تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

سوريا أمام لحظة الحقيقة

06/04/2026 - عالية منصور

موت الأخلاق

06/04/2026 - سوسن الأبطح

كاسك يا وطن

06/04/2026 - ماهر سليمان العيسى

سوريا أولاً

06/04/2026 - فراس علاوي

لماذا يقف السوريون على الحياد في حرب إيران؟

06/04/2026 - طالب عبد الجبار الدغيم

عيوب متجددة للمعارضة السورية

02/04/2026 - حسام جزماتي

إدارة الصراع على الجغرافيا السورية

26/03/2026 - عدنان عبدالرزاق

بروفات فاشلة في دمشق

24/03/2026 - ماهر حميد


كاسك يا وطن




لا بد من البدء بتحية روح محمد الماغوط فقد استعرت العنوان منه.
المشهد بسيط إلى حد السذاجة: رجل يقف أمام محل مغلق في دمشق، يقرأ اللافتة مرة ثانية، يسأل البائع بنبرة نصفها حيرة ونصفها تواطؤ مع الواقع: “في هون؟ ولا لازم أروح على حارة المسيحية؟”. سؤال صغير، يومي، يبدو بلا قيمة، لكنه، قد يبدو، أهم سؤال سياسي يُطرح اليوم… دون أن يدرك صاحبه أنه يسأل في السياسة وهو يظن أنه يسأل عن مشروب


  
لأنك عندما تنشغل بسؤال: أين أشتري؟
فهذا يعني أنك لم تعد تسأل: من الذي قرر؟ ولماذا؟ وبأي حق؟
وهنا، بالضبط، تبدأ اللعبة.
ليست المسألة كحولًا، ولا لباسًا، ولا فضيلة على عمومها، هذه مجرد أدوات تدريب أولي، تمارين إحماء لسلطة ما زالت في دورة أغرار، تتحسس طريقها، تتعلم الأبجدية الأولى للسيطرة، فتبدأ من حيث يبدو الأمر سهلًا: يوميات الناس. لا تمسك السياسة، لأنها لا تعرفها بعد، فتمسكك أنت. لا تكتب دستورًا، لأنها لا تملك تصورًا له، فتعيد كتابة تفاصيل يومك بدلًا عنه. لا تعرف كيف تُعرّف الدولة، فتُعرّف لك ما يجوز وما لا يجوز أن تشربه.
في زمن آل الأسد، كانت القاعدة أبسط، وأكثر خبثًا في الوقت نفسه: عش كما تريد في حياتك اليومية… فقط لا تقترب من السياسة. البس ما تشاء، اسهر، اضحك، تحرك، افتح المقاهي واملأها بالدخان والكلام الفارغ، لكن إياك أن تسأل: عن شرعية من يحكم؟ وكيف؟ ولماذا؟ كانت الصفقة واضحة إلى حد الوقاحة: خذ حريتك الصغيرة، واترك لنا حريتك الكبيرة.
الأطرف، أن الصفقة نجحت. نجحت إلى درجة أن كثيرين دافعوا عنها بصدق مؤثر: “نحن أحرار… ماذا تريدون أكثر؟” وكأن الحرية تُقاس بعدد المقاهي ومدى ساعات السهر، لا بعدد الأسئلة المسموح بها، وكأن الإنسان يصبح مواطنًا لأنه اختار قميصه بنفسه، لا لأنه يملك حق مساءلة من يحكمه. كانت حرية بلا سياسة، أي حرية بلا معنى، ومع ذلك بدت كافية لكثيرين، لأن اللعبة كانت تُدار بذكاء: أعطهم يومهم… وخذ مستقبلهم.
اليوم، تغيّرت الأدوات، لكن العقلية لم تتغير، بل ربما أصبحت أكثر بدائية. لم يعد المطلوب أن تُترك في يومياتك، بل أن تُعاد صياغتها. خطوة خطوة، تفصيلًا، تفصيلًا: لباسك، حركتك، اختياراتك، وحتى مزاجك الشخصي. ليس لأن هناك مشروعًا أخلاقيًا متماسكًا، بل لأن هناك سلطة تتعلم، تخطئ، تجرب، تضيق وتفسح، تراقب وتغض الطرف، كطالب جديد يكتشف أن التحكم بالناس يبدأ من أصغر تفاصيلهم.
وهنا، يظهر جمهور متحمس، جاهز للتصفيق، يشعر فجأة أنه أصبح شريكًا في السلطة لا خاضعًا لها. شباب يعيشون نشوة غريبة، نشوة “حراسة الفضيلة”، يفرحون بكل منع، بكل قرار، بكل تضييق، كأنهم انتصروا في معركة كونية، بينما هم في الحقيقة يُستَخدمون كجزء من جهاز ضبط ناعم، يراقب المجتمع باسم الأخلاق، ويُعيد إنتاج القيود باعتبارها إنجازًا. المفارقة هنا قاسية: يحتفلون بالسيطرة عليهم… باعتبارها سيطرة على غيرهم.
وفي هذه الأثناء، يظل السؤال الغائب هو الأهم: ما هي هذه الدولة أصلًا؟ لا عقد اجتماعي، لا ميثاق وطني، لا تعريف لشكل النظام، لا وضوح في طبيعة السلطة. هناك فقط قرارات… وتعليمات… واتفاقات تُعقد في الظل… وصمت كثيف. السلطة تتصرف وكأنها وحدها، تفاوض وكأنها مفوضة، تقرر وكأن الشعب الذي ناضل وقدم القرابين تفصيل يمكن تجاوزه.
وهنا، تحديدًا، تتحول الحريات العامة من ترف سياسي إلى ضرورة وجودية. ليست مجرد حق إضافي يمكن تأجيله، بل هي الشرط الوحيد لوجود دولة أصلًا، لأن غيابها يعني أن كل ما يجري ليس سوى إدارة يوميات، لا بناء كيان. لكن، وبمهارة تستحق الدراسة، يتم سحب الناس بعيدًا عن هذه النقطة، ودفعهم إلى معارك أصغر: أين يُسمح؟ وأين يُمنع؟ من يشرب؟ ومن لا يشرب؟ من يلبس؟ وكيف يلبس؟ وكأن الدولة تختصر في سلوك الفرد، لا في حقوقه.
في دمشق اليوم، يتحول المشهد إلى كوميديا سوداء مكتملة: مواطن يتنقل بين الأحياء بحثًا عن مكان “مسموح”، يقرأ الخريطة الجديدة للفضيلة كما لو كانت خريطة عسكرية، يتعلم بسرعة مذهلة كيف يتأقلم، كيف يتجنب، كيف يلتف. لا يسأل عن القاعدة، بل عن الاستثناء. لا يناقش القرار، بل يبحث عن ثغرة فيه. وهنا تبلغ اللعبة ذروتها: عندما يتحول المواطن من صاحب حق إلى خبير في التكيف مع غياب الحق.
كل منع صغير، كل استثناء محسوب، كل فسحة ضيقة، هو درس عملي في تشكيل وعي محدود، ونجاح إضافي لسلطة تتعلم بسرعة: إذا شغلت الناس بيومهم، فلن يسألوا عن غدهم. إذا اختلفوا على الكحول، فلن يتفقوا على الدستور. إذا انشغلوا باللباس، فلن يقتربوا من شكل النظام. إذا شعروا أنهم يحرسون الفضيلة، فلن يطالبوا بالسيادة.
السخرية هنا ليست في الفكرة، بل في وضوحها الفج. كل شيء مكشوف، ومع ذلك يعمل. المواطن يضحك، يتأقلم، يكرر الكلمة السحرية: “عادي” … بينما لا شيء عادي. الشباب المحافظ يهلل، والسلطة تتعلم، والدولة غائبة، أو مؤجلة، أو ربما غير مطروحة أصلًا.
وفي النهاية، تختصر القصة كلها في هذا السؤال البسيط الذي بدأنا به: “مسموح هون؟”. سؤال يبدو بريئًا، لكنه يكشف كل شيء. لأنه يعني أنك قبلت مسبقًا أن هناك من يقرر عنك، وأن دورك يقتصر على معرفة الحدود لا على رسمها.
وهنا، فقط، تتضح الحقيقة الثقيلة: ليست المشكلة فيما يُسمح أو يُمنع…
بل في أنك لم تعد ترى، أو أنك تتنازل عن حقك في أن تسأل: من الذي يسمح، ومن يمنع؟ ولماذا؟
وحتى الآن… هذا السؤال تحديدًا… ما زال ممنوعًا في كل الأحياء.
 

ماهر سليمان العيسى
الاثنين 6 أبريل 2026