تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون


قصة الفارس سيرفان الإسباني الذي يقاتل داعش في سورية




كوباني (سورية) - "قبل مجيئي إلى سورية لم يسبق لي مطلقا حمل سلاح. كنت من أنصار النزعة السلمية المناهضة لحمل السلاح، ولم يخطر على بالي في يوم من الأيام القيام بذلك، ولكن الآن السلاح لا يفارقني مطلقا، أصبح جزءا مني. إنه لأمر مؤسف اضطراري لاستخدام السلاح، ولكنها الوسيلة الوحيدة المتاحة لدينا من أجل التصدي لداعش. لا يمكننا التفاوض مع الإرهابيين، وهو أمر مؤسف" يتحدث الشاب بأسى بينما يسير بحذر وسط أنقاض مدينة كوباني أو عين العرب السورية فيما استقر مدفع رشاش كلاشنيكوف فوق كتفه الأيمن.


ترك الشاب الإسباني سيرفان وهي كلمة تعني بالكردية "المقاتل"، كل شيئ خلفه وهرع لمساعدة الشعب الكردي في نضاله ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). يمثل سيرفان جيلا جديدا من الفرسان ولكن في القرن الـ21، ولكن بدون سيوف أو دروع، ولكن بدون التخلي عن النظرة الرومانسية للحرب، وحس المجازفة والإقدام والتضحية بالروح من أجل قيم الحق والعدل. "أنا على استعداد للتضحية بحياتي لكي يحصل الشعب الكردي على حريته"، يؤكد الشاب الإسباني.

دفعت المشاهد التي رآها سيرفان على شاشات التلفاز وعبر شبكة الانترنت، سيرفان لشراء تذكرة طيران إلى تركيا ومنها وصل إلى مدينة سروج، القريبة من الحدود السورية. هناك حاول التقرب من الأتراك وكسب ثقتهم حتى وافقوا على إدخاله إلى الأراضي السورية، حيث لا يصرح الأتراك على دخول أحد إلى المدينة سوى الأكراد. يقول سيرفان "دخلت ليلا عبر الحاجز الحدودي بصورة غير شرعية".

جدير بالذكر أن آلاف الأوروبيين من المسلمين تركوا القارة العجوز لينضموا إلى صفوف مقاتلي داعش تلبية لداعي الجهاد. غالبيتهم شباب لا يشعرون بالانتماء إلى أوروبا، عثروا في عباءة التعصب على ضالتهم ومبررهم للقتل باسم الرب. على الجانب الآخر، يوجد ولكن بأعداد أقل شباب أوروبي حمل السلاح دفاعا عن الانسانية في مواجهة التطرف.

"الحرب تزرع الخوف بكل تأكيد، وخاصة في البداية، ولكن بمجرد اندماجك في الأحداث هنا تتأقلم مع الوضع"، يؤكد سيرفان بشجاعة، وسط مدينة دمرت مبانيها بالكامل وفر أكثر من 75% من سكانها بسبب العنف.

"في الحقيقة لم أكن اتخيل مطلقا أن أجد نفسي في قلب المعركة. أتذكر في الأيام الأولى كانت السماء سوداء تماما جراء شدة القصف كانت أجواء مقبضة. في البداية كنت انتفض في كل مرة اسمع فيها دوي انفجار القنابل أو طلقات المدافع، ولكن بعد ثلاثة أيام تتعود ولا يهتز لك طرف مهما اشتدت حدة القصف"، يتذكر المقاتل الإسباني. تحولت كوباني إلى مقبرة عملاقة، حيث تناثرت الجثث والأشلاء في الطرقات وتركت لتتحلل تحت أنقاض المباني المدمرة بسبب قصف قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة. تفوح من المدينة رائحة تحلل الجثث والموت، فيما أصبحت مشاهد جماجم معلقة بين كتل الخرسانة المحطمة أو صور سيقان وأذرع جثث بارزة من تحت الأنقاض. ومن المألوف أيضا التعثر في جثث عناصر داعش في المناطق التي وقعت فيها المواجهات، لذا يجب على السائر بحذر لكيلا تطأ الأقدام جثث تركت في العراء نصفها تحت الأنقاض.

بحسب تقديرات الجهات الكردية، سقط أكثر من 3000 مقاتل من داعش أثناء المواجهات، وهي أرقام لا يستطيع أحد الجزم بدقتها، أخذا في الاعتبار حجم الدمار الذي لحق بالمدينة، وكم الجثث التي لم يجري انتشالها من تحت الأنقاض، ونظرا لعدم وجود عمليات إغاثة، تركت الكثير من الجثث منذ شهور على وضعها تحت الركام.

"هذه جثة تنتمي لأحد مقاتلي دولة الإسلام في العراق والشام (داعش)، لم ينتشلها المقاتلون الأكراد، وأصبح كما لو كان دمية"، يعلق سيرفان وهو يحدق بصرامة في جثة الداعشي المتحللة. عثر في جيب الداعشي على مصحف "جميع مقاتلي داعش يحملون المصاحف معهم، ويبدو أن هذا الشخص لم يتصفح مصحفه كثيرا لأنه الصفحات تبدو جديدة وعلى حالها. كما عثرنا معه على جوازات سفر من لبنان، وإسبانيا، وفرنسا، وقطر وبريطانيا وألمانيا. مقاتلو داعش جاءوا من كل مكان بدعوى ممارسة الجهاد" يوضح المقاتل الإسباني.

بصفته مقاتلا أجنبيا، تضع داعش مكافأة كبيرة على من يأتي برأسه، أخذا في الاعتبار مشاهد قطع الرؤوس التي نفذتها داعش في إعدام الأجانب الذين يقعون تحت أيديها، ومن ثم إذا وقع هذا المقاتل الإسباني في يد داعش فمن المؤكد أنه سوف يلاقي نفس المصير، ولكنه لا يبالي مؤكدا "وجودي وسط الأكراد يطمئنني. من الصعب اختطافي من بين الأكراد، ربما يختلف الحال في أجزاء أخرى من سورية".

بطبيعة الحال فإن أصعب شئ في الغربة هو الاطمئنان على الأهل والأصدقاء، لذا يحاول سيرفان الاتصال بأهله كلما اتيحت له الفرصة لذلك، ولكن الظروف ليست سهلة في كوباني حيث لا تتوافر الكهرباء، إلا عن طريق بعض المولدات المتفرقة أما الانترنت فهو حلم مستحيل، والمكالمات التليفونية يمكن إجراؤها ولكن بصورة غير منتظمة. "أسرتي تعرف بوجودي في كوباني. أحاول طمأنتهم من آن لآخر بأن أقول لهم إن المنطقة التي أتواجد بها بعيدة عن المخاطر.

وصلت قبل أسبوع من تحرير المدينة، وكان الوضع مختلف تماما، وكان الموت يبرز برأسه من كل زاوية، ولكني نجحت في طمأنة أهلي بثقتي من قدرتي على النجاة"، يحكي المقاتل الإسباني بتأثر شديد، ثم يغير فجأة مجرى الحديث. "أتعلم؟ بعد يومين من توقف القصف على كوباني عادت العصافير لتغرد مرة أخرى فوق أفرع الأشجار."

يعتبر سيرفان موضع ترحيب من قبل أهالي كوباني القلائل الذين تمكنوا من العودة لديارهم، يدعونه لتناول الشاي معهم، يعانقونه ليعبروا له عن امتنانهم، وهذا يشعره بالفخر ويمده بالقوة لمواصلة رسالته التي جاء من أجلها، كأحد رفاق القتال، برغم فوارق اللغة والثقافة والجنسية. يقول المقاتل الإسباني "يدركون أني أجازف بحياتي من أجل انقاذ حياتهم، هذا شعور لا يوصف."

"قبل مجيئي كنت مستعدا للتضحية بحياتي من أجل عائلتي فقط، ولكن هنا اكتشفت أن الناس على استعداد لتضحي بحياتها من أجل بعضها حتى بدون أن يعرفوا بعضهم. هذا يجعلني أكثر إصرارا على البقاء هنا. إننا في حالة حرب وهذا يحرر البشر ويجعلهم أكثر تضامنا".

د ب ا
الاحد 28 يونيو 2015