وقصف الطائرات وتهديم البيوت وإزالة قرى ومدن بأكملها من على الخارطة.   

ويطرح الدكتور فيصل سؤالا استنكاريا غريبا فيما يخص دريد لحام فيقول ما نصه: 
"هل يا ترى دريد لحام وهو أشهر فنان سوري، وهو من أوصل أفكار محمد الماغوط الثورية التي سبقتنا بالثورة بعقود وعقود بطريقة فنية عظيمة لملايين المشاهدين، هل هو مجرد ممثل أو موظف سلطة أو أداة تنفيس فني في أيدي النظام؟ أضع هنا عشرات إشارات الاستفهام على هذا الكلام".
والحقيقة أن سمة "الفن التنفيسي" الذي يقدمه دريد لحام ليست وليدة اتهام اخترعته هذه الثورة السلفية الظالمة التي لا تقدر قيمة الفن التقدمي العظيم، بل سبقت ذلك بعقود.. وكان يرددها العديد من النقاد الذين كتبوا عن أعمال دريد وعن شخصه.. والمقصود بالتنفيس هو تصميم نهاية اعتذارية عن كل ما ورد في هذه المسرحية أو تلك من أفكار جريئة وتشريحية لواقع أسود تفنن الماغوط في هجائه، وتفنن دريد لحام في رش السكر والاستعراضات الراقصة عليه لإيجاد نهاية تصالحية معه وله. 

في (ضيعة تشرين) انتهت المسرحية التي شرحت الديكتاتورية والتسلط التي قادت نحو الهزيمة، وتهكمت على حقبة البعث التي كان ضباطها منذ نجاح انقلابهم العسكري عام 1963 يصبّحون الشعب السوري ويمسونه في وسائل إعلامهم بالحديث عن اكتشاف المؤامرات.. حتى قال نايف لأبي نارة: "بكل العالم بيكتشفوا دهب.. ألماس.. بترول.. إلا عنا ما بيكتشفوا إلا مؤمرات"، انتهت هذه المسرحية بتحرير الكرم (حرب تشرين التي محت آثار النكسة) واستشهاد غوار وأغنية حماسية تصدح وسط أحزان "الشهادة" النبيلة: "لولولو... لو..لالي... الله محيي شوارعكي يا بلادنا المنصورة". بتلك النهاية لم يبق شيء من الحديث عن آلام التعذيب في السجون التي تفوق آلام ما كان يفعله المحتل الفرنسي لأن من يعذبك هو ابن بلدك، ولم يَبق شيء من منع السلطة للتهريب ثم تورط أعلى قمة السلطة بها، رغم صفته الترميزية (المختار)، وبقيت في الذاكرة بضع إيفيهات جميلة من التي تحفظ على سبيل النكتة. 

الأمر نفسه حدث في مسرحية (غربة) التي حولها دريد لحام عبر العبث بنهايتها فقط، من هجاء نقدي عنيف للتجربة الاشتراكية وفساد ثورة البعث وانتهازية رموزها (دون أن يسميها طبعا.. ولم يكن مطلوبا تسميتها بالضرورة) ومن السخرية من التحديث الذي أدى إلى التصحر وهجرة العقول والأيدي العاملة، إلى نهضة الإصلاح الزراعي والبكاء عند قبر الحجة التي ماتت راضية عما وصلت إليه الضيعة بعد بناء السد. أما في (كاسك يا وطن) كان اختراع النهايات التصالحية صعبا جدا بسبب جو المسرحية السوداوي الذي يصل إلى حد بيع المواطن العربي لأبنائه على الطريق.. كان الحل أقل ضررا وموفقا إلى حد ما... عندما ختم غوار أكاذيبه عن أبيه الشهيد في اتصاله الهاتفي المتخيّل معه بقوله: "مو ناقصنا يا أبي إلا شوية كرامة" ثم غنى دريد: بدي اكتب اسم بلادي عالشمس اللي ما بتغيب.. لا مالي ولا ولادي على حبك ما في حبيب! 
كانت حجة دريد دائما.. أن هذه الأعمال لا يمكن أن تمر من غير هذه النهايات التصالحية التي لا تشبه سياق النص وطروحاته، وتبدو أشبه برأس لجسد آخر ليس له. وكان الماغوط يقبل هذه النهايات تحت ضغط سيف الرقابة والتلويح بمنع العمل، وطبعا الحاجة للمردود المادي ككاتب كان يعيش من قلمه أيضا ويحاول أن يقدم شيئا نظيفا وذا قيمة... حتى بلغ السيل الزبى في مسرحية (شقائق النعمان) عام 1987 حين اعتبر أن دريد حول "مرثيته لزوجته سنية صالح وجمال خيربك لمجموعة اسكتشات راقصة" وهو أمر كان مقصودا من دريد لحام لأنه كان يخشى قتامة العمل وسوداويته الصادمة جماهيريا ورقابياً، فقرر الماغوط  أن يعلن تبرؤه من هذا العبث، وحدثت القطيعة مع دريد لحام لعقود انتهت برحيل الماغوط.

هذه بعض حيثيات "الاتهام الظالم" الذي ساقه بحق دريد شريكه الماغوط نفسه، وقد شكى في كثير من حواراته الصحفية من أن عبث دريد لحام في نصوصه المسرحية التي كان يحولها إلى فن يخرج المتفرج منه مبتهجا يصفق وقد تخلص من عبء الأفكار الثورية والحديث عن التعذيب وسطوة المخابرات والكهرباء التي وصلت إلى قفا المعتقل قبل أن تضيء بيوت قريته.. فهل رأيتم كم ظلمنا دريد لحام وتجنينا عليه؟

وهل رأيتم لماذا بعد سقوط نهاد قلعي صريعا على المسرح أثناء تقديم مسرحية (غربة) عام 1976 منح حافظ الأسد وسام الاستحقاق لدريد وليس لنهاد الذي كان يستحق وهو أول مدير للمسرح القومي لدى تأسيسه عام 1960 وصاحب الباع الطويل في المسرح والتلفزيون ممثلا ومخرجا (أخرج عروضا للمسرح القومي) وكاتبا... كان حافظ الأسد يريد تكريم (دريد) لأنه فنان ثوري وليس أداة بيد السلطة فهم مشروعها، وتماهى معها، وأخلص لها حتى بعد اندلاع ثورة جماهيرية عارمة ضد هذه السلطة! 


أما حديث الدكتور فيصل عن باسم ياخور فلا يقل غرابة ورغبة في التبرير بأي طريقة عن الأسئلة الاستنكارية التي واجه بها "الاتهامات الظالمة" بحق دريد لحام، إذ يقول: 
 "بصراحة عندما أشاهد باسم ياخور الذي يحسبونه على النظام وهو يؤدي دور ضابط المخابرات الطائفي القذر النذل السفيه الوحشي الساقط بطريقته الساخرة: أتساءل، هل يمكن لهذا الفنان الذي يشيطن ويسفّه ويمسح الأرض بهذا النموذج الأمني الطائفي البغيض بهذه الطريقة الفنية الكوميدية ويجعلنا نحقد عليه، هل يمكن أن يكون مع النظام السافل أو مع هذه التركيبة الطائفية القميئة؟ وللأمانة فإن أداء باسم ياخور الرائع للشخصية الأمنية السورية الطائفية جعل السوريين وأنا شخصياً أكره وأمقت هذا النموذج الأمني الحقير أكثر بعشرات المرات، وأتمنى لو أدوسه بقدمي".

طبعا يعرف كل من في الوسط الفني مقدار الصلة الوثيقة التي كانت تربط باسم ياخور بالأمن الذي يتمنى لو يدوسه الدكتور فيصل بقدمه. ويعرفون تماما سهرات التنكيت والتهريج التي كان يقدمها مع زميله أيمن رضا لضباط الأمن... بين "برتية طرنيب وأخرى" على حد تعبير الزميل إياد عيسى في مقاله المعنون: "ماهر الأسد و"أراجوزاته" .. من ياخور إلى الوسوف " والذي أترك لمن يريد المزيد من الاطلاع قراءته كي لا أعيد شرح المشروح وتفسير المفسر.

أما وصف د. فيصل القاسم لبشار إسماعيل، صاحب الجزار معراج أورال، بأنه " قال في النظام ما لم يقله مالك في الخمر" فهو في الحقيقة لم يكن ينقصه إلا أن يضيف أنه وجه أشد الانتقادات لنقيب الفنانين وسخر منه بالصوت والصورة، وأن يدعو الله أن يطيل في عمره كي يبقى شوكة في حلق الرخيص زهير رمضان، ربما يكفي أن نقرأ ما كتبه فقط د. فيصل كي تكون صورة بشار إسماعيل مع معراج أورال أفضل رد عليه:
"فحتى بشار إسماعيل الذي يحسبه البعض على النظام قال في النظام ما لم يقله مالك في الخمر، وفي آخر منشوراته كتب وصية ساخرة يقول فيها: “عندما أموت أريد أن أتبرع بكل أعضائي، ما عدا الإصبع الوسطى، أريد أن أتركها للحكومة السورية”، أي النظام طبعاً". ولاحظوا كلمة طبعاً هذه التي تشبه كلمة (لذا) في مسرحية (غربة) واستمعوا إلى انتقادات بشار برهوم المصورة كي تروا الفرق الحقيقي بين النظام والحكومة... الحكومة التي يستطيع أي شخص داخل مناطق النظام اليوم، أن يحملها مسؤولية كل البلاوي والمصائب.. وأن يدعو الله أن يعين بشار الأسد "الوطني الشريف النظيف" على تحمل بلاوي هذه الحكومة أو التي قبلها، أو التي بعدها، من التي تخون ثقته وتسود وجهه مع مواطنيه! 

والآن... 
لماذا مطلوب من جمهور الثورة الذي يوجه الدكتور فيصل القاسم مقالته إليه، أن يرفق بفنانين آخر همهم أن تقول عنهم إنهم شبيحة معادون لكل قيم هذه الثورة أو مطالبها؟! لماذا مطلوب منا اليوم أن نعتبر معاداتهم للثورة واللاجئين الإرهابيين مسألة لا تنفي ثوريتهم الكامنة في الأعماق... لماذا بعد مليوني شهيد ومفقود وما يقرب من 10 ملايين مهجر، علينا أن نقول لهؤلاء: حقكم علينا فقد تعلمنا القيم الثورية منكم ومن فنكم؟ لماذا مطلوب منا أن نقول لهم: خذوا واستحلوا الشرف الذي تريدونه من الثورة التي ناصبتموها العداء، ودعوا لنا الأخطاء والأسلمة والنبرة الطائفية وجهاد النكاح وإرهاب داعش؟! 
حقا صدق في دفاع الدكتور فيصل القاسم عن هؤلاء  قول الشاعر:
 صح الذي بيني وبينك في الهوى  يرضى القتيل وليس يرضى القاتل!  
-------------
اورينت نت

محمد منصور
الاحد 10 يناير 2021