في لبنان فقط يتكرر التاريخ 1975-2019



عادة ما يكون وراء ابتسامة وجوه السياسيين حروب ومآسي، فما يبديه السياسي هو عادة عكس ما يشعر به.. لقد توقع الفنان زياد رحباني عند اندلاع الحرب الأهلية السابقة في لبنان أن تستمر 15 عاماً، وحصل ما توقعه، وتوقع مجدداً بحسه الفني المحرّض بجرعة أكبر من القنب الهندي أن تعود الحرب الأهلية للبنان مرة أخرى، وها هي تطل برأسها من جديد، فتاريخ لبنان خلافاً لغيره يتكرر ويتكرر، فهل تستعاد أحداث 1975-1982 بشخوص جديدة؟


 في عام 1975 عندما أصبحت منظمة التحرير الفلسطينية دولة داخل الدولة، اندلعت الحرب الأهلية، ودخلت لبنان جيوش عربية وأجنبية (الجيش السوري عام 1976 – الجيش الإسرائىلي عام 1982) وكلاهما للصدفة قاتل الفلسطينيين هناك، مما أدى لخروج عرفات ومقاتليه من بيروت نحو تونس، ووضع لبنان تحت الوصاية السورية الكاملة بتنسيق اسرائيلي، حتى خروجها منه بعد اغتيال مهندس اتفاق الطائف الشهيد رفيق الحريري عام 2005. لم يمض وقت طويل على طرد الجيش السوري من لبنان بتهديد أمريكي مباشر، حتى صار حزب الله بدوره دولة داخل الدولة، بل صار يهيمن على كل مقدرات وسلطات البلاد ويتحكم بكل ما فيها. ثم مدد نفوذه وسيطرته على سوريا أيضاً، كل ذلك بفضل تبعتيه المطلقة لإيران.

لبنان دولة محاصصة طائفية، ونظام سياسي إقطاعي، يفتقد للمجتمع المدني وللأحزاب السياسية، ويهيمن فيه الانتماء الأهلي الطائفي والعشائري المرتبط بالخارج، كما يفتقد لمقومات الاقتصاد الحقيقي (التأهيل المهني، الاستثمار الانتاجي، ثقافة العمل)، ويعيش سكانه رفاهية مصطنعة تحاول تقليد الغرب معتمداً على التحويلات الأجنبية التي تقلصت بشدة بسبب خراب اقتصادات دول الخليج وتراجع اقتصادات أوروبا، ثم بسبب الحصار الاقتصادي والعقوبات التي طالت ممولي حزب الله مؤخراً.

 
لبنان الآن غارق بالأزمات من كل الأنواع، و لا يوجد أي أفق أو طريق لحلها ضمن المشهد السياسي الراهن، وأي برنامج يقدمه أي رئيس حكومة لن يستطيع وقف تنامي الدين العام وتغيير اتجاه الفقر والإفلاس، لبنان اليوم يشبه كومة حطب تحضّر للحرق، وما يشجع على حرقها هو وجود وهيمنة ميليشيا حزب الله فوقها.. فالنار التي أضرمت في غابات لبنان قبل أيام كانت نذير شؤم تبشر بما سيأتي (إن كانت عفوية)، أو تدل على ما سيأتي (إن كانت مفتعلة بفعل فاعل).

المسألة التي يواجهها حزب الله اليوم هي أن عدوه شعبه، وليست إسرائيل، فمن يهدده ويحتج عليه هم طائفته وشعبه؟ حزب الله أصبح سرطاناً يعطّل الدولة ويأكل نسجها، وأي صراع داخلي في لبنان سيكون مبرراً لتدخل دولي عبر مجلس الأمن، الذي لن يتعطل بالفيتو الروسي هذه المرة، لأن أحداً في العالم لا يستطيع أن يقف مع ميليشيا ضد دولتها، فذريعة مقاومة إسرائيل التي عاش عليها، وأمنت حمايته من الضغوط الخارجية، قد أصبحت لاغية باندلاع التمرد والاحتجاج الداخلي عليه والذي سيستغل خارجيا بشكل منتج.

السيد حسن نصر الله يستطيع منذ اليوم أن يعلن أن المقاومة هي المستهدفة، وأن الأزمة مفتعلة، والشعب مغرر به، مثلما أعلن سابقاً عندما تدخل عسكرياً في سوريا لنصرة النظام المجرم على شعبه، لكن الشعب اللبناني يعرف تماماً أنه ضحية سلوك نظام صنعه وشغّله حزب الله، وعندما يتحدث عن اسقاط الجميع يقصد كل أصابع وواجهات حزب الله، الذي هو المسؤول الوحيد عن تردي أوضاع الشعب المستمر، وكل الشخوص التي تظهر هي واجهات وأدوات بيد ذلك الحزب ( رئيساً وحكومة وقيادة مؤسسات)، ففي لبنان سيد واحد، ولبنان ليس لشعبه بل أداة لخدمة مشاريع الثورة الاسلامية في ايران.

لا يملك سيد لبنان أن ينتظر كثيراً، لأن كل محاولات التهدئة لن تفلح لعوامل كثيرة متأصلة وصعبة الزوال: ذاتية هو من ساهم في خلقها، وخارجية: هو من تعمّد وجودها بل تاجر فيها، فتحت شعار المقاومة الذي يتمسك به هيمن على لبنان ثم سوريا ومد النفوذ الإيراني للمتوسط، وعليه اليوم أن يصدّق نفسه لأن الآخرين صدّقوه، وصاروا يوجهون الأمور ليدخل في مواجهة مع شعبه، هو ونظام الملالي، في لبنان والعراق وفي إيران ذاتها لاحقاً.

استوردت منظمة التحرير الفلسطينية السلاح ودربت المقاتلين لقتال إسرائيل من الأراضي اللبنانية بعد طردها من الأردن، لكن سلاحها ومقاتليها استعملوا في القتال مع اللبنانيين وفي تدمير بيروت وغيرها، وليس حيفا، ثم خرجوا بالبوارج الفرنسية مع نسائهم وأطفالهم نحو تونس يلوحون بأيديهم لشواطئ لبنان.. كما أن كل السلاح الذي راكمته سوريا وكل قدرات وعناصر جيشها، استهلكوا في قتل الشعب السوري وتدمير سوريا وليس (معاذ الله) في الجولان، واليوم قد جاء دور حسن ليستعمل سلاحه ضد الشعب اللبناني، فلبنان المقاوم الذي بناه هو لبنان المظلم المطمور بالقمامة والمفلس، لبنان الدولة المافيوية القمعية، وعلى حسن وحده أن يختار بين ثلاثة احتمالات لا غير:

1- أن يستعمل سلاحه لسحق الشعب اللبناني، وهذا هو المتوقع قياسا ًبما فعله في سوريا، وهذا سيعني حرباً أهلية وبالوكالة تدار من الخارج، وقد تستتبع تدخلاً دولياً وقرارات من مجلس الأمن وقوات ردع مصرية أوروبية أركانها وغرفة عملياتها في حيفا، ينتج عنه تسليم ذلك السلاح، بالقوة والإكراه.

2- أن يفهم حسن التاريخ، ويتعظ مما حصل لأبو عمار، ويحل الموضوع من دون تدمير لبنان، بتسليم سلاحه فوراً ومن دون شروط، وحل جناحه العسكري، والذهاب للحج بقرب المراقد المقدسة.

3- أن يفتعل حرباً مع اسرائيل يستخدم فيه سلاحه ضد العدو المفترض الذي استوجب ذلك التسلح، وهذا أبعد احتمال عن الواقع لأن نتيجته معروفة لهم، هكذا ميليشيات لا تخدم سوى مصالحها العصبوية، ولا يمكنها أن تكون حاملاً لأي مشروع وطني، وهو ما أثبتته التجربة المرة التي عاشها جمهور الحزب ذاته.

أخيراً، وكما أرسل حسن الباصات الخضر لترحيل أهالي القصير والزبداني وداريا والغوطة وحوران وحمص.. وكما ركب أبو عمار السفن الفرنسية راحلاً نحو تونس، سوف يركب السيد حسن مع ما تبقى من عصابته السفن الخضر من ميناء الدامور ويرحل عن الضاحية نحو أفغانستان أو فنزويلا؟ وما حدا أحسن من حدا، هم السابقون وأنتم اللاحقون، مع فارق جوهري أن عرفات كان يحارب حقيقة من أجل أرضه ووطنه، بينما نصر الله يتاجر زروا بالقضية الفلسطينية من أجل الهيمنة الإيرانية على شعوب ودول عربية.

 
نحن ننتظر إطلالة جديدة للفنان زياد ليقول لنا ماذا سيختار سيد لبنان والمقاومة من بين هذه الخيارات.. فالشعب اللبناني لم يعد يشبع بالخطابات أو يتخدر بكلماتها التي أدمن عليها وفقدت مفعولها.
---------
ليفانت


د. كمال اللبواني
الاربعاء 23 أكتوبر 2019