الوطنية للفقراء والوطن للأغنياء

18/08/2018 - د. فيصل القاسم




قضية رضا ضراب.. فساد في الحلقة المقربة من اردوغان





مثُل تاجر الذهب التركي ذي الأصول الإيرانية رضا ضراب أمام محكمة نيويورك بالولايات المتحدة وأوضح أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وافق شخصيا على الصفقات التي نفذها وانطوت على خرق للعقوبات المفروضة على طهران. وأدلى ضراب بشهادة مفصلة بشأن كيفية سير مخطط "الذهب مقابل النفط" الذي بلغت قيمته مليارات الدولارات.


  وتشير شهادة ضراب إلى أن إردوغان تورط بشكل كبير في مخطط دولي لغسل الأموال وتثير سؤالا مفاده "إلى أي مدى تتسع شبكة الشركاء في الطبقة العليا للسياسة والبيروقراطية التركية؟"
وأشار ضراب في شهادته إلى وزير التجارة السابق ظافر جاجلايان ووزير الداخلية السابق معمر جولر ووزير شؤون الاتحاد الأوروبي السابق ايجيمن باغيس والمدير السابق لبنك خلق سليمان أصلان.  
كما ذكر ضراب أسماء وزير الخزانة السابق علي باباجان بالإضافة إلى إردوغان الذي كان وقتها رئيسا للوزراء.
وقال ضراب إنهم "أصدروا أمرا (للبنوك) بالبدء في تنفيذ هذه التجارة" في إشارة إلى تحرك البنوك لإخفاء تحويلات أمول بحيث تظهرعلى أنها عمليات تجارة شرعية في الذهب.
ومع استمرار المحاكمة، يبدو من المرجح أنها ستسلط الضوء على اتهامات الفساد الموجهة لإردوغان والدوائر المقربة منه وحزب العدالة والتنمية الحاكم. وتسود في تركيا حالة من التلهف الشديد للتكهنات بشأن التداعيات السياسية والاقتصادية للمحاكمة.
ويدور حديث حول ما سيحدث "لجميع رجال الرئيس" بعد أن ذكر ضراب في شهادته أسماء وزراء سابقين. وربما تصدر أوامر باعتقال بعض السياسيين الأتراك وغيرهم من المنتمين للطبقة البيروقراطية. ومن المؤكد أنهم لن يشعروا أبدا بأنهم سيكونون في مأمن إذا توجهوا إلى الدول الغربية.
وقد يكون لما يتكشف بشأن المخطط البالغة قيمته مليارات تداعيات كبيرة على البنوك التركية. وبالإضافة إلى بنك خلق، هناك بنوك زراعات وايه.آند.تي ووقف وأكتيف الذي يتبع تشاليك القابضة، وهي شركة كان وزير الطاقة وصهر إردوغان بيرات البيرق يتولى منصبا تنفيذيا رفيعا بها في ذلك الوقت.
وإذا تم التوصل إلى أن البنوك مدانة بالتورط في جريمة منظمة قد تواجه غرامات شديدة القسوة.
والسؤال الأبرز هو أثر شهادة ضراب على سلطة إردوغان. للأسف، هذه لعبة تخمين. أثبت إردوغان، الذي صار في ورطة، قدرته على البقاء والإفلات من الفضائح واتهامات الفساد، وإن ظل أيضا يحيطه الكثير من الجدل. ويُنظر أيضا إلى إردوغان على أنه ينتصر عندما يدفع الهجوم بمثله، كما أنه يعتبر شخصية تحظى بكاريزمية كبيرة بين الجماهير، بالإ    ضافة إلى أنه حقق السيطرة شبه الكاملة على مؤسسات الدولة وكمم أفواه الإعلام.
وليست مفاجأة إذاً أن جاء رد إردوغان على الأخبار القادمة من محكمة نيويورك مشاكسا، حيث قال إن قضية ضراب تظهر أن تركيا كلها تتعرض لهجوم دولي واتهم حزب الشعب الجمهوري، وهو الحزب الأتاتوركي الرئيسي، بالخيانة لإثارته اتهامات بالفساد.
وفي تركيا، تجاهلت وسائل الإعلام التركية محاكمة ضراب أو بالكاد تحدثت عنها. وبعد تعرضه لهجوم، صار الإعلام التركي في وضع يرثى له وبات يلجأ في أغلب الأحيان للرقابة الذاتية لكي يبقى بعيدا عن المشاكل. وصورت وسائل الإعلام الموالية للحكومة، ومن بينها شبكة تي.آر.تي الحكومية ووكالة أنباء الأناضول، القضية على أنها مؤامرة ومحض تلفيق.
وفرضت تقريبا جميع القنوات التلفزيونية، وهي بشكل عام المصدر الأفضل للأخبار في تركيا، تعتيما على الموضوع. وإذا ذكر هذا الموضوع، فقد يكون للتقرير منعطفات تثير الارتباك.
وفي مثل هذا الجو الأورويلي الذي ينال من حرية المجتمع وانفتاحه، يكون الخلاف في صالح إردوغان. فالشعب يُدفع دفعا إلى فكرة التعامل مع قضية ضراب على أنها خطرا قوميا على نحو تلخصه هذه الجملة: "رجلنا ورجل الشعب يتعرض لهجوم، ومن ثم نحن الشعب التركي نتعرض لهجوم أيضا ".
وفي ظل القبضة الاستبدادية التي يحكمها إردوغان على السلطة، ومع عدم وجود قضاء مستقل، تكون فرص إزاحة الرئيس ضعيفة.
ومن الممكن أن يضحي الشخص البراجماتي داخل إردوغان في وقت ما ببعض وزرائه السابقين ويرسلهم لمواجهة العدالة الدولية. لكن هذا الأمر سيكون مرهونا بمفاوضات نجاة إدارة إردوغان، كما أنه ما زال هناك وقت طويل جدا قبل أن يصير احتمالا جادا.
ينقلنا هذا إلى ثاني الأسئلة الكبرى، وهو "هل أصبحت الدولة التركية رهينة أجهزة مافيا؟ يقول ريان جينجيراس، وهو خبير في التاريخ التركي، إن قضية ضراب تشير إلى استفحال الجريمة المنظمة في تركيا. وكتب يقول "السنوات العشر الماضية شهدت زيادة كبيرة في التجارة غير الشرعية والتهريب في أنحاء البلاد".
وقدم جينجيراس إحصاءات تشير إلى أن الخطط المرتبطة بكشف عمليات تجارة غير شرعية في النفط قفزت إلى خمسة آلاف خطة في عام 2014 مقارنة مع 800 في عام 2009. وقال إن "استفحال الأنشطة غير الشرعية في تركيا" يعود في جزء منه على الأقل إلى إردوغان وإدارته.
أضاف "هم في أقل تقدير لم يظهروا عزيمة وإلحاحا في مواجهة هذه التحديات... وبالإضافة إلى إهمالها، تبدوا الحكومة التركية متورطة بشكل مباشر في أنشطة إجرامية".
تلك المادة مادة إدانة.
وما زال هناك بقية محاكمة ضراب.
-------------
احوال تركية

ياوز بيدر
الاثنين 4 ديسمبر 2017


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ذاكرة السياسة | عاربة ومستعربة | حديث الساعة | ثقافة | فنون | عيون المقالات | حوارات | مجتمع | رياضة | علوم وتقنيات | إعلام | تحقيقات | منوعات | سياحة | أقمار ونجوم | أروقة التراث