تحكي دونيا كيتا أن هذا الأسبوع قصدت المكان أسرة كولومبية قطعت كل هذه المسافة خصيصا لتطلب شفاعة القديس موت. كانت الأسرة قد فقدت نجلها صباح اليوم وبرغم حزنهم ودموعهم التي سكبوها مدرارا على الفقيد وطول الرحلة الشاقة، استقلوا أول طائرة متوجهة إلى المكسيك، على أن يعودوا بحلول المساء إلى بوجوتا. تؤكد دونيا كيتا "يتزايد إقبال الناس على المكان من أسبوع لأسبوع، خاصة حجاج أمريكا الوسطى وكولومبيا. يجمع بينهم الإيمان فقط". منذ سنوات، يعمل عالم الأنثربولوجيا وخبير المعتقدات الدينية القديمة أنطونيو هيجيرا بونفيل على أبحاث حول ظاهرة القديس موت، وازدهارها المتنامي بصورة تجاوزت حدود المكسيك. يقول بونفيل "يعتقد الناس أن القديس موت يحميهم من الأمراض والكوارث، بصرف النظر عما إذا كان من يطلبون شفاعته مثليون أو مطلقون"، وهو بهذه الطريقة يعتبر منافسا مباشرا للكنيسة الكاثوليكية، التي بدورها تدين المهرطقين المجدفين بحق العقيدة السليمة لاختيارهم سبيل الغواية ووقوعهم في الخطيئة.
أثناء زيارته للمكسيك خلال شهر شباط/ فبراير العام الماضي، انتقد البابا فرانسيسكو، بابا الفاتيكان، هذه المعتقدات الشعبية المبالغ فيها التي تدور حول تقديس الموت وهذه الشخصية الخرافية المعروفة أيضا بـ"الصبية البيضاء". بمناسبة لقائه مع أساقفة البلد اللاتيني، أعرب الحبر الأعظم عن قلقه لتزايد أعداد أتباع هذا التيار، مؤكدا أنهم يعانون من خواء روحي، فيتمسكون بأوهام ويتشفعون برموز وثنية تتعلق بالعالم الآخر، يروج لها من يسعون للتربح من فكرة الموت.
يتميز مذبح دونيا كيتا بديكوراته وزينته المبالغ فيها. يبرز في المنتصف تصميم لهيكل عظمي بالحجم الطبيعي لطفل تزين جمجمته باروكة من شعر أسود طويل مسترسل، وألبسته دونيا كيتا بعناية ثوبا طويلا ذهبي اللون مزين بوشاح، وتحيط به ملائكة صغيرة وأشكال شخصيات أخرى مرتبطة بفكرة العالم الآخر، بينما تناثرت تحت قدميه القرابين من زجاجات الجعة والنبيذ وثمار الفاكهة. بطبيعة الحال، الكثير من الرموز التي تضفي الجلال والقداسة على "الصبية البيضاء"، مستوحاة بالفعل من الرموز المقدسة في الديانة المسيحية. على سبيل المثال بوسع الكثيرين من أبناء الطبقات الشعبية الذين يعتقدون في قدسية هذه الشخصية الخرافية أو حتى تثير فضولهم، بوسعهم اقتناء سبح أو شموع من محل دونيا كيتا الملاصق للمذبح. أما من يؤمنون فعلا بكراماتها فيركعون أمامها منخرطين في صلوات بخشوع وتبتل.
يوضح عالم الاجتماع البرتو إيرنانديز قائلا "قبل عصر الاستعمار الإسباني، كانت معتقدات تقديس الموت منتشرة ومتجذرة لدى السكان الأصليين، إلا أنها تلاشت شيئا فشيئا مع انتشار الكاثوليكية". يرى إيرنانديز "الصيغة الجديدة للمعتقد استعادت عناصر وثنية من الفترة السابقة على العصر الكولونيالي ممزوجة بتفاصيل من الكاثوليكية. ومن ثم لا يعتبر هذا التيار جديدا، إلا أنه ظل مسكوتا عنه لقرون طويلة"، يؤكد عالم الاجتماع المكسيكي.
نظرا لانتقاد الكنيسة لهذه الممارسات، يمارس الكثير من أتباع هذا التيار طقوسهم سرا، ومن هؤلاء ماريا روساريو جوميز، /43 عاما/ وتعمل طاهية، وهي من سكان حي تبيتو، وقد انضمت لتيار عبادة "الصبية البيضاء" منذ أكثر من عشرين عاما، إلا أنها لم تمارس ذلك في العلن مطلقا. "أكتفي بالمذبح المتنقل الذي أخفيه بمنزلي. قبل أن أخرج من بيتي، أتوسل في كل يوم للقديس موت أن يحميني من الأخطار". كما توضح أن معظم معارفها وأقاربها يتقربون سرا للقديس موت.
ومن هنا، يجب الإشارة إلى أن ممارسة هذه الشعائر الوثنية بصورة علنية يرجع الفضل فيه إلى دونيا كيتا، عندما افتتحت هذه السيدة الجريئة مذبحها للجمهور قبل خمسة عشر عاما ووهبته للقديس موت، واقتنت متجرا مجاورا له لبيع مقتنيات مرتبطة بهذه الشعائر في واحد من أخطر أحياء العاصمة مكسيكو سيتي، وقد أدى هذا الحدث إلى تجذر هذه العبادة في جميع أنحاء البلاد وإلى ظهورها إلى العلن بصورة أكثر جرأة. بطبيعة الحال لا تظهر الأعياد أو الشعائر المرتبطة بهذا المعتقد في أي تقويم، ولكنها محفورة في الموروث الشعبي لدى معظم مناطق المكسيك وأمريكا اللاتينية بالكامل. وهكذا بينما يحي سكان الكاريبي طقوس تقديس الموت في صخب تام، يؤدي سكان تبيتو شعائرهم في خشوع وتبتل.
بحسب عالم الاجتماع إيرنانديز، يرجح من أسباب انتشار هذه الظاهرة، زيادة معدلات جرائم القتل في البلاد، حيث يوضح أنه خلال العشرين عاما الماضية تزايدت معدلات العنف في المكسيك بصورة طردية مع تجذر فكرة تقديس الموت. بالرغم من ذلك، يرفض إيرنانديز اعتبار "الصبية البيضاء" شفيعا للقتلة والمجرمين، مؤكدا أن "هذه التهم مصدرها الكنيسة الكاثوليكية ووسائل الإعلام. تتضمن الشائعات المنتشرة حول القديس موت أنه يعاقب أتباعه، باستعبادهم والاستحواذ على أرواحهم ليطالبهم بالمزيد من القرابين والأضاحي البشرية. بينما يؤكد كهنة الكنيسة أن نجاح انتشار هذه المعتقدات يرجع بالأساس إلى السيطرة على أتباعها بالخوف والرعب، إلا أن هيجيراس ينفي هذه المزاعم، مؤكدا أن "القديس موت، لا يبحث عن أحد، بل يسعى إليه الناس، وهو يلبي أمنيات من يتشفعون به، ومن ثم إذا طلب أحد شيئا مخيفا، فإن الشفيع يحول مخاوفه لحقيقة واقعة".
من جانبهم لا يكترث أتباع الصبية البيضاء بهذه الشائعات، حيث تؤكد دونيا كيتا أنها دخلت في عبادة القديس موت منذ طفولتها، ولم تجد تعارضا بين شعائرها وبين طقوس الكنيسة الكاثوليكية. "اعتقد في كل شيئ، في عذراء جوادالوبي، شفيعة المكسيك الكبرى وفي القديس موت، وفي الله أيضا وبكل تأكيد". أما روساريو فعلى العكس، لا تؤمن بوجود الله ولكنها تؤمن بوجود الموت، "لأنه أمر واقعي وحقيقي"، حسب قولها.
تجدر الإشارة إلى أنه في اللغة الإسبانية كلمة الموت مؤنثة، ومن ثم فإن المعتقد والموروث الشعبي يتعامل مع الموت كأنثى مقدسة، وربما يفسر هذا سر العداء الشديد بين الكنيسة الكاثوليكية وهذا المعتقد، حيث يذكر للكنيسة موقفها التاريخي من المرأة القائم منذ البداية على أنها السبب الرئيسي في الخطيئة الكبرى وطرد آدم من الجنة.
أثناء زيارته للمكسيك خلال شهر شباط/ فبراير العام الماضي، انتقد البابا فرانسيسكو، بابا الفاتيكان، هذه المعتقدات الشعبية المبالغ فيها التي تدور حول تقديس الموت وهذه الشخصية الخرافية المعروفة أيضا بـ"الصبية البيضاء". بمناسبة لقائه مع أساقفة البلد اللاتيني، أعرب الحبر الأعظم عن قلقه لتزايد أعداد أتباع هذا التيار، مؤكدا أنهم يعانون من خواء روحي، فيتمسكون بأوهام ويتشفعون برموز وثنية تتعلق بالعالم الآخر، يروج لها من يسعون للتربح من فكرة الموت.
يتميز مذبح دونيا كيتا بديكوراته وزينته المبالغ فيها. يبرز في المنتصف تصميم لهيكل عظمي بالحجم الطبيعي لطفل تزين جمجمته باروكة من شعر أسود طويل مسترسل، وألبسته دونيا كيتا بعناية ثوبا طويلا ذهبي اللون مزين بوشاح، وتحيط به ملائكة صغيرة وأشكال شخصيات أخرى مرتبطة بفكرة العالم الآخر، بينما تناثرت تحت قدميه القرابين من زجاجات الجعة والنبيذ وثمار الفاكهة. بطبيعة الحال، الكثير من الرموز التي تضفي الجلال والقداسة على "الصبية البيضاء"، مستوحاة بالفعل من الرموز المقدسة في الديانة المسيحية. على سبيل المثال بوسع الكثيرين من أبناء الطبقات الشعبية الذين يعتقدون في قدسية هذه الشخصية الخرافية أو حتى تثير فضولهم، بوسعهم اقتناء سبح أو شموع من محل دونيا كيتا الملاصق للمذبح. أما من يؤمنون فعلا بكراماتها فيركعون أمامها منخرطين في صلوات بخشوع وتبتل.
يوضح عالم الاجتماع البرتو إيرنانديز قائلا "قبل عصر الاستعمار الإسباني، كانت معتقدات تقديس الموت منتشرة ومتجذرة لدى السكان الأصليين، إلا أنها تلاشت شيئا فشيئا مع انتشار الكاثوليكية". يرى إيرنانديز "الصيغة الجديدة للمعتقد استعادت عناصر وثنية من الفترة السابقة على العصر الكولونيالي ممزوجة بتفاصيل من الكاثوليكية. ومن ثم لا يعتبر هذا التيار جديدا، إلا أنه ظل مسكوتا عنه لقرون طويلة"، يؤكد عالم الاجتماع المكسيكي.
نظرا لانتقاد الكنيسة لهذه الممارسات، يمارس الكثير من أتباع هذا التيار طقوسهم سرا، ومن هؤلاء ماريا روساريو جوميز، /43 عاما/ وتعمل طاهية، وهي من سكان حي تبيتو، وقد انضمت لتيار عبادة "الصبية البيضاء" منذ أكثر من عشرين عاما، إلا أنها لم تمارس ذلك في العلن مطلقا. "أكتفي بالمذبح المتنقل الذي أخفيه بمنزلي. قبل أن أخرج من بيتي، أتوسل في كل يوم للقديس موت أن يحميني من الأخطار". كما توضح أن معظم معارفها وأقاربها يتقربون سرا للقديس موت.
ومن هنا، يجب الإشارة إلى أن ممارسة هذه الشعائر الوثنية بصورة علنية يرجع الفضل فيه إلى دونيا كيتا، عندما افتتحت هذه السيدة الجريئة مذبحها للجمهور قبل خمسة عشر عاما ووهبته للقديس موت، واقتنت متجرا مجاورا له لبيع مقتنيات مرتبطة بهذه الشعائر في واحد من أخطر أحياء العاصمة مكسيكو سيتي، وقد أدى هذا الحدث إلى تجذر هذه العبادة في جميع أنحاء البلاد وإلى ظهورها إلى العلن بصورة أكثر جرأة. بطبيعة الحال لا تظهر الأعياد أو الشعائر المرتبطة بهذا المعتقد في أي تقويم، ولكنها محفورة في الموروث الشعبي لدى معظم مناطق المكسيك وأمريكا اللاتينية بالكامل. وهكذا بينما يحي سكان الكاريبي طقوس تقديس الموت في صخب تام، يؤدي سكان تبيتو شعائرهم في خشوع وتبتل.
بحسب عالم الاجتماع إيرنانديز، يرجح من أسباب انتشار هذه الظاهرة، زيادة معدلات جرائم القتل في البلاد، حيث يوضح أنه خلال العشرين عاما الماضية تزايدت معدلات العنف في المكسيك بصورة طردية مع تجذر فكرة تقديس الموت. بالرغم من ذلك، يرفض إيرنانديز اعتبار "الصبية البيضاء" شفيعا للقتلة والمجرمين، مؤكدا أن "هذه التهم مصدرها الكنيسة الكاثوليكية ووسائل الإعلام. تتضمن الشائعات المنتشرة حول القديس موت أنه يعاقب أتباعه، باستعبادهم والاستحواذ على أرواحهم ليطالبهم بالمزيد من القرابين والأضاحي البشرية. بينما يؤكد كهنة الكنيسة أن نجاح انتشار هذه المعتقدات يرجع بالأساس إلى السيطرة على أتباعها بالخوف والرعب، إلا أن هيجيراس ينفي هذه المزاعم، مؤكدا أن "القديس موت، لا يبحث عن أحد، بل يسعى إليه الناس، وهو يلبي أمنيات من يتشفعون به، ومن ثم إذا طلب أحد شيئا مخيفا، فإن الشفيع يحول مخاوفه لحقيقة واقعة".
من جانبهم لا يكترث أتباع الصبية البيضاء بهذه الشائعات، حيث تؤكد دونيا كيتا أنها دخلت في عبادة القديس موت منذ طفولتها، ولم تجد تعارضا بين شعائرها وبين طقوس الكنيسة الكاثوليكية. "اعتقد في كل شيئ، في عذراء جوادالوبي، شفيعة المكسيك الكبرى وفي القديس موت، وفي الله أيضا وبكل تأكيد". أما روساريو فعلى العكس، لا تؤمن بوجود الله ولكنها تؤمن بوجود الموت، "لأنه أمر واقعي وحقيقي"، حسب قولها.
تجدر الإشارة إلى أنه في اللغة الإسبانية كلمة الموت مؤنثة، ومن ثم فإن المعتقد والموروث الشعبي يتعامل مع الموت كأنثى مقدسة، وربما يفسر هذا سر العداء الشديد بين الكنيسة الكاثوليكية وهذا المعتقد، حيث يذكر للكنيسة موقفها التاريخي من المرأة القائم منذ البداية على أنها السبب الرئيسي في الخطيئة الكبرى وطرد آدم من الجنة.


الصفحات
سياسة









